header
إزدياد الاضطراب في المشهد الإقليمي

هناك تقديراتٌ متفاوتة لأهمية العوامل المختلفة التي يمكن أن تقود للتفجير الكبير في منطقة الشرق الأوسط. فهناك من يعتبر أنّ التفجير الكبير يأتي في شهر مايو القادم، عندما يكون على الرئيس ترامب أن يتخذ قراراً أخيراً بشأن الاتفاق النووي الإيراني. وهناك من يذهب إلى أنّ عامل التفجير الأول سيكون بسبب زيادة الضغوط الإيرانية على حدود الكيان الصهيوني لجهة سورية بعد لبنان. وقد قالت إسرائيل إنها لن تقبل بالشروط والأمر الواقع الذي تحاول إيران فرضه، ومن ذلك إقامة قواعد في جنوب سورية. وهناك أخيراً من يقول إنّ التفجير سيأتي من التنافُس الروسي- الأميركي على سورية.

في مجال التنافُس فإنّ روسيا متقدمةُ على الولايات المتحدة لجهة المساحة التي تحتلها مع حلفائها، ولجهة الآليات السياسية والدبلوماسية التي أنتجتها ومنها أستانا وسوتشي. ثم إنها ما تزال تكسب على الأرض، لجهة الغوطة الشرقية، ولجهة تقدم حليفتها تركيا باتجاه عفرين. ولن تجرؤ إسرائيل مهما بلغت من الجراة أن تُنشب معركةً ضد إيران وحزب الله على الحدود مع لبنان، أو في جنوب سورية وصولاً لجبل الشيخ والجولان. فالمعركة الأخيرة التي احتدمت بعد إسقاط الطائرة الإسرائيلية أوقفتها روسيا بإنذار إسرائيل التوقف عن الإغارة.

إنما من جهةٍ أُخرى فإنّ الولايات المتحدة، أمّنت مناطق واسعة في شرق وشمال شرق سورية، تخضع للقوات الكردية الحليفة للولايات المتحدة، وهي مدعومة بعشرات القواعد الأميركية، وغنية بالنفط والغاز والمياه. ثم إنّ عندها قاعدة التنف، وقاعدتين صغيرتين أُخريين ليس بعيداً عن امتداد الحدود الأردنية. وتضغط كلٌّ من فرنسا وأميركا اليوم على روسيا من أجل الملف الإنساني في الغوطة، ومن أجل اتهام النظام باستخدام غاز الكلور من جديد. وقد كافحت روسيا إدانة النظام في مجلس الأمن بالفيتو، مما دفع الأميركيين والفرنسيين إلى التهديد بضرب قوات النظام، إذا ثبت استخدامها للكيماوي بالفعل في المدة الأخيرة. ورسيا أجابت أنها ستردُّ إن حصل ذلك. ثم جاءت قبل أيام قضية الجاسوس الروسي السابق، الذي تتهم بريطانيا الاستخبارات الروسية بمحاولة اغتياله في إنجلترا مع ابنته. وقد طردت بريطانيا دبلوماسيين روساً عندما  لم تجد رداً ملائماً من موسكو؛ كما أنّ الفرق الرياضية البريطانية لن تذهب إلى روسيا في دورة الألعاب الأولمبية القادمة.

وفي الإمكانية الثانية لانفجار التوتر من خلال حرب إسرائيلية على الإيرانيين في سورية؛ فإنّ الأسبوعين الأخيرين لم يشهدا غارات إسرائيلية. لكنّ الأردنيين دعوا أطراف "غرفة العمليات" من الدوليين للنظر في الأوضاع المتأزمة على حدودهم نتيجة التقرب والتعرض الإيراني. على أنّ الصمت الإسرائيلي قد يكون له سببٌ آخر غير الضغط الروسي. وهو أنّ الولايات المتحدة الأميركية هي التي تقود عمليات المواجهة مع إيران، سواء لجهة النووي، أو لجهة التدخل الإيراني وميليشيات إيران في الدول العربية. إنما كيف تحصل هذه المواجهة على الأرض، ومتى، وكيف، فهذه أمورٌ ستكشفها الأسابيع والشهور القادمة، وهل يكون لإسرائيل دورٌ فيها أم لا.

إنما ماذا عن الملف الأول والأخطر؟ أعني ملف الاتفاق النووي مع إيران، والذي يُهدّد ترامب منذ العام 2016 بإلغائه. الأوروبيون والروس والصينيون المشاركون في الاتفاق لا يريدون ذلك. لكنّ الولايات المتحدة تهدّد بالانفراد باعتبار ذلك تصرفاً سيادياً. وقد أمكن بالضغوط على ترامب تأجيل المسألة مرتين، ويُرجَّح أن يتخذ ترامب قراره في مايو القادم. وكما هو معروف؛ فإنّ ترامب أقال وزير الخارجية تيلرسون، ويذهب المراقبون إلى أنّ من بين أسباب الإقالة: الخلاف معه بشأن الاتفاق، والخلاف بشأن إعلان القدس عاصمةً لإسرائيل. وقد حاول الأوروبيون وعلى رأسهم فرنسا الوصول إلى حلولٍ وسطٍ مع طهران، يمكن أن تخفّف من قلق ترامب، فمضى وزير الخارجية الفرنسي إلى طهران، وتحدث مع الإيرانيين عن الصواريخ الباليستية، وعن التدخل بالمنطقة العربية. لكنّ الإيرانيين رفضوا التنازل في المسألتين، أو قبول التفاوُض!  

لو حصل أن ألْغى ترامب الاتفاق من طرفٍ واحدٍ؛ فكيف يكون ردّ فعل إيران؟ هل تعود أولاً إلى التخصيب؟ وهل تزيد من تحركاتها بالمنطقة، على الحدود مع إسرائيل، ولجهة توسيع الممر بين العراق وسورية ولبنان؟ وهل يغامر حزب الله بالحرب  مع إسرائيل، أم تأتي الضغوط من جهة حماس، التي ما عادت تملك الحرية نفسها بعد توثق علاقاتها مع مصر؟ كل هذه أسئلةٌ تحتاج إلى إجابةٍ شبه فورية.  

إنّ الاعتماد في منع الحرب يبقى على كاهلي كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة. والقنوات السرية بين العسكريين الروس والأميركان شغّالة كما قال الأميركيون والروس. فهل يشمل ذلك أيضاً منع الاشتباك الذي قد يؤدي إلى الحرب؟ إنما المشكلة من جهةٍ أُخرى أنّ التوتر بين الولايات المتحدة وروسيا يتزايد على كل الجبهات، وفي سائر المسائل، ولذا فقد تسمح الدولتان أو إحداهما لحليفتها بتجربة حظها في الانتقام أو الردع: ومعظَمُ النار من مستصغَر الشررِ!  

radwansayyed@gmail.com
www.ridwanalsayyid.com
جريدة الاتحاد في صفحة وجهات نظر يوم الاحد في 18/3/2018

name country