header
القوميون العرب بين صدّام والخميني!

يعاني المثقفون العرب اليوم من محنةٍ ما عانى مثلها أحدٌ في العالم، منذ ثمانينات القرن العشرين. فقد اندلعت حركات التغيير العربية، وما كان معظم المثقفين العرب من علمانيين ويساريين وإسلاميين، متوقّعين أو مستعدين لها. ولذلك فقد ترددوا جميعاً في إبداء ميولٍ تجاهها، فهم في معظمهم يساريون في الأصل، والحركات تبدو إما عامية أو بورجوازية أو إسلامية. وعندما اضطر بعضهم تحت ضغط الأحداث الهائلة في عامي 2011- 2012 إلى إظهار بعض المعارضة لعنف الأنظمة، فقد أصروا على أمرين: عدم استخدام العنف من كل الأطراف، والحفاظ على الدولة والمؤسسات بغضّ النظرعن الرئيس. أما الفريق الثالث من الحزبيين البعثيين والقوميين السوريين؛ فإنهم قالوا منذ البداية إنهم مع الأسد، آخِر الرؤساء  القوميين، وإنّ هناك مؤامرة صهيونية وأميركية ضده. أما الفريق الرابع من الإسلاميين الحزبيين وغير الحزبيين؛ فإنهم ترددوا كثيراً وبخاصةٍ في تونس وسورية فمصر، لأنّ أحزابهم ما كانت في طليعة الحراكات، ولأنهم خشوا أن تتمكن السلطات من قمع النازلين إلى الشوارع كما في كل مرةٍ، فينالهم كالعادة قمعٌ أشدّ.
ثم إنّ تطورات الأحداث في العامين 2012-2013 وما بعدها، جلت الجبهات وصَلَّبتها وما عاد هناك مترددٌ أو مستور. وأوضحُ التغييرات جرت لدى الإسلاميين الحزبيين، والقوميين ذوي الأصول اليسارية. فبالنسبة للإسلاميين، صارت "الجماهير المسلمة" هي التي نزلت إلى الشارع، وصنعت الثورات. وقد استشهدوا على ذلك ويا للمفارقة بنتائج الانتخابات في عدة بلدان عربية، وهي الانتخابات التي ما كانت تثير لديهم اهتماماً من قبل. لقد بدا هؤلاء راغبين في الوصول إلى السلطة، وليس مجرد المشاركة فيها (لا المغالبة،على حدّ قول ناثان براون!)، متشجعين بظهور قوتهم التنظيمية، وبالتأييد الأميركي والتركي والقطري.
أما التغيير الآخر الجذري فقد بدا في مواقف القوميين ذوي الأصول اليسارية، والذين ما كانوا منتظمين في أحزابٍ قومية، لكنهم كانوا مسرورين وسعداء "بسيطرة القوميين التقدميين على السلطة، وعدائهم للإمبريالية وإسرائيل"، وإن كانوا يرغبون في أن تكون  الأنظمة التقدمية ديمقراطيةً أكثر. لقد كان مفهوماً أن لا يؤيد البعثيون والقوميون السوريون الثورات أو التمردات على الأنظمة التي يعملون عندها، ويشكّل بعض كوادرهم جزءًا من أمنها، وليسوا أنصاراً فقط. أما غيرالمفهوم فهو اندفاع المثقفين القوميين اليساريين للدفاع عن الأنظمة، وليس مثلاً من أجل الإبقاء على الدولة والاستقرار؛ بل لأنّ الأنظمة التقدمية تشكّل ممانعةً لإسرائيل ومقاومةً لها. وإذا قيل لهم: لكنّ النظام السوري لا يشكل ممانعة ولا مقاومة، قالوا: لكنه ينصر المقاومة التي أطلقها السيد نصر الله من لبنان، ويدعمها نظام الجمهورية الإسلامية في تحالفٍ مُعادٍ للإمبريالية الأميركية(!). وما جاء العام 2015 إلاّ وكان سائر القوميين- حتى الذين كانوا يسمون أنفسهم يساريين- يدعمون حزب الله وإيران. وتقلب موقفهم من حماس لأنها ما قاتلت مع الأسد باليرموك والمخيمات الأُخرى.
