في خريف العام 1983، وكنتُ أستاذاً زائراً بجامعة فيينا، دعتني بلدية العاصمة النمساوية الشهيرة إلى جانب عشراتٍ من الأكاديميين لحضور الاحتفال بالذكرى الثلاثمائة لهزيمة الجيوش العثمانية أمام أسوار فيينا عام 1683. التاريخ يقول إنّ هذا الوصول العثماني إلى فيينا لم يكن الأول، لكنه بالفعل كان الأخير. وقد رَمَز إلى الانقلاب الهائل الذي حدث في موازين القوى بين الدولة العثمانية وأوروبا في القرن السابع عشر. والمقصود هنا ليس الحديث عن آثار ذاك الانقلاب في مصائر الشرق والغرب، بل عن الكيفية أو الكيفيات التي دأب المنتصرون على صياغتها وإعادة صياغتها من أجل تعقُّلها في ضوء قضايا الحاضر ومشكلاته. كان من بين الذين استمعنا إلى كلماتهم بالمناسبة المستشار الألماني الأسبق هلموت شميت Schmidt. وما كنتُ لأتذكر بعض ما قاله إلاّ لأنه أعاد نشْرَ "محاضرته" - كما قال، في الصحيفة الألمانية الأُسبوعية الشهيرة Die Zeit (الزمان)، وأظن أنه كان يرأس تحريرها آنذاك. شميت قال إن المغايرة أوالغيرية هي التي حكمت على العثمانيين ليس بمغادرة أراضي النمسا فقط؛ بل وكل أراضي البلقان وشرق أوروبا. وتابع: سيقول البعض إنّ ذلك يعود لبزوغ فجر الدولة القومية في أوروبا ثم في العالم. وهذه إمكانيةٌ بارزةٌ للتفسير يلجأ إليها كثيرون من المؤرخين؛ لكنّ التفسير الأرجح في تعليل الانسحابات العثمانية الطويلة بعد ثلاثمائة عام أنّ السبب العميق والباقي يتمثل في التغايُر الديني. فالاختلاف بين الأوروبيين والأتراك ليس قومياً ولا إثنياً وحسْب؛ أو أنه ليس العلة الرئيسية؛ بل الأهمّ في الافتراق بين العالمين هو الافتراق الديني، فالأتراك هاجموا أوروبا واحتلُّوا أجزاء واسعةً منها على مدى أربعمائة عام، باعتبارهم غُزاةً أرادوا دائماً كسْب أراضي جديدة لدينهم، وهو الإسلام. والروح المسيحية، التي صنعت " صورة العالم" لدى الأوروبيين تستعصي على الإلغاء أو الإخضاع، كما يُثبت إجلاء الإسلام والمسلمين عن أسبانيا بعد سبعمائة عامٍ على فتْحها من جانب العرب والمسلمين، وخسارة الأتراك لكل الأقاليم بشرق أوروبا والبلقان بعد أربعمائة عام! لقد تغيرت الظروف تغيراً راديكالياً- كما يقول شميت- ويعيش في أوروبا اليوم ملايين الأتراك والعرب والأفارقة بسلام، لكنّ " الاندماج" سيظلُّ غير ممكن، رغم انتفاء العدوانية السابقة في العلاقة؛  لأنّ الأتراك أو العرب مختلفون تماماً في اعتقاداتهم ورؤيتهم للعالم؛ ولذلك فهو لا يرى مجالاً لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي – مع أنه يقول بإمكان قيام اتفاقيات تعاون قوية بين تركيا والاتحاد الأوروبي، تحقيقاً للمصالح المشتركة!


في ذلك الزمن البعيد نسبياً ما كانت كل مفردات "الهوية" وتداعياتها قد أفصحت عن نفسها . وعندما كانت النقاشات حول "العمال الأتراك" ومنافستهم للألمان في استنفاد فُرَص العمل تندلع، أو يتشاجر رجال الشرطة الفرنسية مع "المتمردين" وناشري الفوضى من الشبان ذوي الأصول المغاربية بضواحي باريس؛ فإنه سُرعان ما يستعيد الثقافويون وذوو الحساسية التاريخية الفائقة، ذاكرة وذكريات الحروب الصليبية، والجراح الباقية للحروب الطويلة مع الأتراك العثمانيين بشرق أوروبا والبلقان على مدى أربعة قرونٍ ونيف.
وحده شميت عام 1983 أخرجنا من التاريخ إلى الهوية في صراعات التغايُر الذي يبدأ تمايُزاً ويصبح تميزاً، ثم يكونُ عدوانياً. لقد جرى تفسير الحروب الصليبية، والحروب العثمانية، تفسيراً اقتصادياً واستراتيجياً، وقد سلّم بذلك معظم المؤرخين الغربيين. أما شميت، وأما المؤرخون العرب المُحدثون فلم ينسوا العامل الديني، بدليل أنّ الغُزاة وضعوا على راياتهم الصليب، وبدليل أنّ هدفهم المعلن كان استعادة قبر المسيح وكنيسة القيامة من المسلمين  . لكنْ إذا كان هذا صحيحاً، وظلّ عاملاً بين عوامل ظهور الإسلاموفوبيا مجدداً، فلماذا كانت العودة إلى هذه " الأصالية" وصيرورتها شعبية في الأوساط الأوروبية، في هذا الزمن العلماني، وفي هذه الظروف بالذات، وكيف صارت ظاهرةً غلاّبة، تؤثر حتى في مصائر الحكومات الأوروبية؟ لقد كانت النقاشات الداعمة للحوار بين الدينين والمعادية له، تدور بين النُخَب الاستراتيجية، والاستشراقية، أما اليوم فإنها صارت شعبويات، تُكسِب في الانتخابات، وتتسبب في أحداث عنف متبادلة، وتتحول إلى قوانين في البرلمان؛ وكل هذه الأمور ظواهر جديدة  : نعم لقد صار الإسلام عدواً لدى فئات شعبية أوروبية وأميركية واسعة، ثم إنّ هذا العداء صار سياساتٍ مقررة في دول أسيوية كبرى مثل الصين والهند وبورما!

