header
إعلان الأزهر ودلالاته على التطورات الجديدة في الفكر الإسلامي

تقتضينا التطورات الجديدة في التفكير الإسلامي، والتي ظهرت من خلال عمل مشيخة الأزهر، وهي المؤسسة الدينية الرئيسية لدى المسلمين السنة في العالم، كما ظهرت من خلال إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك والإعلانات الأُخرى – أن ننظر في طبيعة وتوجهات تلك التطورات بالتركيز على ثلاثة مفاهيم أساسية تضمنتها تلك التطورات أو عملت من خلالها، وهي: مفهوم التأصيل، ومفهوم الاعتراف، ورؤى علاقة المسلمين بالعالم.
ولنبدأ بمفهوم أو آلية التأصيل في الدين. التأصيل يعني في ديانات التوحيد الثلاث العودة للأصل أو الأصول، أي النص أو التقليد أو هما معاً. فعلى سبيل المثال عندما أراد الأزهر في الإعلان الاشتراع للمواطنة في الدولة الوطنية المدنية،  وكلا الأمرين جديدٌ تماماً ومن نتاج الأزمنة الحديثة والمعاصرة، رجع الإمام الأكبر شيخ الأزهر إلى تجربة النبي صلّى الله عليه وسلم في المدينة، حيث دعا في كتاب المدينة أو عهدها إلى إقامة نظام مجتمعي وسياسي قائم على المساواة في الحقوق والواجبات بين المشاركين في تلك التجربة، بغضّ النظر عن الأصول الإثنية أو الدينية. وفي مناسباتٍ أُخرى مثل الحديث عن العلاقات الممكنة في ظلّ الإسلام بين المسلمين وكل الآخرين، استشهد الأزهر بالنص القرآني: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتُقْسطوا إليهم. إنّ الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين، وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولَّوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون}(سورة الممتحنة :7-9). وهذا الأمر أو هذا التأصيل يستند لدى المسلمين واليهود والبروتستانت في الغالب على النص أو ما هو في حُكْمه مثل الإجماع أو اتفاق العلماء، بينما يحصل اقترانٌ لدى الكاثوليك بين النص والتقليد الكنَسي العريق، المستند بالطبع ليس إلى العصمة البابوية وحسب؛ بل وإلى سلطة المجامع ضمن الكنيسة.
إنما لو نظرنا إلى الأسباب أو الدوافع الكبرى للتأصيل، نجد أنها أسبابٌ خارجيةٌ إذا صحَّ التعبير. والأسباب الخارجية تلك المقصود بها الأمور التي تحدث خارج الجماعة وتقاليدها  العريقة. ويكون عليها أن تستجيب لنوعٍ من التلاؤم. وفي أزمات مثل الأزمة العميقة التي يمر بها الإسلام وسط ظروف الحداثة، والتشكلات المجتمعية الجديدة، والعلاقات الدولية؛ فإنّ التأصيل رغم أنه يملك أبعاداً انفراجية، يصبح مشكلةً أيضاً، لأنّ آخرين من معارضي الانفتاح على الجديد، يمكن أن يستخدموا آياتٍ ووقائع أُخرى، كما حصل مع داعش والقاعدة، ويجدون أنصاراً. ثم ما هي حدود وإمكانيات تجربة المدينة في التدليل للمفاهيم الجديدة أو التلاؤمات الجديدة، والاشتراع لها.
إنّ الذي أردتُ قوله أنّ آلية التأصيل  المستندة إلى مسوِّغ الاستجابة للمتغيرات هي آليةٌ إشكالية. إنما ميزتُها الرئيسية أنها صادرة عن سلطة دينية كبرى، وأنها تعملُ في الحقيقة على إنتاج رؤية جديدة في تفسير القرآن، ووظائف الدين ومهماته. وسأعود لذلك فيما بعد.
إنّ  المفهومَ الثاني الذي كثر استعمالُهُ هو مفهوم الاعتراف ليتأسّس عليه القول بالتعددية في المجالات الدينية والثقافية والسياسية وعلى المستوى العالمي. والاعتراف هو في الأصل مفهومٌ مسيحيٌّ للتوبة من الذنوب. وقد صار قولاً فلسفياً يستند إلى مفهوم النسبية الثقافية، وهي أساسٌ في الفلسفة الليبرالية. هذا المفهوم دخل عليه المفكرون المسلمون بحذرٍ لإقرار التعددية السياسية أو تشكيل الأحزاب، وإقامة حياة ديمقراطية بالمواصفات الحديثة. أما التعددية الدينية، باستثناء ذلك الإقرار باليهودية والمسيحية وباشتراطات، فهو أعمق وأكبر، لأنه ينالُ من مفهوم الحصرية، أو حصرية الحقيقة، وحصرية النجاة. وهذا أمرٌ ما اعترفت به الكنائس المسيحية إلاّ بعد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) وباشتراطاتٍ كثيرة.
لكنّ هذا الأمر بالذات، عملت عليه المؤسسات الدينية والمفكرون المسلمون في العقدين الأخيرين. والعلماءُ منهم والذين يحترمون النصّ وإمكانيات تأويله رجعوا إلى مفهوم "التعارُف" ؛ وبالتأصيل أيضاً: { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم}(سورة الحجرات: 13). وهذا يعني اعتبار  الاختلاف الديني والإثني واللغوي ظاهرةً إنسانيةً ودينيةً أيضاً؛ بل أكثر من ذلك: هو غايةٌ من غايات الوجود البشري. لكنْ هل تشارك المسلمون مع غيرهم في الحقيقة الدينية أيضاً؟
