header
النفوذ الإيراني في المنطقة العربية

I
كنتُ قد توقّعتُ في بحثٍ  ألقيتُه هنا بدولة الإمارات العربية في أكتوبر 2010 أن يستمرّ التوتُّر في العلاقات العربية/ الإيرانية في السنوات القادمة عبر ثلاث مسائل أو مسالك:
- الدخول الإيراني المستمرّ والمتفاقم أَمْناً وسياسةً في العراق ولبنان والبحرين واليمن.
- والدخول الإيراني القوي على خطّ القضية الفلسطينية عسكرياً وسياسياً، بحيث صارت إيران تقود جبهة المعارضة أو الرفض للحلول الاستسلامية.
- والدخول على خطّ الاستقرار الداخلي في عددٍ من الدول العربية من طريق الأقليات الشيعية أو حركات الإسلام السياسي، والتهديد الدائم بهزّ الاستقرار، أو بالفتنة بحسب التعبير الإسلامي القديم، عندما لا تُعجبُها سياسةُ هذا البلد أو ذاك، أو لأنها ترومُ مُصارعة الولايات المتحدة بهذه الطريقة، كما تذهب لذلك دائماً.
والواقع أنّ هذه الملفّات جميعاً- ربما باستثناء الحوثيين باليمن- ليست جديدة. فقد احتضنت إيران كما هو معروف تيارات أساسية في المعارضة لنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين منذ الثمانينات من القرن الماضي . وعندما دخلت القوات الأميركية إلى العراق عام 2003، دخلت تنظيمات المعارضة تلك معها بسلاحها. ويبدو أنّ الاتفاق بين الطرفين الأميركي والإيراني بشأن العراق تمَّ على ثلاثة أُمور: هدم سائر أجهزة الدولة العراقية، لكي تتمكّن القوى الجديدة القادمة من إيران من مُمارسة السلطة بدون عراقيل، وبتعاون الاحتلال ومُساعدته. وإيثار" حزب الدعوة" برئاسة الوزراء، أي بالسلطة التنفيذية، تجنُّباً للتنافُس والصراع بين آل الحكيم وآل الصدر من جهة، ولأنّ الحزب ذاك أو أجزاءه الرئيسـة ما كانت معـروفةً بالتبعـية لإيران شأنَ المجلس الأعلى، أي تنظيم آل
الحكيم. ويقال إنّ الحزب المذكور كانت لبعض أقسامه أيضاً علاقاتٌ تعودُ للتسعينات بالولايات المتحدة. والأمر الثالث ضمان أن لا يُصرَّ الحزبان الكرديان المتحالفان مع الولايات المتحدة، على إنشاء دولةٍ منفصلة. وحتى العام 2006 تقريباً ما داخَلَ الاختلالُ أياً من بنود هذا الاتفاق، باستثناء إزعاجات مقتدى الصدر، والذي لجأ بعد العام 2007 إلى إيران- ثم ظهر التوتُّر بين الطرفين على خلفية الصراع على الملفّ النووي الإيراني، والسياسات الراديكالية للرئيس الإيراني الجديد محمود أحمدي نجاد. لكنّ إيران كانت قد ثبّتت وجودها السياسي بالعراق عبر الأحزاب الشيعية، والأمني عبر "جيش القدس" الذي يقوده الجنرال سُليماني، وعبر اختراق التنظيم الهشّ لمقتدى الصدر بعناصر يقودُها ضباطٌ إيرانيون. وعلى أيِّ حالٍ؛ فإنّ تلك التجاذبات ما حالت دون الاتفاق على حكومة المالكي الحالية. وقد عارض الإيرانيون الاتفاق العراقي/ الأميركي عام 2009 الذي يُنظّم انسحابَ القوات الأميركية من البلاد؛ لكنه عندما وقع حاولوا الإفادة منه، من طريق عقد اتفاقياتٍ "استراتيجية" كما قالوا، مع حكومة المالكي، والاستمرار الأمني من خلال جيش القدس، وميليشيا الخزعلي( الذي انفصل عن مقتدى الصدر)، والدخول في مشروعات عملاقة لتطوير الأماكن الشيعية المقدَّسة، واستحداث مرجعيات دينية إلى جانب مرجعية السيستاني وزملائه. وينصبُّ جهدُهُمُ الآن على تقوية الوجود في الأجهزة الأمنية والعسكرية، والتخلُّص من العناصر غير المُنضبطة. وبالنظر لذلك كُلِّه، وما يمكنُ أن يُثيرهُ من معارضةٍ ضمن الأكثرية الشيعية، ولدى السنة والأكراد؛ فقد توقّعْتُ أن يستمر الاضطراب بالداخل العراقي، دون أن يعني ذلك أنّ التدخل الإيراني هو السبب الوحيد؛ بل الأبرز.
