header
الطريق العربي إلى الصين
زار الرئيس الصيني دولة الإمارات العربية، ووقّع مع المسؤولين الكبار  فيها ثلاثة عشر اتفاقاً ومذكرة تفاهم. والحجم الذي بلغتْهُ التفاهمات والاتفاقيات هائلٌ بالفعل. لكن يبقى الأهم وذو الدلالات الكثيرة حرص الرئيس الصيني على المجيء بنفسه، فيما يشكل علاقةً استراتيجية  صينية – عربية لصنع علاقات مودة، ومنهج تقدم، وذهنية جديدة للتفكر الواسع والشاسع بالمستقبل.
هذا هو الطريق العربي إلى الصين. وهذه العبارة ليست لي، بل هي لتوبي هاف صاحب كتاب: "الحضارات الثلاث: العربية– الإسلامية، والصينية، والأوروبية". ففي التاريخ المكتوب، كان التبادل التجاري والثقافي على طريق الحرير بين الصين والعالم العربي-الإسلامي كبيراً وخطيراً. لكن هناك أمران ما تنبه لهما مؤرخون كثيرون عرب أو صينيون أو أوروبيون. فالصينيون الرسميون المدنيون والعسكريون ما زاروا دار الخلافة غير مرتين في القرن الرابع الهجري. وكان التواصل قائماً من خلال البعثات التجارية الرسمية وغير الرسمية على مدى زاد حتى القرن السادس عشر الميلادي على الخمسة عشر قرناً! كيف كان ذلك؟ هنا يأتي الأمـر الآخـر: الطـريق العـربي، الـذي نبَّـه إليـه هـاف. هنـاك كتـاب: البحر الإريتري (= الأحمر) لمؤلفٍ بحّارٍ مجهول، من القرن الثاني الميلادي. وفي الكتاب أنّ بحّارة وتجار العرب جاءوا دائماً من شواطئ الحزيرة العربية عبر البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي وبحر الصين إلى الصين. وذلك لأنّ الطريق البري كانت تحول دون سلوكه الدول المختلفة. فهم رواد طريق الحرير البحري. ثم صاروا هم أيضاً رواد طريق الحرير البري  بعد ظهور الإسلام، وامتداد آفاقه  دولاً وحضارةً وتجارةً ومصالح إلى حدود الصين، فلم تعد هناك حوائل برية. ومع ذلك  فإنّ البعثات السياسية الرسمية الصينية إذا كانت قليلةً من جهة الصين؛ فإنها لم تكن كذلك من جهة العرب في الزمن الإسلامي. فالعالم قبل القرن السادس عشر، لا يملك وصفاً للصين وأقاليمها وبلاطها غير وصف الجغرافيين والرحالة والرسميين العرب والمسلمين.
إنّ طريق السلام العربي- الصيني البحري والبري ظلّ على حيوياته وحياته الزاخرة حتى القرن السادس عشر عندما عطلته في البحر ثم في البر الأساطيل البرتغالية والأسبانية والبريطانية والفرنسية على التوالي: من زمن الإمبراطوريات البحرية، إلى زمن الاستعمار. فالأوروبيون هم الذين غادروا شراكة الحضارات الثلاث ثم عطلوها تماماً. ما كان يخطر ببال التجار العرب والصينيين أن يستخدموا السلاح في تجارة البحر أو البر. وكان البرتغاليون أول من فعل ذلك بقصد احتكار التجارة مع الهند والصين، ثم بقصد الاستعمار. وحتى القرن السابع عشر، كانت العربية هي لغة التجارة الأولى على طريقي الحرير البري والبحري، وتأتي بعدها اللغات الفارسية والتركية. فحتى أهل الحرب التجارية من الأوروبيين كانوا مضطرين لاصطحاب مترجمين عرب، بل وخبراء عرب بالجغرافية والخرائط والأنواء البحرية. وقصة أو أسطورة أحمد بن ماجد البحّار الشهير مؤلّف الكتب في علوم البحار، دليلٌ واضحٌ على ذلك.