II
في أجواء الثمانينات من القرن الماضي، ظهرت لدى بعض كُتّاب اليمين الأوروبي الفكرة القائلة إنّ العدوَّ القادم للغرب الديمقراطي، ذي الأصول اليهودية – المسيحية، هو الإسلام. منهم من سمّاه الخطر الأخضر، ومنهم من سمّاه الخنجر المسموم في قلب الحضارة العالمية. لقد بدت تلك الأصوات قليلةً وهامشية، لأنّ الصراع العالمي كان يدور وقتها على مصائر الاتحاد السوفياتي. وقد استخدم الدينان الكاثوليكي والإسلامي ضد الشيوعية، باعتبار أنّ المعركة هي معركة الإيمان والحرية (!)، وفي هذه المعـركة أو الحـرب جـرى استُخدام الكاثوليكية من خلال نموذج بولندا، وهو نموذج دعمه البابا يوحنا بولس الثاني البولندي الأصل. أما الإسلام، فقد تجنّد باسمه أُلوفٌ وأُلوفٌ للقتال في أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي  الذي تدخل لدعم حكومة الانقلاب الشيوعية. وإلى جانب الكاثوليك والمسلمين، انتشرت الإنجيليات البروتستانتية الجديدة، التي دعمت وصول رونالد ريغان لرئاسة الولايات المتحدة، وانساحت في العالم الأوسع انطلاقاً من الولايات المتحدة للإسهام في صنع الإيمان الجديد، والحريات الجديدة. وقد كانت تلك الإنجيليات من أكبر المستفيـدين من سقوط الحكومــات الشيــوعية في أوروبا الشرقية. وبدا في النهاية أن الأديان موحدة من حول أميركا لإسقاط الاتحاد السوفياتي، وحلف وارسو.
وكما سبق القول، ما اهتم كثيرٌ منا بمقولات اليمين الأقلوي بأوروبا ضد الإسلام. وذلك لأنّ معظم الدول الإسلامية انحازت للولايات المتحدة في صراعها مع السوفيات، كما أنّ حركيي الصحويات الإسلامية، كانوا يقاتلون ويناضلون في أفغانستان، وفي الأقاليم الإسلامية بآسيا الوسطى والقوقاز، والتي كات تابعة للروس.
في العام 1990 كتب المستشرق المعروف برنارد لويس مقالته الشهيرة: جذور الغضب الإسلامي. وهي المقالة التي أسّست للمقولة التي تكررت في عدة كتبٍ شعبيةٍ له بعد ذلك  . لماذا المسلمون غاضبون على العالم، وعلى العالم الغربي بالذات؟! لعدة أسباب، أو لسببٍ أساس، كانت له تداعيات. السبب الأساسي: الفشل في الصراع الطويل الذي دار لعدة قرونٍ بين عالم الإسلام والعالم الأوروبي. والفشل المقصود مزدوج:عسكري وحضاري. فالفشل العسكري ليس كافياً لاستيلاد هذه الحالة، فها هم المغول والتتار حققوا انتصارات عسكرية هائلة، لكنّ الحضارة الإسلامية كانت متفوقة، واستطاعت استيعابهم، وقد اعتنق كثيرون منهم الإسلام، وأنشأوا دولاً إسلامية. أما مع أوروبا فقد كان الفشل الإسلامي مزدوجاً كما سبق القول، خسروا عسكرياً على طول حتى احتل الأوروبيون ديارهم. لكنهم خسروا أيضاً في عمليات التقدم الدولتي والثقافي والإنساني التنويري. ولأنهم حاولوا في المجالين، وعلى مدى قرنٍ ونصف استعادة الزمام وما استطاعوا ذلك، حصل الحقد والغضب الذي تحول إلى حالةٍ من السوداوية الهائلة التي ولّدت العنف وسيبقى الحال كذلك لحين حصول وضع آخر في إحدى دول المسلمين الكبرى. وعلى مدى ثلاثين عاماً ظلّ لويس يعتقد أنّ الأتراك نجحوا في الخروج من الفشل والغضب معاً بالعلمانية التغييرية من جهة، وببناء دولة مدنية غير دينية من جهةٍ ثانية. لكنّ لويس عاش حتى رأى عودة الإسلام إلى تركيا وليس أي إسلام، بل هو الإسلام السياسي بالذات، وهو المرض الذي أصاب قبلهم العرب والباكستانيين!
