header
التفكير الديني والتفكير بالدين والإصلاح الديني


لدينا في الدين مشكلتان رئيسيتان: التطرف والانشقاقات من جهة، والإصلاح الديني من جهةٍ أُخرى. الدول والعالم همُّها الأَمْنُ والإرهاب. وهذا همٌّ مشروعٌ، وقد نُجادل في الأساليب والطرائق المجدية. بيد أنّ ما يهمنا نحن العاملين في المجال الديني، والمجال الثقافي العام وبشكلٍ مباشر الأمرين اللذين ذكرتُهما أولاً: التطرف، والمُضيّ نحو تجديد التفكير الديني أو استعادة السكينة في الدين، والإصلاح الضروري لاستدامة الدين، واستدامة الاستقرار الأخلاقي والاجتماعي.

لقد اعتبرتُ دائماً في السنوات السبع الأخيرة على وجه الخصوص أنّ التطرف الفكري والعقدي والسلوكي من جانب بعض الفئات وصل إلى درجة الانشقاق. وذلك لأنّ التطرف أوصل إلى خلافاتٍ مع جماعة المسلمين وبداخلها. فالمتطرفون ما فارقوا إجماعات المسلمين في بعض المسالك التعبدية وحسْب؛ بل إنّ ذلك الافتراق السلوكي بذريعة التعبد، نال أيضاً من ثوابت الدين مثل: العقائد الثابتة، ووظائف الدين، وعلائق الدين بالمجتمع أولاً، وبالدولة ووظائفها ثانياً. فالمتطرفون لا يصلُّون مع المسلمين الآخرين من جهة، ولهم رؤاهم في ضرورة فرض الشريعة بمفاهيمهم هم على المجتمع من طريق النظام السياسي الذي يريدون الاستيلاءَ عليه من أجل تطبيق الشريعة أو الدين.

وهكذا هناك تطرفٌ أو تشددٌ كان دائماً حاضراً وفي سائر الأديان ومنها الإسلام. وهناك التطرف الجديد الذي تجاوز الشذوذ الفردي أو المتحزب إلى مفارقة جماعة المسلمين في عقائدها، وفي مسالكها في تدبير الشأن الديني والشأن الأخلاقي والأجتماعي والسياسي.

كيف نُواجهُ التطرف، وكيف نحولُ دون تطوره إلى انشقاق أو انشقاقات؟ المفروض أنّ هناك مسلَّمات في الدين اتفق عليها المسلمون منذ زمن النبوة وإلى الأزمنة الحاضرة، وعمادُ هذه المسلَّمات أمران او اعتقادان: الكتاب والسنة، والجماعة وإجماعاتها في احتضان هذين الأصلين، وفي العيش في ظلهما عبر التاريخ. وليست في الإسلام السني مؤسسة دينية معصومة هي المخوَّلة تفسير الدين وحدها. وإنما هناك مؤسَّسة أو صارت كذلك، مكوَّنة من متطوعين أصحاب اختصاص، تُوكِلُ إليهم جماعةُ المسلمين القيام بمهامّ أربع هي: وحدة العبادات تنشئةً وإشرافاً، والتعليم الديني العام، والفتوى، والإرشاد العام. ظهرت هذه المؤسسة أو هذه الجماعات المتخصصة في الأمصار، ولها أصلٌ من زمن النبي(ص). وكانت نشاطاتُها تُموَّل من الأوقاف التي يُرصِدُها القادرون في المجتمع. وقد ظهرتنافرٌ بينها وبين السلطات في البداية لتنازُع الاختصاص. فالدولة أيضاً كانت تريد رعاية الشأن الديني للمزيد من اكتساب الشرعية في نظر الجماعة. كما أنّ أهل الاختصاص هؤلاء (= الفقهاء) كانوا بحاجةٍ للتواصُل مع السلطات في قضايا مثل القضاء والحسبة  والحركة في المجال. ولذا وبعد تنافُرٍ متطاول، تطور الأمر إلى مُصالحة قائمة على تقسيم العمل: الديني البحت من شأن العلماء، والسياسي والإداري من شأن ولي الأمر السياسي. والتعاوُن بقدر الإمكان في المجال المشترك. وقد ظلَّ التجاذُب قائماً إلى أن سيطرت الدولة على المجال الديني أيضاً أيام العثمانيين، مع بقاء الإدارة المباشرة للمجال الديني في يد" شيخ الإسلام"، وهو منصبٌ اخترعه العثمانيون. إنّ المهمَّ الذي أُريدُ الوصولَ إليه أنّ الاستقلالية النسبية للمؤسّسة الدينية عند أهل السنة، انتهت بقيام الدولة الحديثة في عالم الإسلام، لأنّ الدول صارت هي التي تتولَّى إدارة الأوقاف، وإدارة المؤسسات الدينية. لقد أثّر الاستيلاء الدولتي في عمل المؤسسات الدينية لاختلاف نقاط التركيز، واختلاف الاهتمام، واعتبار الدول أنّ المؤسسات الدينية التقليدية ضد التحديث، ولا تدعم انفراد المؤسَّسات الدولتية بالمجال العام. بيد أنّ الذي أثّر في نشاطات المؤسسة الدينية التقليدية أيضاً ظهور تيارات إصلاحية قبل مائة عام ونيِّف تفْتَرق في نقاط التركيز لكنها تُجمعُ على مُعاداة التقليد الديني والمؤسسات الدينية، بذريعة الاجتهاد والتجديد: السلفي يريد تجاوُز التقليد للعودة إلى الكتاب والسنة مباشرةً، والحداثي يريد تجاوز التقليد اقتداءً بالمثال الغربي وتسويغاً له في عيون العامة. ولذا وقعت المؤسسات الدينية بين ضغوط الدول الجديدة، وضغوط طلاب الطهورية والتأصيل.

