header
دعاوى الإعاقة الدينية وصناعة التقدم

حضرتُ بالمملكة المغربية ندوتين في مكافحة التطرف وتجديد الخطاب الديني، أولاهما بالرباط وأُقيمت بالاشتراك بين رابطة العالم الإسلامي (بمكة)، والرابطة المحمدية للعلماء بالمملكة المغربية.  والثانية في منتدى أصيلة، في موسمه الأربعين. وقد كانت للمناسبتين ميزة الإفادة من تجارب التصدي والإصلاح خلال العقد الماضي. وتميزت مقاربة منتدى أصيلة بأنّ معظم المشاركين كانوا من الأساتذة والمثقفين والجمعيات المدنية. بينما كان معظم المشاركين في مؤتمر رابطة العلماء  المغاربة من علماء الدين. وفي حين جاء معظم العلماء المحاضرين في مؤتمر الرابطة من السعودية والمغرب، فإنّ المثقفين والمفكرين الذين رعاهم منتدى أصيلة توزعوا على عدة بلدان عربية، وكان من بينهم عددٌ من الدارسين الأوروبيين للإسلام الأصولي والسياسي.
وقد كانت هناك شراكةٌ أو تشابُهُ في رؤوس الموضوعات مثل قراءة أسباب التطرف والتطرف العنيف، والأضرار التي أنزلها بالدين والدولة وسُمعة العرب والمسلمين بالعالم، وكيف ينبغي مكافحة الظاهرة مع اختبار ما جرى حتى الآن، وما هي البدائل الكفيلة بالخروج من المأزق والعودة إلى مسارات التقدم والتنمية.
وبالطبع، ورغم الاشتراك في الاهتمامات وأحياناً الموضوعات؛ فقد اختلفت المداخل والمخارج، باعتبار أنّ هؤلاء كانوا من علماء الدين، بينما كان رواد منتدى أصيلة والمتحدثون فيه من المثقفين والناشطين المدنيين.
وعلى سبيل المثال؛ فإنّ علماء الرابطة ركّزواعلى عمليات تحريف المفاهيم التي قام بها الإحيائيون والجهاديون في مسائل مثل الدين والشريعة والجهاد والولاء والبراء وعلائق الدين بالدولة. ودعوا المؤسسات الدينية وعلماءها لمكافحة هذه الظاهرة المفزعة باستعادة المفاهيم الصحيحة، وبنشر  حقائق التأويل من على المنابر وبين الشباب، وإنشاء المعاهد لتدريب الأئمة والمدرّسين على الحوار، وانتهاج أساليب القوة الناعمة لاستعادة السكينة في الدين.
أما مثقفو المنتدى ومدنيوه فإنهم تصدوا في مداخلاتهم للإسلام السياسي وشروره، وتأثيراته السلبية على الدولة، وعلى فهم الدين ووظائفه، لكنهم أسرفوا في التصدي للمسائل ذات البُعد الثقافي، كما اعتبر كثيرٌ منهم أن "العقلية الدينية" كانت بين أسباب التخلف في قطاعات التعليم والصحة والبيئة- وإدارة الدولة، وطرائق استعمال الدين في الأوساط الشعبية، وتفاقُم الخرافة في الموروث. ورأى بعضٌ منهم أنّ الخرافيات والانتظارات المسيانية صارت جزءًا من الأصوليات المسبِّبة للتخلف، والحائلة دون التقدم.
وإذا كان الإسلام السياسي ظاهرةً سلبيةً لاعتباره أن الدين يملك مذهباً سياسياً وحلاً سياسياً للمشكلات، عنوانه: الإسلام هو الحل(!)؛ فإنّ الخرافة والإسلام الشعبي والصوفي لا شأن لهما بالإسلام السياسي. كما أنّ الموروث الثقافي والديني لا علاقة له بالتعصب أو بالجهاديات. فقد انزعج أحد الباحثين من دعاء السفر بالطائرة. كما انزعجت إحداهن من الإسراع في دفن الميت، لانّ "إكرام الميت دفنه"، ورأت في ذلك انسداداً عقلياً وإنسانياً، ولستُ أدري لذلك سبباً. وقد حمّل نصف المشاركين "العقلية الدينية" مسؤوليات تخلف التعليم الديني وغير الديني، وذهب أحد المتحدثين إلى أنّ المسلمين لم يفكروا في التربية منذ أيام ابن  خلدون!
وبالطبع، فإنّ يومي منتدى أصيلة عن "الفكر الديني الحاضن للإرهاب" شهدا أوراقاً ومداخلاتٍ جدية وبخاصةٍ من المتخصصين، وبعض المشاركين من الأوروبيين. لكنّ كلام بعض الهواة والناشطين ذكّرني بمقاربات المثقفين العرب الكبار في السبعينات والثمانينات عن الموروث الثقافي والديني. وطرائق الخلاص منه أو التحرر من تأثيره.
ولا شكّ أننا عانينا ونُعاني من انشقاقاتٍ في الدين، مارست تطرفاً وعنفاً في أوساطنا وفي العالم. لكنّ المشكلات في التربية والتعليم وفي الصحة، وفي البيئة، وفي التنمية، والانتظام السياسي والإداري؛ كل ذلك لا علاقة له  بالتطرف ولا بالعقلية الدينية. فالدول الوطنية هي التي تتولى إدارة هذه الشؤون جميعاً ولا تتحكم فيها الأصوليات ولا العقلية الدينية. والفشل في المعالجة والنهوض والتقدم لا يقع على عاتق الدين أو الموروث، بدليل أننا نرى مجتمعاتٍ ودولاً عربية يشيع فيها التدين العميق، وهي تحقق قفزاتٍ في التنمية والتقدم مثل الإمارات العربية. وها هي دولة مسلمة متقدمة مثل ماليزيا صارت بين النمور في شرق آسيا. بينما تفشل  عشرات الدول العربية والإسلامية، في ملفات التنمية والنهوض والتقدم، ولا علاقة للتفكير ولا الإدارة فيها بالدين!
إنّ علينا الاستمرار في مكافحة ظواهر التطرف الديني ومظاهره. بيد أنّ مشكلتنا الرئيسية تظل في العمل بدون كلل على تجديد تجربة الدولة الوطنية في مجالنا العربي والإسلامي، فهي تجربةٌ فشلت إلى حدٍ بعيدٍ في أنحاء كثيرة. بالطبع فإنّ عمليات صنع التقدم بواسطة الدول والمجتمعات ونُخَبها تتطلب نهوضاً وتنميةً في القطاعات المذكورة، والتي لن تحول دونها- إذا كان المثقفون ورجالات الدولة جادين- العقلية الدينية ولا الخرافات. وإذا ثبت أنّ العودة إلى الطريق السوي صعبة- مثل العودة بلبنان، الذي يستعصي وضعه على الدين والعلمانيات معاً!- فلا ينبغي أن ننسب ذلك إلى الدين أو العقلية الشعبية، لأنّ في ذلك وهماً وتهرباً من المسؤولية، وسنوبية غير لائقة:
فيا دارها بالخيف إن مزارها قريبٌ ولكن دون ذلك أهوالُ
radwansayyed@gmail.com
www.ridwanalsayyid.com
جريدة الاتحاد في صفحة وجهات نظر يوم الجمعة في 22/7/2018

name country