فما العمل إذن؟ يرى لويس أنّ هذا العنف ليس من طبيعة الإسلام، لكنّ شبان المسلمين وعبر أكثر من جيل، دخلوا في حالة" الغضب" الناجم عن الفشل وسيظلون يرعبون العالم! إنّ هذه المقاربة للحالة الإسلامية، سيطرت في الثمانينات والتسعينات على جيلٍ كاملٍ من تلامذة لويس وزملائه وتلامذتهم. فمنهم من اتجه لتتبع مصادر ومظاهر العنف لدى المسلمين المعاصرين. ومنهم من اتجه لاستكشاف أصول العنف العنيف في الإسلام نفسه بدءًا بالقرآن. لقد سمينا هؤلاء باسم: المستشرقين الجدد، والمراجعين الجدد الذين يتنكرون لقراءة المستشرقين التقليديين للنص الإسلامي، والتاريخ الإسلامي. وفي حين عانينا نحن دارسي كلاسيكيات الإسلام من موجة المراجعين الجدد هؤلاء وعملهم على تتبع عنف الإسلام في التاريخ والحاضر، عانى زملاؤنا عرباً ومسلمين وغربيين من تلامذة لويس بين دارسي الظواهر الإسلامية الحديثة، والذين تحولوا إلى صحفيين وإعلاميين، وخبراء استراتيجيين لدى الحكومات والشركات والمؤسسات الثقافية الكبرى، والوكالات الدولــية العامـلة في ديار 
المسلمين  .
في هذه الأجواء المحتقنة مع نهاية الحرب الباردة، والبحث المحموم عن " العدو البديل" أو السعي لصناعة العدو البديل؛ نشر صمويل هنتنغتون مقالته الشهيرة في مجلة الشؤون الخارجية الأميركية، في خريف العام 1993. وكانت المقالة والتي صارت كتاباً عام 1996 بعنوان: صدام الحضارات. في المقالة والكتاب صار الغضب عند برنارد لويس مقولةً أو نظريةً للعلاقات بين الحضارات في العالم لدى هنتنغتون. وهنتنغتون مفكر استراتيجي أميركي محافظ، وكان عندما كتب المقالة أستاذاً بجامعة هارفرد، وله منذ السعبنيات دراسات متوالية عن الاتحاد السوفياتي، وأساليب وضرورات الصراع معه. لقد وقع في وهم العدو البديل، وراح ينظّر للصراعات المقبلة بين الحضارة الغربية اليهودية- المسيحية، والحضارات الست أو السبع الأُخرى في العالم. وبالطبع هناك إمكانياتٌ في العصر القادم للصراعات غير الأيديولوجية والاستراتيجية ( وهي الصراعات الثقافية والحضارية، لأنّ لكل حضارةٍ ديناً) والتي يمكن أن تحدث بين البوذيين في اليابان والصين والعالم الغربي، لأنّ الصينيين غير ديقمراطيين! لكنّ ذلك غير مُرَجَّح لأنّ اليابانيين والصينيين يتبَّنون الأساليب الغربية في التقدم وسينجحون (لنتذكر كلام لويس عن الغضب الخالد لدى المسلمين بسبب عدم النجاح في اللحاق بالركْب الغربي!)؛ ولذلك فالراجح أن يتعاون الصينيون (والهنود أكثر) مع الغرب. وهناك خطر  أخفّ، وهو أن يتحالف الصينيون مع المسلمين. لكنّ ذلك غير مرجَّح أيضاً، طبعاً بسبب فشل المسلمين وانقسامهم. وبعد كل شيئ فالذي يبقى أنّ الإسلام عدوٌّ بطبيعته للحضارة الغربية وقيمها اليهودية- المسيحية، ولذلك سيمتلك المسلمون دائماً تخوماً دموية مع الآخر الديني والحضاري، أو أنهم سيظلون عدوانيين تجاه أولئك المتفوقين عليهم. ولذا ولكي يكتمل انتصار الحضارة الغربية، لا بد من كسْر عدوانية الإسلام والمسلمين.
منذ العام 1996 كتب كثيرون من الغربيين، ومن العرب والمسلمين ضد هذه المقولة التمييزية. بيد أنها وإن لم تحصل على إجماع أثّرت في سياسات الدول، وفي أيديولوجيات الأحزاب السايسية. فحتى فوكوياما في كتابه: نهاية التاريخ والإنسان الأخير، يعتبر الإسلام خطراً، بسبب كثرة المسلمين، وعدم إيمانهم بالديمقراطية(!). إنما الفرق بينه وبين هنتنغتون، أنه لا يرى هذا الخطر كبيراً بسبب سيطرة الحضارة الغربية على نظام العالم وقيمه.

III

عندما نشر صمويل هنتنغتون مقالته عن صدام الحضارات في مجلة Foreign Affairs عام 1993، كنت أستاذاً زائراً بقسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفرد، وقد اتفقت مع روجر أوين وروي متحدة ووليام غرانارا وكنعان مكية وآخرين، على دعوته إلى نقاشٍ هادئ ما وافق الرجل عليه إلاّ إذا ألقى في البداية كلمةً يريد أن يورد فيها بعض الاستدراكات على نفسه، فيما يشبه النقد الذاتي. لكنه ما كان في الحقيقة نقدأ ذاتياً، بل هو أورد أمثلةً على العنف الإسلامي في الحاضر. وقد توقع أن يزداد هذا العنف ويتضاعف، لأنّ المسلمين استقووا بظهور دولٍ جديدةٍ لهم في شرق أوروبا والقوقاز. ثم إنّ الصرب بشراستهم ضد المسلمين في البوسنة والهرسك وكوسوفا، سيشجّعون المسلمين على ممارسة  
عنفٍ مماثل. وأوضح أنه لا يعتبر الإسلام في الحقيقة عدوانياً بالطبيعة، لكنه صار كذلك تحت وطأة ضغوطات الحداثة، وعدم قيام ديمقراطيات مستقرة في بلدان العرب والمسلمين. وقال إنّ لدى المسلمين فرصة بل فُرَص بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، لإثبات أنهم يمكن أن يقيموا ديمقراطيات، ويهتموا بالتقدم، وعلى الولايات المتحدة المساعدة في ذلك، وهو لا يعرف لماذا أبقت أميركا على صدام في العراق بعد إخراجه من الكويت!
