header
رفيق الحريري مالىء الدنيا وشاغل الناس

ما عاد أحدٌ- باستثناء المؤرخين – يذكر تشرشل أو ستالين أو ماوتسي تونغ، على أهمية ما قام كلٌّ منهم به من أعمال وإنجازات. وذلك لأمرين: لأنّ أعمال هؤلاء الكبار مختلطةٌ بين الحرب والسلم، وبين الخير والنفع وخلافه- ولأنّ مصائر بلدانهم تغيرت بعدهم وأحياناً إلى النقيض. وليس ذلك شأن الشيخ زايد آل نهيان على سبيل المثال. فقد بنى دولةً ما كان أحدٌ من معاصريه يتصور إمكان حدوثها، وقادها إلى النجاح في حياته في عالم الجزيرة، وعالم العرب. وسار أبناؤه على نهجه فتحقق تقدمٌ باهر. لقد بنى الأبناء على نجاح الوالد المؤسِّس، ها هم يحتلفون بمئوية والدهم الكبير ليس للتشرف بالانتساب إليه وحسب، بل ولأنهم تابعوا البناء على ما أسَّس وصنع.
وهذا هو الشأن مع رفيق الحريري. فقد أسهم في الخروج من الحرب الأهلية، وإعادة إعمار بيروت ولبنان، وعلّم أجيالاً، معتمداً في ذلك كلِّه السلم والتوافق ومشاركة الجميع. ولذلك صار كل نجاحٍ في لبنان يُذكِّر بمثاله وسيرته، وصار كلُّ فشلٍ أو اختلافٍ في مسار الدولة والمجتمع يُذكِّر بالمثال ذاته، أي لماذا نجح رفيق الحريري، وفشلتم أنتم؟
اليوم وبعد ثلاثة عشر عاماً على استشهاد رفيق الحريري عام  2005 يعود الحريري الأب ملء السمع والبصر، لاقتراب المحكمة الدولية من إصدار الحكم على المتهمين بقتله استناداً إلى 1236 دليلاً وقرينة. وبالطبع خلال هذه المدة كلّها حدثت تغييراتٌ هائلةٌ في لبنان والمنطقة. ولذلك يكون لخبر مصائر المحكمة- بعد أن كاد الناس ييأسون منها- وقع الصاعقة، وليس على المجرمين المُدانين أو الذين سيُدانون فقط؛ بل وعلى بعض كبار تياره السياسي، وطائفته، وبعض اللبنانيين الآخرين الذين يخشون من الاضطراب ، أو أن يضطروا للنهوض بعد الاستسلام!  
أما الحزب الذي اتهمت المحكمة أربعةً من أعضائه باغتيال رفيق الحريري، فإنّ الأحكام على هؤلاء تأتي في زمنٍ غير ملائم له بالمرة. فقد تعملق الحزب بعد الاغتيال، وخاض حرباً ضد إسرائيل، واحتلّ بيروت، وسيطر على مؤسسات الدولة والحكومات ورئاسة الجمهورية ومجلس النواب- وانصرف خلال ذلك للتخريب بتكليفٍ من الولي الفقيه في العراق وسورية ولبنان والبحرين والكويت واليمن. واعتبر زعيم الحزب نفسه قوى" المقاومة" أقوى  من كل الجيوش العربية! إنما في الوقت الذي تجاوَزَ فيه الذروة، وبدأ انحطاطه في خانة الإرهاب والملاحقة الدولية، تأتيه المحكمة الآن لتزيد سمعته سوءًا، وتشير إلى أنّ أمجاده خالطتها اغيتالاتٌ سياسيةٌ إجراميةٌ أهمّها اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
لقد قَدّر الإيرانيون أنّ فرصتهم بالمشرق جاءت باحتلال الأميركيين للعراق في العام 2003. وفي الوقت الذي كانوا فيه يعودون لإحياء برنامجهم النووي، ويتغلغلون بالعراق، مات أو قُتل كلٌّ من الملك حسين والملك فهد والشيخ زايد وياسر عرفات وصدّام حسين، فقدّروا أن اغتيال رفيق الحريري ذا الشعبية الكبيرة في لبنان وسورية والخليج والعالم، يجعل منطقة المشرق خاليةً من الزعماء الكبار. قالوا للأسد- الذي ما كان يميل للحريري بخلاف والده- إنّ الحريري تهديدٌ له  حتى في سورية. فكل الكبار في إدارة حافظ الأسد أصدقاء له أو حلفاء. وقد سيطر في لبنان، وتوشك سورية الأسد أن تفقد ركناً من أركان استقرارها الأمني والاستراتيجي. وككلّ أهل الأغتيال، ما فكّروا طويلاً في العواقب البعيدة، وعصفوا برجالات لبنان وأركان نظام الأسد الكبار بحجة إتاحة الفرصة للأسد الابن للسيطرة. لكنّ أركان حركة 14 آذار الذين كانوا أقوياء في الحكومة والبرلمان آنذاك ذهبوا باتجاه إنشاء محكمة دولية لمحاكمة قَتَلَة الحريري؛  وبخاصة بعد إخراج القوات السورية من البلاد.
وعندما نقول إنّ الأوضاع تغيرت كثيراً منذ مقتل الحريري عام 2005؛ فلأنّ أعداء الحريري السياسيين والقاتلين سيطروا في كل مكان، ثم بدأ العدّ العكسي لأمجادهم وسيطرتهم حتى في العراق وسورية. في العراق  لظهور آثار تخريبهم. وفي سورية لأنه رغم الكثير الذي قدّموه للأسد فإنّ الروس هم أصحاب اليد العليا، وهم إضافةً لتلقّيهم الضربات من إسرائيل دون أن يردُّوا، نزلت بهم وعليهم الأعباء التي نزلت على إيران، بسبب سياسات القتل  والتهجير والنوويات والميليشيات المستقدَمة من كل مكان، وتصدّي الولايات المتحدة لتغوُّلهم في عهد ترامب.  
في لبنان ما تزال للمشروع الإيراني الطائفي ركائزه وأنصاره في تحالف الأقليات. وكذلك في سورية والعراق. لكن وحده رفيق الحريري القتيل يُطِلُّ اليوم على خصومه وأنصاره ويقول إنه ما يزال موجوداً وحاضراً. هو حاضر بمشروعه السلمي الإعماري التنموي، واستقامته السياسية العربية. وهو حاضرٌ يشير إلى نموذجٍ آخر للدول والأوطان، غير نموذج القوى الطائفية والميليشياوية والإرهابية المعادية للعرب وللإسلام، ولسلام الأوطان العربية وسلامتها واستقرارها.
radwansayyed@gmail.com
www.ridwanalsayyid.com
جريدة الأتحاد في صفحة وجهات نظر يوم الأحد في 16/9/2018
name country