ما وصل الانفتاح إلى هذا الأُفُق بعد. وتدل على ذلك وقائع الحوار الإسلامي- المسيحي على مدى أكثر من خمسين عاماً. فالأطراف الإسلامية المشاركة في الحوار هي التي كانت تشترط دائماً عدم البحث في الأمور العقدية، وتحكمها عقدةُ التبشير التي تفاقمت في زمن الاستعمار. وسأعود إلى ذلك فيما بعد أيضاً.
ولنصل إلى المفاهيم أو الرؤى الجديدة المتعلقة بالعلاقة مع العالم وأممه وترتيباته ونظامه. إنّ التفكير الجديد، والذي يمثل اجتهادات قرنٍ كاملٍ تجمعت أخيراً في بيانات الأزهر الخاصة ومع المؤسسات الدينية الكبرى أنّ العلاقات، بين الناس ما دامت قائمةً على التعارف والبر والقسط ما لم يكن هناك اعتداء، فهذا يعني أنّ الجهاد لا يعني أكثر من الحرب الدفاعية. بل هناك ما هو أعمق أو أخصّ، وهو اعتبارُ الإسلام نفسه دينَ رحمةٍ: { كتب على نفسه الرحمة}(سورة الأنعام: 12) { وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين}(سورة الأنبياء: 107)، وكل قولٍ أو عملٍ يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم. وفي هذا الصدد ما جرى الاستناد إلى النص في عمليات التأصيل فقط؛ بل وإلى التقليد الفقهي العريق بشأن "مقاصد الشريعة" فما دام التعارُف والرحمة واللذان هما الغاية العليا للدين أو لعلاقة الله بالإنسان، وعلاقات المسلمين ببني البشر؛ فإنه تترتب على ذلك مسألة الضرورات الخمس وهي أنّ مهمات  الشريعة تتمثل في صون المصالح الأساسية لبني البشر وهي: صون النفس أو الحياة، وصون العقل، وصون الدين، وصون النسل أو العِرْض، وصون المال أو الملكية الخاصة.
بهذه المنظومة الإصلاحية أو التجديدية، التي تبرز عناصرها الآن، والتي تتعدد الجهات والجهود التي تقوم بها، والتي استندت إليها بيانات الأزهر، ومنها إعلان المواطنة والعيش المشترك، وشاركَّنا فيها نحن اللبنانيين ليس من خلال الحضور والإسهام فقط؛ بل ومن خلال إعلان بيروت للحريات الدينية؛ فإنّ هذه التلاؤمات والاستجابات، تستند إلى ثلاث آليات: آلية التأصيل، وآلية القراءة الجديدة لمصطلحات/ مفاتيح في القرآن، وآلية اعتبار المصالح العليا للدين والأمة التي تحددها المجامع العلمية أو الفقهية بالأزهر وغيره.
وبالطبع هناك ارتباكات حاصلة وتحصل بسبب التشابكات التي ما تزال قويةً بين اعتبارات الدين واعتبارات الدولة، وانفجار الإحيائيات الإسلامية القاتلة، والاستننزافات الهائلة التي يعاني منها المسلمون بشراً وعمراناً وكياناتٍ وبيئات اجتماعية، في الدين. إنما لو تأملنا المسار أو الاتجاه العام تجدنا متجهين نحو تأويليةٍ أو سرديةٍ جديدةٍ في الدين وللدين. وهي التأويلية أو السردية التي تُحيل في كل المسائل الدينية والأخلاقية على قيمتين، قيمة الرحمة في علاقة الله سبحانه ببني البشر ومن بينهم المسلمون، وقيمة التعارف، الذي يمثّل فلسفة وغاية الوجود الإنساني على هذه الأرض.
إنّ الجديدَ الجديدَ في بيانات الأزهر وإعلاناته، ومنها إعلانُ المواطنة والعيش المشترك، هو البحثُ الحثيثُ عن التأويلية الجديدة أو السردية البديلة للسرديات والخطابات التقليدية التي تصدعت بالهجوم عليها من الداخل والخارج، لكنها لم تسقط بالضربة القاضية. هل يطولُ الأمُر أو يقصُرُ حتى تتبلورَ السرديةُ الجديدة؟ لا يسمح مجرى الأزمنة المتغالبة بالانتظار، بقدر ما انتظر العالم، وانتظر الكاثوليك المجمعَ الفاتيكانيَّ الثاني. إنما نحن نعرفُ جميعاً أنّ التغيير تحت وطأة الضرورات، يكون أصعب من التغيير نتيجة الريادة التي يقومُ بها المفكرون المستبصرون. ولنستمع إلى هذه الآية القرآنية في الختام: { أَنزل من السماء ماءً فسالت أوديةٌ بقَدَرِها فاحتمل السيلُ زَبَداً رابياً، ومما يوقدون عليه في النار ابتغاءَ حليةٍ أو متاعٍ زبدٌ مثلُه. كذلك يضرب الله الحقَّ والباطلَ. فأمّا الزَبَدُ فيذهبُ جُفاءً، وأما ما ينفعُ الناسَ فيمكثُ في الأرض، كذلك يضرِبُ اللهُ الأمثال} (سورة الرعد: 17).

---------------
(*) كلمة أُلقيت في 10/11/2017 بمعهد الدراسات الإسلامية والمسيحية بجامعة القديس يوسف، بمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيس المعهد.

name country