header
تحرير الحديدة والتغيير الاستراتيجي المتسارع

تتقدم قوات الجيش الوطني اليمني وفصائل المقاومة بدعمٍ من قوات التحالف البرية والجوية والبحرية في أنحاء مدينة الحديدة بعد قتالٍ عنيفٍ ما يزال مستمراً. وليست لديّ خبرة عسكرية، إنما كان واضحاً منذ إخراج الحوثيين من جنوب اليمن، أنّ احتواء الانقلاب الحوثي يحتاج إلى ثلاثة أمورٍ عسكرية: إبعاد الحوثيين عن الحدود السعودية، وإخراجهم من المحافظات الوسطى، كما إخراجهم من الموانئ الساحلية وبخاصةٍ ميناء الحديدة. فميناء المدينة فضلاً على أنه المدخل البحري الرئيسي إلى شمال اليمن، فهو مُهمٌّ من حيث أنّ أكثر الواردات الغذائية وغيرها تأتي منه، وقد أفاد الحوثيون جداً من موارده المالية؛ كما استخدموه في تهريب السلاح الإيراني، وفي تهديد الملاحة الدولية. بل وارتهنوا من خلاله مناطق شاسعةً من اليمن ما كانت يوماً حاضنةً لهم، وما كفى لإخضاعها القهر العسكري وثكنات الجيش الموالية لعلي صالح،  فاعتمدوا في الاستتباع على التجويع كما فعل بشار الاسد في سورية. والطريف أنّ الحوثيين الذين اعتبروا أنفسهم جزءًا من المعسكر الإيراني، استخدموا وسائل حزب الله ذاتها التي استخدمها الحزب والميليشيات الإيرانية الأُخرى، أي  القتل والتجويع والتهجير وأيرنة الأرض المهجورة تحت اسم التشييع!
ويعتبر كثيرون من المراقبين أنّ الاقدام على اقتحام الساحل الغربي تأخر كثيراً، لكنهم يختلفون في الأسباب. وأبرز ما يذكره فريقٌ منهم أنّ دول التحالف، والتي نجحت في استصدار القرار رقم 2216 من مجلس الأمن قبل بداية التدخل، كانت مضطرةً للاصغاء لمجلس الأمن في كل خطوة، وكان المبعوثون يقترحون دائماً هُدَناً ومحادثات ومفاوضات في عُمان والكويت وغيرهما. وكان الحوثيون يماطلون من  أجل تحسين فُرَص سيطرتهم بالمطاولة. ثم جاءت الأزمة الصحية، وأزمة الشؤون الإنسانية، وكلها اقتضت مراعاة أمورٍ كثيرةٍ من أجل الإصغاء لهموم الناس ومآسيهم التي لا يأبه لها الحوثيون بالطبع، كما شهدنا في سورية والعراق. لكنّ الذي أراه أنّ السبب البارز-  إلى جانب ما ذكرناه- هو الوضع اليمني نفسه. فقد كان عجيباً القدرة حتى على الوصول إلى عدن وحضرموت براً، والحديدة ساحلاً، والذي خلال شهرٍ او أقل. وهذا لا يعني فقط انقسام الجيش الميني، بل وتحطمه عملياً. ولذلك فإنه يُعتبر إنجازاً مهماً بل ومصيرياً استطاعة التحالف والحكومة الشرعية إعادة بناء الجيش اليمني خلال أقلّ من ثلاث سنوات؛ بحيث صار وجوده وصارت فعاليته عنصراً أساسياً في الحرب الدائرة لاستعادة البلاد من الانقلابين المسيطرين على عاصمتها ومدن رئيسية فيها. وصحيح أنّ المقاومة ظلت عاملةً على الأرض في تعز ونواحي اُخرى، والآن في الحديدة؛ لكنّ العنصر  الأساسي على الأرض صار الجيش اليمني، إلى القوات الإماراتية والسودانية. فالطيران عنصر مهم جداً، إنما من يحرر الأرض ويمسكها.
ثم هناك عامل استراتيجي تظهر أهميته الآن. ففي العام 2015، عام الاستيلاء والتدخل، كانت الأوضاع كلها لصالح المحور الإيراني. إذ وقتها حصل التدخل الروسي في سورية، وتدخل التحالف الدولي في العراق. وكان الإيرانيون قد مضى عليهم قرابة السنوات الثلاث في سورية، وهم وميليشياتهم القوة الضاربة على الأرض، بعد الإنهاك الذي تعرض له جيش الأسد، وما استطاعت ترميمه ميليشياته. وقد نشر ذلك كله حالةً من اليأس عند المجتمعات العربية، وبخاصةٍ وقد سيطرت ميليشيات مسلحة على ليبيا أيضاً أو انتشرت في أجزائها. وفي فترة الضعف العربي الشديد تلك، ما بقي في الميدان للإنقاذ الممكن إلاّ القرارات الدولية وفي سائر بلدان التأزم. وفي ذلك العام بالذات بدا كأنّ المشرق العربي عاد إلى مرحلة الاستيلاء الاستعماري في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي. بمعنى أنّ بلدان الاضطرب على الأقلّ، فقدت استقلالها وقدرتها على الحراك،  ووقعت ضحية صراعات القوى الكبرى والإقليمية على مناطق النفوذ في العالم العربي، والسبب الظاهر جديد، وهو مكافحة الإرهاب!
إنّ التغيير الاستراتيجي الذي ذكرناه في عنوان المقالة تمثّل في قرار المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات ومن انضمّ إليهما من الدول العربية بالتدخل في اليمن لإنقاذ الشرعية فيه، والبدء بمواجهة التدخل الإيراني. وهو قرارٌ يتطلب الشجاعة والحكمة والقدرة على الإنفاذ وإن تحت مظلة قرار مجلس الأمن، وطلب الحكومة الشرعية. كان يقال إنّ أكثر ساعات الليل اسوداداً وظلمة هي تلك التي تسبق الفجر. وبذلك فقد كانت ظروف العام 2015 الأكثر اسوداداً، لكنّ دول القرار العربي حولتْها إلى لحظة الفجر الذي بدت تباشيره ليأمل الناس (عودة الأمل) وليستجيبوا. لقد كانت السنتان 2016 و2017 هما سنتا تحرير الجنوب واستعادة مناطق شاسعة من البلاد، وإعادة بناء الجيش.  وتأتي الخطوة الثالثة الآن في تحرير الساحل الغربي وعاصمته الحديدة، ليصبح ثمانون بالمائة من أرض اليمن تحت سيطرة الشرعية الوطنية اليمنية والعربية.لقد بدأ النهوض الاستراتيجي العربي بالقرار العربي في السعودية والإمارات، بعد حوالى العقدين من الفراغ أوالخواء. وما يحدث في اليمن، سيحدث مثله في ليبيا.. وسورية.. والعراق ولبنان. ويا للعرب!
radwansayyed@gmail.com
www.ridwanalsayyid.com
جريدة الاتحاد في صفحة وجهات نظر يوم الثلاثاء في 19/6/2018
  

name country