أمّا القصةُ الإيرانيةُ مع حزب الله بلبنان فهي قصةُ نجاحٍ خالص. فقد نشأ الحزب على يد الحرس الثوري عام  1982، وتصارع مع  حركة أمل منذ أواسط الثمانينات، إلى أنْ سلَّم السوريون بأرجحيته ضمن الطائفة الشيعية بالبلاد أواخر الثمانينات من القرن الماضي. وقد نُظِّمت وقتَها قسمةٌ للعمل بين الحزب والحركة من حيث المهامّ والوظائف، فالداخلُ السياسي والإداري أو حصة الطائفة الشيعية في الدولة والنظام يتولاّهما نبيه بري زعيم حركة أمل، بينما يتولّى الحزب النضال ضد إسرائيل، حيث صار ذراعاً استراتيجيةً لكلٍ من سورية وإيران. لإيران: في دخولها على الملفّ الفلسطيني وحمْلها لقضية التحرير. ولسورية في بقائها بلبنان، وتبادُلها المهامّ والوظائف والعلائق مع الولايات المتحدة. وبعد الخروج الإسرائيلي الكبير من لبنان عام 2000 اكتسب حزب الله طابعاً مهدوياً قوياً، وأُعطيَ مهامّ عدَّةً في المدى الشيعي العربي، وفي المدى الإسلامي العربي. بيد أنّ الخروج السوريَّ من لبنان عام 2005 على أثر القرار الدولي رقم 1559(2004)، ومقتل الرئيس رفيق الحريري، ونشوب الصراع على المنطقة بعد غزو العراق، دفع حزب الله وسلاحه إلى مقدمة المشهد الداخلي اللبناني، وما يزال الأمر على هذا النحو حتّى اليوم. والمتوقَّعُ أن يستمرَّ الاضطرابُ بلبنان، ويستمرَّ انشلالُ النظام فيه بسبب التدخل الإيراني من خلال الحزب إلى سنواتٍ قادمة .
والنفوذ الإيراني بين شيعة البحرين قديمٌ ويعود إلى أيام الشاه. ولا يعود ذلك إلى أنّ الشيعة أكثريةٌ بالجزيرة وحسْب؛ بل ولأنّ إيران اعتبرت البحرين دائماً من ممتلكاتها. والذي تميزت به إيران في علاقاتها بالبحرين في زمن الثورة الإسلامية، أنها أنشأت منذ الثمانينات تنظيماتٍ مستقلَّةً وتابعة لها مباشرةً، وبعضها له طابع أمني واستخباراتي، في قلب المجتمع، وما توحَّد في تلك التنظيمات الجانب الأمني مع الجانب العقائدي والسياسي كما حصل في حالة حزب الله. فاحتاج الأمر إلى حدوث الثورات العربية، والتي تحرك على وقعها أصحابُ المطالب من السياسيين، فاستظلَّ بظلِّهم الأمنيون وتحركوا. ومثلما هو الأمر في حالة حزب الله بلبنان؛ فإنّ المشكلة بالبحرين لن تخمد بخمود الاحتجاجات الحالية؛ بل ستظلُّ الحزبياتُ سلاحاً بيد إيران مشهوراً في وجه دول الخليج.