أما آخر مرة رأيتُ فيها هنتنغتون فكانت في الجنادرية بالرياض عام 2006، وكان قد كبر وضعُف؛ لكنّ ذلك ما منعه من تذكيري بمداخلته آخر العام 1993 عندما توقع تصاعُداً في العنف من جانب العرب والمسملين: فهل تجد يا أستاذ سيد عنفاً أشدّ هولاً من عنف العام 2001 ضد برجي التجارة العالمية بنيويورك؟ وهذا فضلاً عن عشرات أحداث العنف في سائر أنحاء أوروبا. نعم هناك معاناةٌ للحضارة العالمية، من إرهاب شبان المسلمين. وما ركّز في كلمته بالجنادرية على أحداث العنف الإسلامي، وأمَّلَ أن يكون الحاضر أفضل من الماضي، وبخاصة بعد أن أثبت غزو العراق أن الديمقراطية لا تُوهَب بل تُنتج بالوعي والاستقرار في المديات الطويلة.
فلنعد لمسألة "العنف الإسلامي" وتأثيراته في الإسلاموفوبيا. يقول فرنسيس فوكوياما: " إنّ أخطر الناس في الشرق الأوسط ليس المسلمين الشديدي التدين. بل هم الشباب المعزولون والمستأصَلون من جذورهم في هامبورغ أو لندن أو أمستردام. الذين صارواعقائديين مثلهم في ذلك مثل الفاشيين والماركسيين من قبل. وهذه هي أصول الحالة الجهادية بوصفها الجواب لبحث هؤلاء الأفراد وهذه الجماعات عن الهوية" . هناك ظاهرتان تكاثرتا في التسعينات وما بعد، وهما- الأولى: شبان من المسلمين في أنحاء مختلفة من أوروبا يقومون بأعمال عنيفة صغيرة، تارةً ضد رجال الشرطة وطوراً ضد محلاّت الألعاب أو المقابر اليهودية أو دور السينما أو القطارات. كانوا ما يزالون أفراداً ليسوا مجموعات، وكانت وسائلهم ما تزال ضعيفة ولا تُوقع أضراراً كبيرة. ولا شكّ أنهم كانوا يتشاورون، ويشجع بعضهم بعضاً، ويتبارون في التنافس على من يقوم بهذا العمـل المتفـلت أو ذاك. والجـدائد كثيرةٌ في العـنف الجديد: أنه لا يكون ناجماً في معظم الأحيان عن ضغوطٍ مباشرةٍ مثل البطالة أو المشكلات الاجتماعية القاسية أو التعرض لظلم البوليس – وأنه يتقصد إلى الإضرار بشكل رمزي بمظاهر السلطة أو مظاهر ازدهار أو تفلت الحضارة الغربية  من وجهة نظره- ومن هؤلاء 
من يكون متديناً تديناً عادياً، ومنهم من هو غير متدين؛ وليس بينهم من هو ذو ثقافة عالية بالمقاييس الغربية أوالعربية – ومعظم هؤلاء من أصول مغاربية، إنما بالتدريج صار يظهر بينهم باكستانيون أو أفارقة – وأبرز ما يميّز هؤلاء أنهم يدّعون القيام بذلك بدوافع إسلامية. فقد اختفت تماماً دعاوى اليسار والتحرر والانعتاق التي ازدهرت في السبعينات وحتى أواسط الثمانينات. والذين يقبض عليهم، ويجري التحقيق معهم، ظلَّ المحققون والخبراء يتحدثون بشأنهم عن التفكك الأُسري، واهتزاز الانتماء، والعجز عن الاندماج، وأحياناً قليلة: التعاطف مع الأحداث التي كانت تجري في بلدانهم الأصلية أو عليها ومن ذلك غزو العراق، وأحداث فلسطين، وأحداث العنف في الجزائر.
أما الظاهرة الثانية فتتمثل بإسراع الحكومات ثم البرلمانات والشارع أو الرأي العام إلى اتخاذ إجراءات، واشتراع قوانين، او إصدار ممنوعات في المدارس والتعليم والمجال العام، تشمل كل المسلمين المقيمين في هذه الدولة الأوروبية أو تلك. وما كان هذا يحدث بالطبع عندما كانت يافطة اليسار هي المرفوعة. وكنتَ تجد بينهم أيام اليسار بعض الشبان الصغار الأوروبيين. أما في التسعينات وما بعد فقد صاروا شباناً مسلمين جميعاً، وصاروا يعملون باسم ما يعتبرونه هويتهم الخاصة الممَتَهنة. وصارت الحكومات وجمعيات الهوية، وجمعيات الشبان اليمينيين المحافظين، تُظهر ردات فعل سريعة، وبطرائق وفي أماكن غير متوقعة، مثل تحريم ارتداء غطاء رأس في المدارس بفرنسا باعتباره رمزاً دينياً يؤذي المشهد في الدولة العلمانية، ومثل إجراء الاستفتاء الشهير في سويسرا للمنع من بناء المآذن، ومثل منع المسلمين من التردد على أماكن قريبة من المعابد أو المقابر اليهودية، ومثل تشديد الرقابة على المساجد وجمعياتها وخُطَب خطبائها.
