header
شرب السُمّ على سبيل التجربة!

جاء في كليلة ودمنة: ثلاثُ لا يجترئُ عليهنّ عاقل: تأجيل عمل اليوم إلى الغد، وائتمان النساء على الأسرار، وشرب السُمّ على سبيل التجربة. هذه الثُلاثيات المعتادة في "كليلة ودمنة"، التي ترجمها ابن المقفع عن الفارسية الوسيطة، ويقال إنها من أصولٍ هندية، تعرضت لانتقاداتٍ شديدةٍ من جانب دارسي الأدب، والحكمة الشرقية القديمة. وقيل الكثير عن أنها "بروتوتايب"، وفيها ذكورية بارزة. لكنّ المُدافعين عنها قالوا إنها من نتاج التجربة الإنسانية، وصارت بمثابة الحِكَم والأمثال، التي إن لم تصحّ في كل الأحوال، فلا يجوز تجاهُلُها وتأملها والاعتبار بها. وأذكر أنّ الخميني استعمل حلقتها الثالثة عندما قبل وقف إطلاق النار مع عراق صدّام، إذ قال إنّ قبوله لقرار مجلس الأمن كان أصعب عليه من تجرع السُمّ، لكنه تجرَّعه. فقد أَخرج بلادَهُ من المواجهة التي دامت ثماني سنوات، وحاد من طريقها، معتمداً في تجرعه سُمَّ الهزيمة على حُمْق صدّام واندفاعاته العشوائية. وعندما كنتُ أدرِّس بهارفرد عام 2002 الأدب الديني القديم، ومقارنته بالحكمة الشرقية، والإفادة المتبادَلة، ووردت هذه الحكمة السائرة، وإمكان تأثير الصورة السلبية للمرأة فيها على الصورة الموجودة لها في العهد القديم، ضحك زميلٌ كان يشاركني المحاضرة، وقال للطلاب  إنه سمع جون بولتون من المحافظين الجدد (صار الآن مستشاراً للأمن القومي في إدارة ترامب) يقول: إنّ خيار مواجهة الإرهاب، وسلاح الدمار الشامل في العراق بعد أفغانستان، هو في صعوبة شرب السم على سبيل التجربة؛ إنما من فوائده الجانبية تخويف إيران وكوريا الشمالية والمسلمين المتطرفين الذين تجرأوا على الضرب في أميركا. لكنْ بخلاف صحة توقع الخميني حسب وجهة نظر الإيرانيين؛ فإنّ غزو العراق ما أخاف الإيرانيين والكوريين والمتطرفين، وأفضى إلى دمار العراق، وتفاقم التطرف والإرهاب، واضطرار الولايات المتحدة للتدخل مرةً ثانيةً بعد أن كانت جحافلها قد خرجت منه عام 2010. وهكذا ما نجح شرب السم، وصحيح أنه لم يقتل الولايات المتحدة، لكنه تسبَّب في قتل وتهجير ملايين الناس في العراق، فهل تضطر للعودة مرةً ثانيةً وثالثة؟! لقد اضطرت الولايات المتحدة للتفاوض مع إيران على النووي، وهي مضطرةٌ الآن للتفاوُض مع كوريا الشمالية على الملف ذاته!

ولندعْ هذا التطوافَ حول الموضوع. فنحن العرب يُعرضُ علنيا الآن من جانب الروس في سورية، ومن جانب الأميركيين في فلسطين، أن نتجرع السُمَّ، بحسب الحلول المقتَرَحة. إنما الفرق أنّ تجارب تجرع السم حصلت معنا مراراً من قبل وفي سورية وفلسطين بالذات. كان هناك منطق بعد الهزيمةعام 1976 أنه لا تفاوُضَ مع العدو، ولا اعتراف بمترتباتٍ سياسيةٍ على احتلاله. لكننا جميعاً تقريباً تفاوضنا، واعترف بعضُنا، وقال لنا الرئيس السادات غفر الله له إبّان اعترافه  إنّ نصف المشكلة نفسي ومعنوي، وليس احتلال الأرض في فلسطين ومصر وسورية. بينما قال البعض الآخر، إنّ تجرع السُمّ بالاعتراف دون مقابلٍ استشفائي لا يجلب غير الموت أو الانتحار وحسْب، ثم من يشرب السُمّ غير اليائس من الحياة، وشُرْبُهُ تجربةٌ فردية، ولا يمكن أن تتحول إلى "حل" للعشرة ملايين فلسطيني، بداخل فلسطين وخارجها! لكنْ من ناحيةٍ أُخرى ما هي البدائل؟ لقد أثبت استمرار النزاع أنه لصالح إسرائيل، التي نشرت المستوطنات الضخمة في الضفة الغربية، ومن حول القدس. ويوشك أن ينحشر الشعب الفلسطيني المعذَّب في جيوبٍ على أرضه بلا أملٍ لا للمقيمين ولا للاجئين. نحن نقول: إنّ الحل في قرارات الشرعية الدولية، لكنها منقسمة بشأن الحل، ومجلس الأمن يُواجَهُ بالوقوف الأميركي الدائم مع إسرائيل، وتشجيعها علناً على عدم العودة لطاولة التفاوُض مع أنها لا تحتاج إلى تشجيع، بعد أن صارت حكوماتها خليطاً من المتطرفين الذين لا يريدون السلام المتضمن لحلّ الدولتين، وآخرين لا يرون في الأفق غير الحرب المجلْية أو السلم المُخْزية. في زمن ترامب الذي يريد القدس عاصمةً أبديةً لإسرائيل، لن يتحقق سلامٌ  ولو تحدث طويلاً عن "صفقة القرن"! إنما مرةً أُخرى، ما هو الحل بعد ترامب، وبخاصةٍ أن الشعب الفلسطيني ما يزال على انقسامه بين فتح وحماس، رغم شعار: العودة الكبرى!

ولنقل كلمة أيضاً عن سورية، في ظل مقولة شرب السمّ. هنا أيضاً للعرب تجارب، وللشعب السوري تجارب في عهد بشار ووالده. ثلاث مرات على الأقل خلال عقدٍ ونصفٍ أقبل العرب على قبول بشار الأسد، وما نفع ذلك  العرب، و لا الشعب السوري. وعن ماذا نبحث عنده، ونصف السوريين مهجَّر أو مقتول، وهو ذائبٌ في أحضان إيران و روسيا. إنما من ناحيةٍ أُخرى ما هي البدائل، أو حتى السُبُل لوقف النار والحصار على الأقل؟ فحتّى هذا الأمر غير مُتاح لاستحالة التفاوُض مع إيران، والاستسلام الكامل الذي تشترطه روسيا! هل يكون الحلّ بترك الملف السوري، كما تركنا العراق طويلاً بعد احتلال العام 2003؟ الواقع أنّ سورية متروكةٌ الآن أكثر من العراق. ففي الأيام العراقية جرى اختراع آلية "دول جوار العراق" وكان بينها السعودية والأردن. أما اليوم فالملف السوري بأيدي تحالف روسيا وإيران وتركيا، هكذا وبصراحة وبدون خجل، أما العرب فهم غريبون عنه غربة دي مستورا وأكثر، فلا حول ولا قوة إلاّ بالله.

radwansayyed@gmail.com
www.ridwanalsayyid.com
جريدة الاتحاد في صفحة وجهات نظر يوم الأحد في 8/4/2018

name country