لقد انقسم العقل المؤسساتي الإسلامي بين السلفيين والإصلاحيين، وسط إصرار قلّة على الموروث الفقهي التقليدي. وقد اضعف ذلك بالطبع من قوة رسالتها وتأثيرها. ولذلك فقد ضعُفت حجيتها لدى فئاتٍ من الجمهور، إلى أنّ فَجَّرت الإحيائيات الجديدة الدين في وجه السلطات، ووجه المؤسسات الدينية، ووجه الجمهور المسلم، ووجه العالم. واهتمامنا اليوم بمسائل ثلاث: استعادة السكينة في الدين من طريق التجديد الديني، وإخراج الدين من بطن الدولة أو من الإسلامين السياسي والجهادي- واستنقاذ الدولة الوطنية، واستعادة العلاقة السلِسة بالعالم والعصر.

إنّ المهمة الأولى والتي نحن بصدد معالجتها، أعني السكينة في الدين واستطراداً التجديد الديني والثقافي، تُحيلُنا من جديدٍ على المؤسَّسات الدينية، لأنّ هناك مهماتٍ أربعاً ضرورية للدين في المجتمع، ولا يستطيع القيامَ بها إلاّ المؤسسات الدينية المختصّة: وحدة العبادات، والتعليم الديني، والفتوى، والإرشاد العام؛ كما سبق أن ذكرنا. بالنسبة للعبادات نحن لا نشكو من قلة الإقبال؛ بل الشكوى من إصرار بعض الفئات الشابة على عدم التردد والصلاة في مساجد الجماعة، بحجة الاختلاف في الاعتقاد. وهذه الظاهرة ليست واسعةَ الانتشار، لكنها مستمرةٌ منذ مدة وتتَّسِمُ ببعض التفاقُم وبخاصةٍ في بلدان المهاجر حيث لا يسهُلُ الضبطُ أو المعالجة. إنّ الصلاة في مساجد الجماعة في صلوات الجمعة والجماعات أساسيةٌ في الإسلام السنّي؛ لكنّ الإرغامَ عليها بأي وسيلة فيه ضررٌ كبير،لأنه يؤدي إلى نشوء مساجد سرية، وأهمُّ علامات الانتماء إلى جماعة المسلمين الصلاة العلنية في المساجد الجامعة. ولأنّ اعتزال الصلوات في مساجد الجماعة له أسبابٌ عقدية، فسأعودُ إليه فيما بعد.

ومسألة التعليم الديني أكثر تعقيداً. وقد ذكرتُ في كتابي" الصراع على الإسلام" (2004) أنّ الشكوى من التعليم الديني ليس أساسها التطرف، بل التقليدية القوية في المضامين والأساليب. لكنّ الغربيين الذين أذهلهم حَدَثُ 11 سبتمبر عام 2001 هجموا على التعليم الديني الإسلامي، وانتقدَوا رمزياتٍ، ومفاهيم، ومارسوا ضغوطاً على المؤسسات والحكومات، باعتبار أنّ التعليم الديني أحد المسؤولين عن التطرف المولِّد للإرهاب. وقد تكونت لجانٌ في الوزارات والمؤسسات الدينية المعنية بالتعليم الديني والعام للتنقية والتطوير. بيد أنّ وسائل الإعلام العالمية والمحلية ما تزالُ تركّز على استمرار النقائص والضرورات.

والشأنُ في الفتوى غير الشأن في التعليم. فالمؤسَّساتُ الدينيةُ كانت منفردةً بها، وما عادت كذلك. فقد أخذ "مفتو" الفضائيات قسطاً وازناً في هذا المجال، وصار للدعاة الحزبيين وغير الحزبيين جمهور واسع. ولا أقصد هنا أنّ الدُعاة الفضائيين هؤلاء كلهم متطرفون، بل إنّ أكثر هؤلاء المتطرفين منهم والمُبيحين ليسوا أهلَ معرفةٍ واختصاص بأي مقياس غير مقياس الشعبية والانتشار الذي تُتيحُهُ وسائلُ الإعلام والاتّصال.