هذا كله كان قبل حَدَث العام 2001، وصار طوفاناً من الطرفين بعد ذلك الحدث. فمن جانب الشبان المسلمين ما عاد الممارسون للعنف غالباً أفراداً، وإنما هم مجموعات شكلت نفسها بنفسها وسعت للاتصال بالقاعدة أو أحد فروعها، أو أنها تمارس العنف انتقاماً وليس لسببٍ محدد، أو أنها تعمل اتصالات للانضمام للقاعدة خارج القارة الأوروبية. لقد صارت هناك قيادة ملهمة وأحياناً فعلية للشبان الذين صاروا مجموعات في مختلف البلدان الأوروبية، وبقيت أعدادهم ضئيلةً جداً بالفعل، لكنّ القلة القليلة تستطيع إفساد قضية الأكثرية! فقد تعاظمت أحداث العنف باسم الإسلام خارج أوروبا، وتعددت أحداث العنف في سائر الديارالغربية، وبخاصةٍ بلدان أوروبا الغربية، وتفاقمت في بلاد العرب والمسلمين.
بعد العام 2001، وأحياناً قبلها، تكونت الشبكة العالمية الهائلة لمكافحة الإرهاب الإسلامي. وصارت نسبة 60% من ذوي الأصول الإسلامية بأوروبا على لوائح الأجهزة المختلفة للمراقبة والتتبع للإقدار على الحصار المسبَق. والأهمّ من ذلك كله، بما في ذلك إدخال آلاف الشبان للتحقيق لدى هذا الجهاز أو ذاك في أعرق الدول الديمقراطية- الأهمُّ من ذلك كما سبق القول أنّ الأسلاموفوبيا صارت ظاهرةً شعبيةً بالفعل، ونحن نتحدث عما قبل العام 2010، فصارت أحزابٌ محافظة وحتى ليبرالية ترمي لكسْب الأصوات في الانتخابات برفع شعارات معاداة الهجرة لذوي الأُصول الإسلامية بالذات، أو سحب جنسية المرتكبين منهم، أو منع الحجاب في المجال العام، أو إيقاف بناء المساجد.. الخ. أما المرحلة الثانية فكانت إنشاء أحزاب سياسية معادية للهجرة، وداعية للحفاظ على الهوية من الغزو الإسلامي بالذات. وما حدث ذلك في فرنسا فقط؛ بسبب الكثرة النسبية للمسلمين؛ بل حدث أيضاً في أعرق الدول قَبولاً للمهاجرين، مثل الدول الاسكندينافية. والظاهرة عامةٌ الآن في أوروبا، وفي بعض الأوساط الأميركية. ثم إنّ الإسلاموفوبيا صارت ظاهرةً شعبيةً وباعثاً على الكراهية ضد المسلمين في بلدٍ ضخمٍ مثل الهند، حيث تقارب أعداد المسلمين المائة والخمسين مليوناً؛ فيفوز حزب بهاراتيا جناتا اليميني المتطرف في دورتين انتخابيتين، وأبرز أسباب الفوز: العداء للمسلمين، الذين لوَّثوا طهارة الهوية الهندية الخالصة! والطريف أنه ليس هناك بين عشرات الملايين من المسلمين الهنود من هو متهمٌ بالعنف أو الإرهاب، وإنما يقتصر الأمر على التظاهر واللجوء إلى المحاكم في مواجهة عنف الشرطة والجمهور. وقد قال تقريرٌ كلّفت الحكومة لجنةً برئاسةٍ قاضٍ معروف بإعداده: إنّ "الأقلية" الإسلامية التي يبلغ عددها أكثر من مائة مليون، هي الأكثر تهميشاً بين سائر أقليات الهند، وستشكّل أزمةً ضخمةً في المستقبل القريب إن لم تكن هناك مساعٍ وتوجهات للانصاف والمساواة وحكم القانون  .
إنّ ما ينطبق على الهند، ينطبق أيضاً على الصين في اضطهادها للأويغور والأقليات الإسلامية الأُخرى. وينطبق بالطبع على ميانمار والمذابح الحكومية ضد أقلية الروهينغا المخيرة من عقدين بين الهجرة والإبادة. وفي عشرات الدول، وبخاصةٍ تلك التي لا يسود فيها حكم القانون؛ فإنّ السلطات التي تريد زيادة شعبيتها تدخل أيضاً في موجة "خُواف" الإسلام، بالحق أو بالباطل، فيصبح كل مسلمٍ دخل أراضيها أو لم يدخل، مشبوهاً بالإرهاب! ولماذا نبتعد إلى قارات أوروبا وآسيا وإفريقيا؟ فهناك باحثٌ ذكيٌّ هو المثقف المعروف محمد الأرناؤوط، كتب دراسةً قصيرةً عن "الإسلاموفوبيا في مجتمع أوروبي بغالبيةٍ مسلمة: خصوصية الإسلاموفوبيا الألبانية"  . فيستطيع كل سياسي يتقصد النجاح  بسرعة وإنْ في بلد عربي أو إسلامي، أن يتهم خصومه بالتطرف أو الإرهاب. ولذلك فيمكن القول إنّ رُهاب الإسلام واسع الانتشار جداً، وقد بدأ في أوروبا لكنه اليوم صار ظاهرةً منتشرة  في جميع أنحاء العالم، ومن ضمن ذلك الانتشار بين فئات شعبية ولدى في البلدان العربية والإسلامية حتى التي لم يجر فيها اضطرابٌ في السنوات الأخيرة. وقد قسّم بعض الباحثين هذه الظاهرة الهائلة(ظاهرة كراهية الإسلام) إلى أربعة أقسام: قسم حقيقي ناجم عن خوف الناس العاديين من العنف الذي يمارسه الشبان ذوو الأصول الإسلامية في مجتمعاتهم