لماذا هذه السردية الطويلة؟ لأنه ومنذ القرن السادس عشر، ما  عاد بيننا وبين الهند والصين طريقٌ حرٌّ للتجارة أو الثقافة أو التواصل الإنساني. بل صار الطريق الوحيد هو الطريق الأوروبي ثم أخيراً الأميركي. وهو طريقٌ لا مجال للتقدم فيه أوعليه إلاّ بالحرب. وهي الحرب التي بدأت بالتنافس بين القوى الأوروبية باستخدام القوة، ثم تحولت إلى تقاسم في زمن الاستعمار وما بعده. وقد وقعنا نحن والصينيين ضحايا على طريق الحرير البحري ثم البري، بحيث تضاءلا باعتبارهما نهج تواصل ومصالح متبادلة ثم زالا مرةً واحدةً وبدون رجعةٍ حتى الآن.
وإنه وفي الوقت الذي يهدِّد فيه الأميركيون الصين وأوروبا بالحرب التجارية؛ فإنّ الصين تعرض على العرب وعلى الأفارقة والأسيويين المستعدين، نهجاً آخر أوشك العالم كلُّه على تناسيه. والنهج هذا هو نهج التبادل على كل المستويات، وهو تبادلٌ بين أقوياء، ليس عسكرياً بالدرجة الأُولى، بل هو تجاري وتكنولوجي وثقافي وتواصُلي.
قال لي أستاذ ألماني يحب الصين، لأنه كان ماوياً في شبابه: إنّ ما تعرضُهُ الصين عليكم أنتم العرب والأسيويين والأفارقة هو نهج السلام الكانطي! والفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط عنده مشروعٌ عنوانه: السلام (العالمي) الدائم.  فهو يتصور دولاً بدون جيوش ولا تهديد يقوم بينها ميثاق سلام للتبادل الحر في كل شيئ(1795). وقلتُ له: لكنّ الصين ليست حمامة! فاجاب: لكنّ مشروع التقدم الصيني الشاسع الآفاق ما قام ونجح في محيطه وفي العالم على الحرب بل على التبادل بدون شروط. فحتى الأقاليم الصينية والجزر التي استولى عليها  الآخرون لا تحاول الصين استعادتها بالقوة رغم أنها قادرةٌ على ذلك! الصين تعرضُ من خلال "الحزام والطريق" ميثاق تبادُلٍ تنموي ثُنائي واختياري، ودونما تفرقةٍ بين الكبير والصغير. ورغم اهتمام الصين بالتصدير؛ فإنها في كل موطن تصل إليه، تشجع وتساهم في التقدم المحلي التكنولوجي والزراعي والسوقي بعامة. وهي مقاربةٌ لا يرضى عنها حتى الأوروبيين وليس الأميركان فقط، ويعتبرون ذلك استيلاءً صينياً!  
هناك طريقٌ صينيٌّ للتقدم من طريق التنمية. وقد تكوَّنَ طريقٌ عربي باتجاه الصين يقوم على المنفعة المتبادلة والمصالح الاستراتيجية وعلى كافة الصعد. وتبرز على هذا الطريق الآن الإمارات والكويت. وستتقدم عليه بعد شقِّه دولٌ عربيةٌ أُخرى، علاقاتها كلها بالصين جيدة.
لقد جاء في الاثر: أطلبوا العلم ولو في الصين، باعتبار أن العلم كان في الصين قديماً لكنها كانت بعيدةً جغرافياً، وها هي الأمور الثلاثة تحدث معاً: العلم الصيني، والتقدم الصيني، والجوار القريب، بعد أن صار العالم قريةً كونيةً واحدة!
ridwansayyed@gmail.com
www.ridwanlsayyid.com
جريدة الاتحاد في صفحة وجهات نظر يوم الأحد في 29/7/2018
name country