header
التفكير الفقهي ومشكلاته في القديم والحديث

يشغل الأوساط العلمية العربية هذه الأيام كتاب وائل حلاّق الجديد: الشريعة، الذي صدر بالإنجليزية عام 2009، وتُرجم إلى العربية قبل شهرين (2018). وكان كتابه الآخر: الدولة المستحيلة(2013) قد شغلنا بنفس القدر. وقد أعلنت دار نشر جامعة كولومبيا عن كتابه الثالث (عن الإستشراق) الذي يصدر في شهر يوليو من هذا العام أيضاً، أي بعد أسابيع قليلة.
وبالطبع لا يمكن اعتبار هذه الكلمة عن كتاب حلاّق مراجعةً له، إنما هي مجرد تنبيه وفتح لباب النقاش. وبخاصة أنّ كتب حلاّق الأخيرة ( وهو أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة كولومبيا) أثارت سخط الحداثيين والإسلاميين على حدٍ سواء. بدأ حلاّق منذ الثمانينات من القرن الماضي عمله على التفكير الفقهي في الإسلام الكلاسيكي. وبدت أعماله وقتها في صورة مقالات تنقد أُطروحتي غولدزيهر وشاخت، السائدتين في الاستشراق لأكثر من قرنٍ من الزمان. لكنّ هذا النقد ما تناول فقط الأُطروحات/ المسلَّمات عند المستشرقين، بل والمسلَّمات عند الإصلاحيين المسلمين مثل إقفال باب الاجتهاد، ومثل  دور الشافعي في تأسيس الأصول، ومثل طرائق الفقهاء في العمل، ومثل تكون المذاهب  الفقهية. وإلى تلك المرحلة يعود عمله على الرد على المنطقيين لابن تيمية الذي ترجمه إلى الإنجليزية وكتب له دراسةً تقديمية.
إنّ هذه المقدمات النقدية، ما لبثت أن تحولت بعد التسعينات من القرن الماضي إلى أطروحةٍ شاملةٍ تتناول ظهور النظام الفقهي/ التشريعي في الإسلام الكلاسيكي. وهذه الأطروحة الشاملة درست ظهور النظام باعتباره نظاماً مستقلاً لا شأن له بالفقه الروماني ولا اليهودي ولا السرياني. كما أنه في تعدديته وانفتاحه، وتطوراته المبكرة بين أهل الحديث والآثار، وأهل الرأي، لا يخضع للإدارات السايسية للأمويين والعباسيين، ولا يخاصمها؛ بل يتلاءم ويختلف في تكوناته وتطوراته بين الفقهاء والقضاة الذين تعينهم الدولة، وتبادر السلطات بدورها إلى التبنّي والتنظيم من ضمن فكرة تقسيم العمل وليس التصارع والتجاذُب. فالمشروع الإسلامي مشروع عام، تشارك فيه سائر الفئات ومن بينهم أهل التشريع. بيد أنّ التقنيات التي تعددت وانتشرت وصارت اتجاهات ومذاهب، لا تصنعها الدولة، لكنها تؤثر فيها بالطبع من خلال النظام القضائي.
في السنوات العشر الأخيرة، عمل وائل حلاّق في ثلاثة مسارات: مسار كتابة التاريخ الشامل للتفكير الفقهي ومبادئه وأصوله ومؤسساته- ومسار العمل الفقهي في القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد ظهرت نتائج عمله في المسارين في كتاب الشريعة الضخم(2009)، وفي كتابات أُخرى ومساهمات صغيرة في مؤتمرات وندوات متخصصة. أما المسار الثالث فيدخل في نقد  الخطاب الاستعماري للدولة والدين والشريعة والفقه وحتى الاعتقاد في الإسلام. وهو المسار الذي بدأه كما نعرف إدوارد سعيد في كتابه المشهور: الاستشراق(1977). سعيد كانت محاولته ثقافيةً وسياسية عامة، وما كان يعرف معرفةً متخصصةً الأنظمة اللاهوتية والفقهية التي عمل عليها المستشرقون ونشروا كتاباتهم عنها، وكونوا نظرةً أو نظرات صارت هي عماد الرؤية الغربية للإسلام وبخاصة خلال العقود الأخيرة، وهي عقودٌ تحول فيها الإسلام إلى مشكلة عالمية.
وائل حلاّق يعرف النظم الكلاسيكية الإسلامية في الدين والدولة. وهو تتبع أعمال الإصلاحيين والمجددين المسلمين حزبيين وغير حزبيين خلال أكثر من مائة عام. ووجهة نظره أنّ أعمال هؤلاء ما كانت ثورية أو تطرح بدائل حقيقية للتفكير الذي يعتبرونه جامداً، وللمؤسسات التي يعتبرونها رجعية. كل محاولاتهم كانت وما تزال محاولات "تلاؤمية" مع العمل الغربي في العالم الإسلامي في زمن الاستعمار وما بعد. ويضرب حلاّق مثلاً على هذا التماهي مع التفكير الاستعماري، فكرة تقنين الشريعة Codification، والشريعة هي الدين، ولا يمكن تحويلها إلى قانون تنظيمي وقامع وأوحدي المقدمات والمبادئ والنتائج، وذلك منذ زمن مجلة الأحكام العدلية العثمانية، وإلى الزمن الراهن ومشروعاته في تطبيق الشريعة من خلال برلمانات، أو من خلال دولة الخلافة القاعدية والداعشية.
في الدولة المستحيلة قرأ وائل حلاّق المشروع الغربي للدولة القومية الحديثة، التي صارت هي عماد نظام العالم، والتي استماتت الدول الوطنية في العالمين العربي والإسلامي للتلاؤم معها، واستمات الإسلاميون الحزبيون في تقليدها وتقليد المشروع بعناوين إسلامية، وسواء أكانوا واعين بذلك اوغير واعين. لكنه في  كتاب الشريعة يدرس نتائج ذلك على فقهاء الإصلاح، وفقهاء الأسلمة المحدَثين.
ما هي الدولة المستحيلة عنده؟ بحسب الكتابين، وبخاصةٍ كتاب الشريعة، هي مشروع الدولة الإسلامية في أدبيات الإسلاميين. فهم من حيث لا يشعرون أو يشعرون ولكنهم لا يعون، يريدون غربنة الإسلام أو أسلمة الغربنة، لكي يكون ذلك أداةً يستخدمونها في عمليات الصراع على السلطة في العالمين العربي والإسلامي. وبذلك يرجون أن يحظى الأمر بشعبية لدى العامة المتذمرة من قمعيات الدولة الحديثة، ويأملون أن يقبل الغرب منهم ذلك، لأنّ آليات التلاؤم الذي يعملون عليه لا يزعج الغربين في الحاضر، الذين يروعهم العنف المنفلت في ديارهم وديارنا باسم الإسلام.
radwansayyed@gmail.com
www.ridwanalsayyid.com
جريدة الاتحاد في صفحة وجهات نظر يوم الأحد في 24/6/2018



name country