header
الانتخابات اللبنانية والأبعاد الإقليمية

لأول مرةٍ في تاريخ لبنان الحديث، يكاد العنوان السياسي للانتخابات أن يكونَ مفقوداً. وباستثناء المعسكر الشيعي الذي يحدّد مرشحيه من ضمن محازبيه وحسْب؛ فإنّ سائر الآخرين، يستدعون مرشحيهم من ضمن الأغنياء الذين يستطيعون دفع التكاليف وتبقى لرئيس اللائحة بعض المكاسب والأرباح.  ولذلك ليس هناك هدف لسائر المشاركين، وبخاصةٍ الداخلين في التسوية التي جاءت بالعهد والحكومة إلاّ زيادة عدد الناجحين على لوائحهم، وأن يكونَ ذلك بأقلّ مقادير ممكنة من الإنفاق. وهناك فرقاء يتوخون أن لا يخسروا أكثر من اللازم، وبالذات الذين كانوا في تحالف 14 آذار في انتخابات العام 2009. ولكي يكونَ واضحاً ما نقصده أنه لا معنى سياسي للانتخابات يكون علينا أن نتذكّر أنّ الجماعة الإسلامية مثلاً تتحالف مع التيار الوطني الحر في عدة دوائر انتخابية، بينما يدنو تيار المستقبل أو يتحالف مع جهاتٍ مختلفة في الدوائر المختلفة، ويدنو الوزير جنبلاط في دوائر إلى حزب الله، بينما يدنو في دوائر أُخرى إلى تيار المستقبل أو القوات اللبنانية!
ووحده حزب الله لا يتحالف مع خصومه السابقين، ولا يرشّح على لوائحه غير الحزبيين، أمّا الموجودون من السنة والمسيحيين على لوائحه مع حركة أمل في مناطق الكثرة الشيعية فهم تابعون وليسوا حلفاء؛ بدليل أنه أعلن أولاً عن أسماء المرشحين الشيعة في كل لبنان وعددهم 27، ثم صار يعلن عن الآخرين من غير الشيعة المحازبين في كل منطقة أو دائرة انتخابية بالتدريج. وظهرت لديه مشكلة في دائرةٍ واحدةٍ فقط هي دائرة جبيل، حيث للشيعة مقعدٌ واحدٌ، والأكثرية مسيحية. وفي العادة يكون المرشح الشيعي على لائحة أحد المسيحيين البارزين. لكنّ الحزب وإظهاراً لتفوقه رشّح شيعياً من آل زعيتر من قيادته، وراح يقنع أبناء عائلات مسيحية بالترشح معه على اللائحة باعتباره رئيسها. وبحكم الصوت التفضيلي في قانون الانتخاب؛ فلن ينجح غيره من اللائحة، لأنه يستأثر بكل التفضيليات الشيعية ( حوالى العشرة الآلاف ناخب)، بينما لن يصوّت للائحته غير المئات من المسيحيين الذين تستأثر بأصواتهم بالطبع اللوائح المسيحية الأُخرى، وبخاصة لائحة النائب السابق الدكتور فارس سعيد ثم لائحة العونيين.
لماذا نتحدث في عنوان المقال عن الأبعاد الإقليمية للانتخابات، ما دام معظم الداخلين فيها ليست عندهم غيرالهموم المحلية للوجود في البرلمان؟ نقول ذلك لأنّ حزب الله يؤكد على المعنى السياسي والاسترايتجي لوجوده ووجود الشيعة أقوياء في لبنان والمنطقة. فقبل عشرة أيام قال نصر الله لوفد إيراني إنّ معظم سكان لبنان كانوا شيعة، إنما بسبب الاستضعاف تحول بعضهم إلى السنة أو المسيحيين، بينما الشيعة اليوم هم أقوى قوة بالمنطقة وليس في لبنان فقط؛ بسبب سياسات الولي الفقيه. ومنذ شهور، ومع ازدياد التوتر المتصاعد بين أميركا وإيران، تتجدد لحزب الله الوظائف الإقليمية، فهو مكلَّفٌ بعد الغزوة السورية التي لم تنته بعد بالضغط مع الحرس الثوري على الحدود الأردنية والجبهة مع إسرائيل في الجولان. وقد يندفع من جنوب لبنان أيضاً بصواريخه إن قررت إسرائيل الحرب. وقبل أيام قليلة- وبعد صمتٍ لأكثر من شهرين- اعتبر الأمين العام للحزب أنّ إطلاق الصواريخ من الحوثيين على المدن  السعودية هو إنجاز عسكري كبير. ولذلك يريد الحزب وهو يعود للحركة من لبنان باتجاه سورية والأردن وإسرائيل واليمن وغزة، أن تكون لديه تغطية داخلية بقدر الإمكان، لأنه يفتقد(بسبب سلاحه وعمله عند إيران في التخريب بالعالم العربي) إلى الاعتراف الكامل في لبنان، وهو متهمٌ بالإرهاب لدى العرب والدوليين. ولذا فإنّ وجوده بلبنان يعتمد على قوة سلاحه والغَلَبة التي فرضها، فكيف إذا أضاف لذلك اكثرية برلمانية موصوفة، قد تعمد لشرعنة سلاحه بالقانون، كما حصل للحشد الشعبي بالعراق، وهو البلد العربي الآخر الذي تجري فيه انتخابات في شهر مايو أيضاً، وعنده نفس التهديد والأخطار! الأمين العام للحزب قال في إحدى خُطبه أخيراً: لقد تغير الوضع، وصارت غالبية الشعب اللبناني تدعم المقاومة في ردع إسرائيل، ومنع الإرهاب!
يأتي البُعدُ الإقليمي إذن من تبعية حزب الله المسلَّح لإيران، واستعداده لتنفيذ سياساتها في تهديد الأمن العربي، وتهديد المصالح الغربية، والابتزاز من طريق دعوى مواجهة إسرائيل، والواقع أنّ تنظيمات مثل حزب الله هي التي تستدعي الإرهاب، وتستدعي التهديد الإسرائيلي. تقول التقارير الاستخبارية عن المشهد السوري إنه منذ شهورٍ يسمح النظام السوري، ويسمح الإيرانيون لبقايا داعش بالتسلل عبر مناطقهما إلى جنوب سورية والجولان. ولذلك هدفان: أنّ يتقاتل الدواعش مع المسلحين الآخرين الخارجين على النظام، وأن يعطي وجودهم بالجنوب ذريعةً للنظام  وللروس وللإيرانيين بالتدخل هناك لمكافحة الإرهاب!
إنّ الانتخابات النيابية اللبنانية والأُخرى العراقية، ورغم تفاهة تفاصيلها التي نشرها السياسيون المحترفون من جهة، والغرام الأعمى  الغربي بديمقراطية الانتخابات؛ شديدة الخطورة على مستقبل العراق ولبنان، لأنّ أنصار إيران في البلدين يذهبون إلى صناديق الاقتراع بسلاحهم وبأموالهم أيضاً. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
radwansayyed@gmail.com
www.ridwanalsayyid.com
جريدة الاتحاد في صفحة وجهات نظر يوم الأحد1/4/2018

name country