لقد صور القوميون العريقون الأمر لنا طوال ثلاث سنوات بأنه موقفٌ قومي، همُّهُ فلسطيني، حتى وإن يكن بعض القائمين عليه ليسوا قوميين أو عروبيين مثل نصر الله وسليماني. وقلنا لهم: لكنّ هذا المحور ما قاتل على الحدود منذ العام 2006. وهو يقاتل الآن في سورية والعراق ولبنان واليمن لتخريب الدول والمجتمعات، ويقول  الأمين العام للحزب إنّ الجهاد في سورية ثم في اليمن أَولى بكثيرٍ من الجهاد بفلسطين! – كان بعضهم يجيب بأنّ المجاهدين من أتباع ولاية الفقيه إنما يريدون مكافحة التطرف والإرهاب الذي يتهدد الشيعة، كما يتهدد الأميركان والعالم الغربي . لكنهم ليسوا مع المذابح والتهجير. فلما حصل ذلك صاروا يقولون إنّ هذه الإجراءات هدفها تخفيف الصدام بين الأطراف. ثم إنّ الخليجيين – كما يقول القوميون- أو بعضهم لو كفّواعن دعم الإرهاب السني، لانتهت المأساة، ولأنقذت الأنظمة المتحالفة مع المقاومة في العراق وسورية ولبنان!
لا يجهل المثقفون القوميون العرب أنّ هناك صراعاً على المشرق العربي، يميل الأميركيون إلى الخروج منه بعد تأمين إسرائيل، ويتناكف ويتحالف الروس والإيرانيون والأتراك على الغنائم وعلى الدماء والأرض لا فرق. لكنّ المنزع الذي يغلب على العروبيين القدامى / الجدد كراهية العرب بعامة، وعرب الخليج بخاصة. ولذلك فهم مستعدون للتحالف مع أي أحد إذا لم يكن على وفاقٍ مع السعودية. فحتى مصطلحات الرجعي والتقدمي ما تزال تُستخدم، وتارةً مع صدّام أو الاسد وابنه وحتى القذافي. أما كيف يكون صدّام أو الأسد أوالقذافي تقدمياً، ويكون العاملون على الاستقرار والتقدم في بلدانهم، وصَون المصالح العربية العليا، رجعيين؛ فهذا علمه عند أنصار نصر الله وسليماني من العرب العروبيين الأقحاح!
والدليل الآخر على فهمهم الاستراتيجي، إظهارهم الانزعاج من ترامب وخروجه من الاتفاق النووي، بحجة أنه من حق إيران ولو بعد عشر سنوات إنتاج سلاح دمار شامل لمواجهة إسرائيل! لا أعرف ما هو مسوِّغ الثقة بإيران التي تحاربُ وتخرّب بالميليشيات في العراق وسورية ولبنان واليمن. وقد كانت تسعى لمثل ذلك في البحرين والكويت. ومؤخراً قطع المغرب للمرة الثانية علاقاته بإيران، وتبعتْه في ذلك موريتانيا؛ إما بسبب التعرض للأمن القومي، أو بسبب التشييع! بعد هذا التخريب كلِّه، كيف يريدنا الصحافي العروبي البارز أن نرحّب بالنووي الإيراني. وقد كان  الرجل إياه معجباً" بحضارية "الرئيس الأسد وامرأته.
إنّ الأمر يجلُّ عن الهُزء والسخرية أو الاستخفاف. فما يعتنقه القوميون العرب من سورية ومصر والأردن والكويت والبحرين، والقوميون السوريون في سورية ولبنان، ليس أيديولوجيا أوحتى دوغما جامدة . بل المبرر الوحيد هو الكراهية للعرب حتى أولئك الذين ليس لهم موقفٌ واضحٌ من النظام السوري التقدمي المستنير! وقد سمعتُ هذا الكلام من مقدم برامج تلفزيونية بإحدى الفضائيات عندما عَلَّل دعمه للنظام السوري "بسقوط المؤامرة عند أسوار دمشق"! لكن كيف تكون المؤامرة قد سقطت وبداخل الأسوار عساكر روسية وإيرانية، وميليشيات لبنانية وعراقية وأفغانية وباكستانية! ولستُ أدري ما الذي يكسبونه من وراء خراب البلدان والعمران والدول في العراق وسورية ولبنان واليمن، واستيلاء إيران على "الخراب الجميل"!
إنّ هؤلاء ليسوا عرباً ولا قوميين، وإنما هم أقليات من أنواعٍ متعددة، تحكموا ببلداننا من طريق الاستعمار، ثم من طريق العسكر، والآن يريدون الاستمرار من طريق التبعية للسيطرة الطائفية الإيرانية. فلا حول ولا قوة إلاّ بالله.
radwansayyed@gmail.com
www.ridwanalsayyid.com
جريدة الاتحاد في صفحة وجهات نظر يوم الأحد في 12/8/2018

name country