وفي العالم، وبخاصة أنهم صاروا تنظيمات مسيَّرة أو شبكات وما عادوا أفراداً أو ذئاباً منفردة- وقسم مصنوع من أجل كسب الأصوات في الانتخابات، والخلود في السلطة باستغلال مخاوف الناس من العنف الديني، وادعاء الحرص على الهوية الوطنية المبرَّأة من دنس الكثرة الإسلامية الملوَّثة أو الملوَّنة – وقسم تصنعه الدول والتنظيمات الكبرى باعتباره إرهاباً مضـاداً تـارةً، أو سلاحاً ضد خصومها الاستراتيجيين. وهـذا أمـرٌ شـاع في العقد الأخـير بعد تحطـم القاعدة وداعش وتشـرذمهما، بحيـث صـار ممـكناً للجهـات الكبـرى المهتمـة أن تعـيد تجنيـد تلك الشـراذم ضـد خصـومها الأيديـولوجيين أوالاستراتيجيين، أو استـخدام أفـراد من تلك الشـراذم لإرهاب الخصـوم والأعداء.- والقســم الرابع: إرهابٌ وتخويفٌ بالإرهاب الإسلامي السني تستخدمه الدول والقوى والأجهزة من أجل ابتزاز خصومها والمنّ عليهم بإمكان المساعدة أو التهدئة، والوصول معهم إلى قواسم مشتركة بحجة التوافق على المكافحة، وتبادُل الخدمات، وبلوغ المهادنة أو التعاون. وما عاد التمييز ممكناً بين ما هو حقيقي وما هو مصطنع بعد أن تعاظمت الظاهرة، وذهب ضحيتها عشرات بل مئات الألوف، بحيث ما عاد الخوف أو التوجس" ثقافوياً" وحسب؛ بل يستطيع الخائف إيراد شواهد قاتمة على إمكان تحقق مخاوفه، وصيرورته ضحيةً على يد إرهابي عشوائي.
بيد أنّ هذا "الخواف" المستند إلى شواهد عنيفة، إن صحَّ في فرنسا مثلاً فإنه لا يصحُّ في أميركا ولا في الهند والصين وبورما وألبانيا والسويد.. الخ  . ولذلك لا بد من توسيع الرؤية باتجاه استكشاف كل أبعاد الظاهرة، وفي الخاتمة: كيف كانت ردود أفعال العرب والمسلمين عليها وهم أكبر المتضررين بشكل مباشر وغير مباشر، وإلى أين نتجه اليوم وغداً في العلائق بديننا، والعلائق بالعالم.
IV

في مقابلةٍ مع صحيفة La Stampa الإيطالية أدان البابا فرانسس الشعبويات، وأوهام السيادة. وهو بذلك يرى أنّ هذين الأمرين هما أهم المتغيرات التي طرأت على النخب السياسية وعلى الجمهور في أوروبا. فالنُخَب السياسية الأوروبية تتشبث بسيادة الدول للانغلاق عن العالم، واتخاذ قرارات تخرج على القوانين والأعراف الدولية وحتى على تنظيمات الاتحاد الأوروبي. وهي تقصد من وراء ذلك الحيلولة دون دخول الغرباء إلى إراضيها، وفي طليعتهم المسلمون. وهي تستند في تخلّيها عن هذه الالتزامات الدولية والأوروبية والإنسانية إلى الشعبويات التي أوصلتها للسلطة في انتخاباتٍ حرةٍ شكلاً، حملت خلالها تلك الأحزاب شعارات تمييزية وعنصرية، واندفع إلى شباكها حتى في دول مثل النمسا وهنغاريا وبولندا وألمانيا وانجلترا وإيطاليا، جمهورٌ واسعٌ يتوزع بين الخوف من الإسلام، والخوف من حرمان المهاجرين الجدد والقدامى له من مكان عمله، والخوف أولاً وأخيراً أن تؤثر الأعداد المتزايدة من المسلمين على هوية البلاد المسيحية أو الإثنية أو الثقافية والحضارية. ولا ننسى أنّ المهاجرين المسلمين إلى أوروبا وخلال عدة عقود ومن العالم العربي وإفريقيا كانوا كثيرين. ولكنهم في العقد الأخير وبعد ما سُمّي بالربيع العربي عام 2011 صاروا سيولاً جارفةً، بلغت من سورية وحدها أكثر من ثمانية ملايين، وصل منهم إلى أوروبا زُهاء المليون ونصف المليون. وبالطبع ما كان ذلك ليهدد الهوية الوطنية العامة بأي حـال، لأنّ أعـداد المهاجريـن عرباً وغيـر عرب، لا تبـلغ خـلال العقود الأربعـة الماضية 
أكثر من اثنين إلى ثلاثة بالمائة من مجموع السكان في ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا، وأقل من ذلك في البلدان الأُخرى. إنما من ناحيةٍ أُخرى فإن هذه الظاهرة مستمرة، وقد صارت مأساةً كبرى قصص السفن والزوارق الغرقى بالآلاف في غمار مياه البحر المتوسط، وهم يحاولون الوصول إلى الشواطئ الإيطالية أو الأسبانية أو اليونانية، بعد أن انسدّت عليهم الطرق البرية عبر تركيا، لأنّ الدول مثل بلغاريا وهنغاريا ترفض استقبالهم ولو بقوا على الحدود شهوراً. وبالطبع فإنّ سلطات تلك الدول، والتي ما عادت تتمتع بالرخاء الاقتصادي، عندما تقف "صامدةً" في وجه الهجرة براً أو بحراً، وترفع عقيرتها بذلك، إنما تكسب شعبيةً في الداخل.
