أفعال داعش، وأفعال الإيرانيين تطرح علينا كل يومٍ إشكاليات نحن مضطرون للتعامل معها، رغم أنه لاعلاقة لها بالدين، حتى في نظر الذين ارتكبوا أعمالهم تحت غطائها!
قبل خمسة أشهر، وعندما بدأ الضباط الإيرانيون الكبار يتساقطون في حلب وشمال سورية بعامة، عاد المشيعون ومنهم الخامنئي إلى التأكيد في تأبينهم أنهم إنما ماتوا لحماية مزارات آل البيت، ومقاتلة التكفيريين. لكنْ عندما اشتعلت أخيراً على جبهة الرياض- طهران، ما اهتمّ جعفري قائد الحرس الثوري بالقبور ولا بالإيمان والكفر؛ بل قال إنّ الحرس الثوري درّب مائتي ألف مقاتل ينتشرون في خمس دول عربية: لنشر قيم الثورة الإسلامية، والدفاع عن مصالح الجمهورية!
هل نحن في حاجةٍ بعد هذا إلى إيضاح الذريعتين الأُوليين للتدخل الإيراني في كل مكان؟ أي ذريعة حماية الأضرحة والمزارات، وذريعة أنّ الذين يقاتلونهم يكفّرون الشيعة؟ نحن مضطرون إلى أخذ هذه الأمور مأخذ الجد، ليس لوجود شبهةٍ في هاتين المسألتين، بل لأنّ علينا مخاطبة مواطنين عرب مسلمين ومسيحيين، وآخرين دوليين، يصدِّق كثيرٌ منهم ما يقوله الإيرانيون، وليس لحُسْن الظنّ بإيران (فهم يعتبرونها راعيةً للإرهاب)، بل لسوء الظن الذي نشرته كلٌ من القاعدة وداعش بالعرب والإسلام. نعم، قام داعش بالتعرض لبعض المزارات لكنّ معظمها سني لشخصيات صوفية وتاريخية. ومزارات وقباب هؤلاء الذين جرى التعرض لمراقدهم، وسواء أكانوا من أهل البيت أو من غيرهم، هي من بناء أهل السنة وليس الشيعة الشوام أو الإيرانيين أوالعراقيين بما في ذلك مقام السيدة زينب بجوار دمشق. فحماية هذا الموروث الشعبي والديني ما كانت شاناً إيرانياً أو شأن حزب الله. ولم نسمع أنّ بلداً احتلّ بلداً آخر لأنّ قبراً لذلك البلد جرى التعرض له. أو يكون من حق المسلمين السنة في العالم المجيء لحماية المسلمين بسورية والعراق الذين تعرضت الآلاف من مساجدهم للتهديم بالمدفعية والطائرات والتفجيرات. وآخِر ذلك حدث بديالى العراقية قبل أيام عندما هُدّمت عشرة مساجد بحجة الانتقام من داعش الذي قام بتفجير انتحاري في السوق بالمدينة.   
ولنعد إلى داعش كما بدأنا. الداعشيون رأيهم بالشيعة وبالمسيحيين سيئ. لكنْ رأيهم أسوأ بالمسلمين السنة. وهم ما كادوا يقتلون إلاّ منهم. ومناسبة هذا الحديث ما حدث قبل أيام أنّ شاباً بالرقة قتل أمه لأنها نصحته بترك داعش ومناطقه. ذهب حضرته إلى رؤسائه وأخبرهم بذلك فقبضوا على الأم وحاكموها وحكمواعليها بالردة وابنها نفّذ حكم الإعدام. لماذا ارتدّت المرأة؟ بنظر "فقهاء" داعش لأنها خالفت أحكام الولاء والبراء، فوالت "الكفار" فبرئ منها المؤمنون، وأقاموا عليها الحد!  
الداعشيون مثل القاعدة انشقاقٌ في ديننا او عن ديننا. ومن البديهي أنّ الانشقاق يريد إزالة الأصل لأنه يريد الحلول محله. إنما ما هي الذريعة الدينية في الحالة التي بين أيدينا، وحالات داعش القاتلة بالآلاف وليس بالمئات؟ الذريعة هي كالعادة عقيدة الولاء والبراء. وقد شهدتُ جدالاً في المسألة قبل أسابيع بين عالمين، كلاهما ضد داعش، لكنّ أحدهما يرى ضرورة الأخذ بعقيدة الولاء والبراء بحجة أنّ فيها سبعين آية. وهي متصلة صلة وثيقة بالاختلاف على النسخ والإحكام بين آيات المسالمة وآيات السيف. وكنت مع مئاتٍ من الدارسين قبلي، بل وعلى مدى ثمانية قرون نذهب إلى أنّ المسألتين أنهتهما الآية:{ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين}. فالعلاقة بيننا وبين سائر بني البشر علاقة بر وقسط إلاّ إذا قاتلونا على ديننا أو على أرضنا فمن حقنا الدفاع عن أنفسنا.  كما أنهتهما التجربة التاريخية للأمة التي التقت على  اجتهادات في الحرب والسلم والتعاهد توالت دولها على تطبيقها. وأنهاهما في الولاء والبراء التوسيع الشاسع والراحم لمفهوم الإيمان فمن قال لا إله إلاّ الله دخل الجنة. ولا يكفر أحد أو يكفَّر بمخالفة أبي بكر البغدادي ولا غيره. 
إنّ الذي حصل أنّ هؤلاء الشبان انشقوا ونشروا الموت والخراب في كل مكان؛ في حين نشرته الداعشية الإيرانية في العالم العربي. وأياً تكن دعاواهم مصطنعة وسخيفة؛ فإنه لا ينبغي الاستخفاف بها ولا السكوت عنها حتى لا يغترَّ أحدٌ من الجمهور السني والشيعي. ولا حول ولا قوة إلا بالله. 
radwansayyed@gmail.com
www.ridwanalsayyid.com
جريدة الاتحاد في صفحة وجهات نظر يوم الأحد 17/1/2016