والوضْعُ مع تنظيم" الشباب المؤمن" باليمن، والذين صار اسمُهُم "الحوثيين"، نسبةً للشيخ بدر الدين الحوثي وأولاده، غريبٌ ودالٌّ بالفعل. فالمعروف أنّ العلاقات بين الإمامية والزيدية ما كانت على ما يُرام عقائدياً وتاريخياً. بيد أنّ الضغوط التي واجهها "الزيود" باليمن عبر أربعة عقود، من الحكومة، ومن السلفيين، دفعت جزءًا من شبانهم في التسعينات للتطلُّع إلى إيران، وكانت إيران تُعيدُ تنشئتهم دينياً، وتُرسلهم إلى "حزب الله" من أجل الأَيديولوجيا التلاؤمية، ومن أجل التدريب. ثم كان التحرك بعد العام 2004 والذي قسّمه الصحافيون إلى سبع حروب. وقد استولى الحوثيون منذ أواسط العام 2010 على مناطق واسعة في صعدة ومحافظتين مجاورتين، وهم يديرونها باستقلاليةٍ شبه كاملة. بيد أنّ تحركهم يبقى أقلَّ خطراً لأنّ الأكثرية الزيدية ما انساقت لقيادتهم ، ولأنهم  واقعون بين الحدود السعودية والمناطق القَبَلية المُعادية، ولأنهم لا يملكون برنامجاً واضحاً ومُعْلَناً؛ بل إنّ برامج أحزاب اللقاء المشترك والمعارضين الشبان الآن، تبدو أكثر وضوحاً ورايكالية.
إنّ النماذج الأربعة التي ذكرناها من العراق ولبنان والبحرين واليمن، تجمعُها عدةُ جوامع أو عناصر: الجاذبية الغلاَّبة لإيران في الأوساط الشيعية في سائر أنحاء العالم، وبخاصةٍ في المشرق العربي والخليج- ووجود مشروع ديني/ سياسي للثورة الإسلامية، يرمي إلى إلحاق كلّ الشيعة في العالم بالزعامة والمرجعية الإيرانية- وغَلَبة الطابع الأمني/ السياسي على علاقة إيران بشيعة المشرق العربي والخليج- وتطور العلاقات الإيرانية مع الشيعة العرب والشيعة في العالم العربي من الانجذاب والاستتباع إلى إحداث انشقاقاتٍ واضطراباتٍ بداخل مجتمعاتهم استناداً إلى وجوه وعيٍ مُشْكِلة ( من المظلومية وإلى الطليعية في مواجهة الغرب وإسرائيل شأن اليسار الردايكالي العربي  قبل عقود).