كل الأحزاب الأوروبية ذات الميول اليمينية والشعبوية ليست أحزاباً دينيةً، بل هي أدنى إلى الإثنية والقومية، وإن ذكر بعضها المسيحية تجملاً مثل الشعبوي الهنغاري أو البولندي. ومع ذلك فإنّ هذه الأحزاب تنشر الكراهية ضد الإسلام. وقد ذكرتُ ذلك لبعض رجال الكنيسة الكاثوليكية مستغرباً فضحك ولم يشاركْني الاستغراب، بل قال: هذا بالضبط هو سبب كراهيتهم للإسلام، لأنهم ليسوا مسيحيين حقيقةً، بل يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وهم مستعدون لاستخدام أي شيئ لزيادة الشعبية، وللعنصريات اليوم حظوظ معتبرةً في أمزجة الناس. إنهم في الحقيقة يكرهون فكرة تأثير الدين من خلال قيمه السمحة في السياسات الوطنية، وفي العلاقات مع العالم! بيد أنّ الحزبيات الأسيوية في الهند وميانمار وتايلاند وبعض أميركا هي حزبياتٌ دينيةٌ أو أنها في عملها السياسي أو اهتماماتها السياسية تتحدث باسم الدين الهندوسي أو البوذي، أو الإنجيلي وتستخدمه في مواجهة الإسلام والمسلمين. وقد ذكر الأستاذ سكوت هيبارد في كتابه الصادر عام 2010 بعنوان  : السياسات الدينية والدول العلمانية (مصر والهند والولايات المتحدة ) أنه في تلك الدول العلمانية أساساً جرى استخدام الدين بكثافة في الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي لزيادة شعبية النظام، وكسْب الأصوات في الانتخابات. فحتى أنديرا غاندي زعيمة حزب المؤتمر الليبرالي العلماني، اهتمت بالرموز والشعائر الهندوسية لزيادة الشعبية. والرئيس السادات زاد مادةً في الدستور لكسْب المتدينين. ولا يُخفي الرؤساء الأميركون منذ أيام كارتر تدينهم الشديد، ومجاملتهم للإنجيليات الجديدة. ويرى هيبارد أنّ تلك السياسات أفادت منها في النهاية الأحزاب الدينية المتعصبة، لأنّ الإحيائيين والصحويين الذين سُرُّوا بمجاملات العلمانيين المحافظين، عندما أُتيحت لهم الفرصة اندفعوا لإنفاذ أجنداتهم بكاملها تحت قيادة زعماء متشددين مثلهم.
وهكذا هناك صحوياتٌ وإحيائياتٌ وطهورياتٌ قومية وإثنية ودينية، وكلها وجوه وأبعاد جديدة للهويات الصاعدة في أوروبا وآسيا  ، ووجهتها في العقود الأخيرة استخدام الإسلام باعتباره عدواً، وهي تستند في ذلك إلى عدة أمورٍ أو ظواهر: إصرار المسلمين على التمايز والاختلاف والتمسك الشديد بالأعراف الخاصة في اللباس والهيئة والرموز والطقوس التي تأباها أو لا تألفها الأكثريات الوطنية – والتكاثر الهائل للمسلمين حتى في المجتمـعات التـي هم أقلياتٌ فيها إلى الحدود التي تُخيفُ الآخرين من إمكان غلبتهم – وانتشار العنف في أوساط شبابهم ضد المجتمعات التي يعيشون فيها، وفي العالم الأوسع  .
إنّ هذه هي الإدراكات والانطباعات التي عظّمت من خُواف الإسلام، وحوّلت الإسلاموفوبيا إلى ظاهرةٍ عالميةٍ، بالتوازي مع المتغيرات الكبرى في المجتمعات الإسلامية. والواقع أنّ العنف والإرهاب، والذي صار عنواناً للإسلام، والإسلام السني بالذات، إنما كان الذروة التي بلغتها الأمور في تسعينات القرن الماضي وإلى اليوم. بيد أنّ الصحويات والإحيائيات والأصاليات بداخل الإسلام إنما كانت تيارات وظواهر برزت في ديار المسلمين ودولهم خلال عقود القرن العشرين، على وقع التحديث الغربي، وعواصف الحداثة، وتطورات أنظمة الدول الوطنية الجديدة، وبين الأجيال الجديدة من المهاجرين المسلمين إلى بلدان العالم في أوروبا وأميركا. ويمكن تركيز تلك المتغيرات في عدة أمور  : متغيرات اللباس والهيئة والعادات والأعراف، والإقبال على الرمزيات والشعائريات والتعبديات والسمتيات. وهي متغيرات لاحظها الآخرون قبل أن نُلاحظها نحن، وأكّدت لديهم اهتمام المسلمين بالاختلاف أكثر من اهتمامهم بالاندماج – والظاهرة الأخرى الملازمة ميل أوساط واسعة إلى تحبيذ تأثير الإسلام في المجال العام. وقد تجلّى ذلك في تنظيرات مستجدة لعلائق الدين بالدولة، وربط المجالات العامة بالدين باعتباره يمتلك نظاماً سياسياً (إسلامياً)، على شاكلة نظامه الاجتماعي والأخلاقي – والظاهرة الثالثة استعلاء فكرة التكليف بتطبيق الإسلام، والذي ينبغي أن تقوم عليه تنظيمات اجتماعية وسياسية، يمكن أن تستخدم ضغوطاً من أجل ذلك في المجتمعات الإسلامية، وتمايزاتٍ وفقهاً جديداً في المجتمعات غير الإسلامية – والظاهرة الرابعة: إمكان الدخول على خطّ العنف من أجل إحقاق الهوية المطهّرة في المجتمعات الإسلامية، وفي العالم  .