وتبقى المهمةُ الرابعةُ، وأعني بها الإرشاد العام، وقد صارت أخطَرَ المهامّ لعدة أسباب: ظروف الحداثة ووسائل الاتصال، ووجود مشروعات كثيرة للإرشاد والتوجيه الاجتماعي معظممها لاعلاقة لها بالدين بمعنى أنّ هناك تنافُساً هائلاً على مهمة الإرشاد والتوجيه، والجهاتُ الدينيةُ طرفٌ أو أطرافٌ لا تبثُّ رسالةً واحدة. وأخيراً فإنّ مهمة الجهات الدينية (الرسمية) صارت مركَّبةً أو مزدوجة: تصحيح المفاهيم، والتجديد والتطوير في عمليات نشر المفاهيم الصحيحة.
في بحوث السنوات الأخيرة، جمعتُ ما تحتاجُ إليه المؤسساتُ الدينيةُ وما نحتاج إليه منها في مفردَين: التأهُّل والتأهيل. وأقصِدُ بالتأهُّل التزوُّدُ بالضروريات للقيام على مهامِّها الأربع، والضروريات ثلاث: وعي الرسالة، والإرادة، والمعرفة. فالعاملون في المؤسسات الدينية ليسوا موظفين عاديين، بل هم متطوعون أوهُم كذلك في الأصل، وإلاّ لما دخلوا في هذا  المجال، وعانوا مصاعبه وتحدياته لسنواتٍ طويلة. ماكس فيبر (1864-1920) السوسيولوجي الألماني الكبير ذكر وهو يتحدث عن حِرْفتَي أو مهنتَي العلم والسياسة أنّ هناك الحِرْفة أو الاحتراف، الذي يحتاج إلى معرفةٍ متميزة بمجال التخصص والعمل Beruf، وهناك الأمر الآخر أو الركن الآخر الضروري للنجاح وهو الرسالة Berufung، والواقع أنّ الرسالة أو الإحساس أو الوعي بها هو الذي يُحدثُ أو يقوّي دوافع الإرادة للعمل. بيد أنّ كلا الأمرين لا يمكن الوصول إلى نتائج بشأنهما بدون المعرفة. ونحن أهل الاختصاص تتوافرُ لنا المعارفُ التقليدية الفقهية والعقدية، أو أنّ كبارَنا تتوافرُ هذه المعارفُ لديهم. أمّا ما لا يتوافر لدى كثيرين منا فأمران اثنان رئيسيان: المعرفة بالعصر والعالم، وفهمُ المستجدات التي طرأت على  ديننا ومجتمعاتنا. ما تنبأ أحدٌ منا أن تحدث هذه الانشقاقات العقديةُ والسلوكية في الدين فهماً وتطبيقاً. وما ذلك إلاّ لنقْص معارفنا بالعالم والعصر، وبشباب مجتمعاتنا وما طرأ على تفكيرهم وسلوكهم. لا بد أن تتغيَّر رؤانا للعالم.

إنّ هذا التأهُّل في مفرداته الثلاثة مقدمةٌ ضررويةٌ للتأهيل، أي لممارسة العمل الإرشادي والتصحيحي والتجديدي في مؤسساتنا ومجتمعاتنا. والتأهيل أمرٌ تنظيمي وفني وأسلوبي وأداتي. وما نزال مقصِّرين في عمليات التأهل، كما أننا مقصِّرون في عمليات التأهيل.

في السنوات الماضية جرت أعمالٌ كثيرةٌ في مجالي أو مجالات التأهل والتأهيل. عملت المؤسسات وعمل علماؤها وخبراؤها على تجديد وإصلاح التعليم الديني، وعلى تكثيف النشاط في الفتوى والإرشاد العام. وانعقدت مؤتمرات وورشات عمل داخلية ومع المؤسسات الدينية في العالم لمكافحة التطرف والإرهاب. وبُذلت جهودٌ كثيرةٌ ذات طابع علمي ودعوي في مجالات تصحيح المفاهيم ( الدين، والشريعة، والجهاد، والدعوة، وعلائق الدين بالدولة، واستعادة السكينة الدينية والاجتماعية). وهناك حقولٌ وميادين استُحدثت مؤسساتٌ جديدةٌ للعناية والنشاط فيها. لكننا ما نزال محتاجين ومحتاجين جداً لتطوير وسائل للتواصل مع الجمهور ومع الشباب من بينهم، ومع وسائل الإعلام، ومع المثقفين، ومع العالم. إنّ المهامَّ التي نتولاها كبيرةٌ وعسيرةٌ وحافلةٌ بالتحديات الجديدة والموروثة. إنما ينبغي أن يظلَّ إيماننا قوياً بالرسالة التي هدفُها: "صونُ الدين على أصوله المستقرة، وثوابته الجامعة"، وهي مهمةٌ أو رسالةٌ دعانا إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: { ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهَون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون}(سورة آل عمران: 104).


name country