II
أمّا الوجهُ الثاني من وجوه التنفُّذ والاختراق الإيراني للمجال العربي فيتمثّل في الاختراق الاستراتيجي من خلال ما حصل ويحصل بالعراق، ومن خلال حَمْل راية فلسطين نظرياً ورمزياً في بدايات الثورة واستحداث يوم القدس، وإلى تبنّي تنظيمات مسلَّحة للمشاركة في عمليات تحرير فلسطين أو في الحدّ الأدنى: الحيلولة دون الحلول الاستسلامية! فإيران هي التي أنشأت تنظيم الجهاد الإسلامي في اقترانٍ مع إنشائها لحزب الله. ثم وبعد العام 2000 تولَّى الحرس الثوري دعم حماس، وصولاً إلى قرار الاستيلاء على غزة وفصْلِها عن الضفة، ولأربعة أسباب: تصعيد التجاذب للضغط مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل لقطف ثمار حرب العام 2006، والضغط على مصر والسعودية وسياساتهما، والمشاركة في الصراع على المنطقة الواقعة غرب الفرات إلى المتوسّط (= الهلال الشيعي)، وتصدير الثورة من طريق الإسلام الجهادي. ولا شكَّ أنّ الدخول الإيراني على ملفّ القضية الفلسطينية كانت له آثارٌ كبيرةٌ على العرب وعلى الأميركيين، وعلى المسرح الشرق أوسطي بشكلٍ عامّ. فللمرة الأولى منذ القرن السابع الميلادي تعود إيران عبر حزب الله بلبنان وعبر حماس للتغلْغلُ في غرب الفرات وشرق المتوسط. ثم إنّ ذلك لم يحصُلْ من خلال مؤازرة دولةٍ عربيةٍ أو أكثر؛ بل من خلال تنظيمات مسلَّحة يُوجِّهها الحرس الثوري الإيراني في خطوط نضالها القتالي والسياسي ( وبالتنسيق بالطبع مع سورية)، وخارج سيطرة الدول. وقد جعل ذلك وللمرة الأولى حركةً متفرعةً عن الإخوان المسلمين طرفاً رئيساً في الصراع على فلسطين فزاد من اعتبار الإسلام السياسي وفُرَصه في المعادلة "الجهادية". وقد قسّم ذلك للمرة الأولى الحركة الوطنية الفلسطينية إلى طرفين متناحِرَين، أحدهما منظمة التحرير بالتنظيمات القومية واليسارية الداخلة فيها، والآخر: حركتا الجهاد الإسلامي وحماس ذواتا التوجُّه الإسلامي. ومع أنّ الإخوان المسلمين كانوا موجودين بالأردنّ وفلسطين منذ عقود؛ لكنهم صاروا للمرة الأولى نصف النضال من أجل التحرير، ثم صاروا النضال القتاليَّ كلَّه بعد اتفاقية أوسلو عام 1993. وتوترت العلاقات بين منظمة التحرير وحماس بعد فوزها في انتخابات العام 2006. وبعد حرب العام 2006 والسمعة العالية التي اكتسبها حزب الله قامت حماس وبقرارٍ من إيران وسورية بإنشاء دويلةٍ في غزة ما تزال ماثلة حتى الآن. وقد أسهم هذا التطور في تحويل طبيعة الصراع، من صراعٍ بين قوميتين، إلى صراعٍ بين دينين- وبخاصةٍ أنّ ذلك تَزَامَنَ مع صعود قوة الأحزاب الدينية في إسرائيل. ثم إنّ ذلك أعطى للفراغ الاستراتيجي معناه الأَوضح، إذ اخترقت إيران- بدون مصلحةٍ وطنيةٍ ظاهرة- منطقة الهلال الخصيب بسبب الضعف العربي الذي تفاقم بعد حرب الخليج الثانية(1990) ، وفي وقتٍ كانت فيه كُلٌّ من مصر والأردنّ قد عقدت اتفاقية سلامٍ مع إسرائيل إلى جانب منظمة التحرير، دون أن يتحقق السلام أو تُستعاد حقوق الشعب الفلسطيني أو تُطبَّق القرارات الدولية، فضلاً عن التعطُّل التدريجي لاتفاقية أوسلو بعد مؤتمر مدريد، على أثر مقتل إسحاق رابين، شريك