والواقع أنّ هذه المتغيرات المتمادية ما لبثت ان اصطدمت بالأنظمة في الدول العربية والإسلامية، ثم بالعالم الأوسع، وهو ما صار يُعرف بالإرهاب؛ باعتبار أنه عنفٌ يهدد نظام العالم وأنمنه، ويهدد في الوقت نفسه الاستقرار في الدول العربية والإسلامية، ودول الهجرة واللجوء في أوروبا، وأنحاء العالم الأُخرى. وفي الوقت الذي كانت فيه موجهات الهجرة واللجوء من العالم الإسلامي إلى الدول الغربية تتعاظم، وصارت فيه الأقليات الإسلامية في العالم أشدّ وعياً بهويتها وخصوصيتها؛ اندلع العنف من كل الجوانب: عُنف الدول الكبرى لإعادة ترتيب الأوضاع بعد انتشار حالة السيولة في النظام الدولي على أثر انحلال الاتحاد السوفياتي. وعنف الأنظمة العربية والإسلامية في دفاعها عن نفسها. وعنف الجماعات الإسلامية المسلَّحة التي أرادت تارةً كسر نظام العالم، وطوراً إقامة الدولة الإسلامية المثالية من أفغانستان إلى العراق وسورية. فكانت تلك الملحمة التي لم تنتهِ بعد، والتي ترتب عليها قتل الملايين، وتهجير الملايين، وممارسة العنف في كل مكان، وصيرورة الإسلام مشكلةً عالمية. وخلال ذلك وقبله وبعده: صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا أو خُواف الإسلام أو كراهيته.

******

هل إلى خروجٍ من سبيل؟ لقد حاول العرب والمسلمون الخروج من هذا المأزق الشديد الهول: بمكافحة التطرف والعنف دينياً وفكرياً وأمنياً. وبالذهاب إلى العالم وجهاته الدينية والسياسية والثقافية، لتغيير الصورة عن الإسلام. وبمحاولات الدخول في شراكاتٍ مع العالم على المستويات كافة وباعتبار أننا لا نريد تخويف العالم، ولا الخوف منه، وإنما نريد أن نعيش فيه ومعه، ونشارك في تحقيق أمنه وإحقاق مستقبله، ومستقبلنا فيه. وهكذا تكون هناك ثلاث أولويات: استعادة السكينة في الدين، وتجديد نظام الدولة الوطنية، وتصحيح العلاقة مع العالم. والواقع أنّ الأمرين الأول والثاني هما المقدمة الصحيحة للأمر الثالث: (تصحيح العلاقة بالعالم). والحقُّ أنّ السلامة في الدين والدولة لا تكفي لمضاءلة الإسلاموفوبيا أو إزالتها. وذلك لأنّ هناك أسباباً خاصةً لهذه الظاهرة في أوروبا وأميركا وفي العالم تتعلق بالتطورات فيها، وبمشكلاتها والتي لا نستطيع التأثير فيها. فالهويات المتصارعة أو المتقابلة لا تقوم في بناها وتصوراتها على وقائع، بل على انطباعاتٍ وإدراكاتٍ ووجوه وعي. ولذا فإنّ الظاهرة ستخمد استناداً إلى متغيرات القوة والسلطة بالغرب، إذا استطاع النظام العالمي الصمود في قواعده وعليها، رغم الشعبويات التي تريد هدم كل القواعد. الإسلاموفوبيا هي أحد أعراض وأُمراض الهوية المتوترة بسبب تبادُل الضربات، واستعلاء الهويات الخاصة، وسواد حالة عدم التأكد في النظام الدولي. وإذا جرى السير باتجاه السلامة في الدين، واحتضان الدول الوطنية لمواطنيها بدلاً من الهجرة والتهجير والهلاك في البحار؛ فإنّ الإسلاموفوبيا لن تجد تغذيةً ولا بواعث في المدى المتوسط والطويل.
في ظواهر عودة الدين، لا فرق بين الديانات الكبرى والصغرى في هياج الهويات وعدوانيتها على الآخرين من مجاوريها. وقد تميز الوضع بالنسبة للإسلام بالهياج العالمي ضده لممارسة بعض أبنائه تصرفات اعتُبرت ارتكابات مثل الهجرة والعنف والثوران، وهي أمورٌ تحدث كل يومٍ في الهند وبورما على سبيل المثال. وبالطبع لا يمكن التعزي أو التظلم بأنّ الآخرين يمارسون العنف دون أن ينال منهم أحد. فالمهم هي مسوغات العنف، وهي ضعيفةٌ وغير مقبولةٍ ولا مـقنعة. وفـي كل الأحـوال لا يجوز ولا يُفهم من جانب أبناء دينين كبيرين مثل الهندوسية  والإسلام، أن يتصرفوا كأنهم قلةٌ مضطهدة وخائفة على وجودها  . 
المسلمون خائفون، والعالم خائف منهم. ولا بد أن يخرجوا معاً من الخوف والتخويف.