ياسر عرفات في أوسلو. وبغضّ النظر عن مدى جدية النتائج التي حقّقها هذا الكفاح الإسلامي؛ فإنّ النظرة التي سادت في الأوساط العربية والعالمية أنّ العرب فقدوا جزءًا مهماً من مشروعية أنظمتهم نتيجة عجزهم عن حماية مصالحهم القومية والاستراتيجية، بحيث تقدمت إيران والإسلام الأُصولي لسدّ هذا الفراغ. وبسبب التعنُّت الإسرائيلي وعدم السير في مفاوضات السلام ثم وفاة ياسر عرفات، أرادت إيران أن تبدو (بواسطة حزب الله والجهاد الإسلامي، وحماس) باعتبارها الجهة الحامية لحقوق المسلمين وكرامتهم. ومع أنّ الولايات المتحدة أبت الاعتراف ظاهراً بإيران شريكاً في منطقة الشرق الأوسط الجديد أو الكبير؛ فإنّ الذي صار معروفاً أنه لا يمكن تجاهُلُ حزب الله وحماس في أيّ سلمٍ أو حربٍ، ومن ورائهما إيران. وهكذا فإنّ االدخول الإيراني على خطّ القضية الفلسطينية وبما يتجاوزُ الرمزيَّ والإعلاميَّ إلى النضالي والقتالي، كانت له عواقب كبرى بالنسبة لإيران وللعرب على حدٍ سواء. فإذا كانت إيران شريكاً في الحرب؛ فإنه لا يمكن إنجازُ سلامٍ بدونها. ورغم أنّ السبب الرئيس لعدم تحقيق تسوية للقضية الفلسطينية، هو أنّ حكومات إسرائيل في العقد الأخير، ما كان السلام خياراً استراتيجياً لها؛ فلا شكَّ أنّ الحركات الإسلامية المقاتلة، والتي تدعمُها إيران، أسهمت بقوةٍ في عملية التفشيل ذاتها التي دخلتْ فيها إسرائيل . وبذلك فقد بدت "المبادرة العربية للسلام" مرةً أُخرى دليلَ ضَعْف، ورهاناً غير مُوفَّق أو وهمي على صدقية الولايات المتحدة في السعْي للسلام، ورهاناً على "تغير الظروف" بحيث يظهر ذلك باعتباره تضييعاً وعملاً عبثياً من جانب أصحاب القضية أنفُسِهِمْ.
III
أمّا النوعُ الثالثُ من أنواع الاختراق والذي قدّرتُ أنه ستكونُ له آثارٌ سلبيةٌ على التوحُّد الداخلي في المجتمعات العربية، وعلى توجُّهات الدول، وعلى الهوية والانتماء؛ فهو الاختراق المذهبي والسياسي، والذي يمكن أن تكون له أحياناً أبعادٌ استراتيجية. ويمكن تقسيم ذلك إلى ثلاثة أقسام:
أولاً: استنهاض وعي خصوصي يصل أحياناً إلى حدود الانشقاق المعلن داخل المجتمعات العربية لأسبابٍ مذهبية. فقد كانت لإيران قبل الثورة الإسلامية فيها - وجوهُ نفوذٍ واستتباع ضمن الجماعات الشيعية في العالمين العربي والإسلامي. والمعروف أنه في عصر الدولة القومية، والذي ظهرت فيه ميولٌ اندماجيةٌ قويةٌ؛ وبخاصةٍ في الدول التي ظهرت فيها أنظمةٌ شموليةٌ أو أحزابٌ  أوحديةٌ حاكمةٌ؛ فإنّ الأقليات الدينية والعِرْقية تظهر لديها توتُّراتٌ قد تشتدّ إلى حدود المطالبة بالانفصال. وقد ظهر ذلك لدى الأرمن والأكراد أواخر أيام العثمانيين وفي زمن الدولة الكمالية. كما ظهر لدى الأكراد بالعراق وإيران. وفي حالة الشيعة بالذات؛ فإنه رغم خمود النزاعات التاريخية السنية/الشيعية؛ فقد بقيت آثارٌ وتمايُزاتٌ في الوعي والتصرف، وكما سبق القول، بسبب الظاهرة القومية، وطبيعة نظام الحكم، ووجود تيارات دينية سنية متشددة مثل السلفية. وقد كانت إيران الشاهنشاهية تُعنى بأحوال الشيعة في المشرق العربي والخليج. بيد أنها باستثناء حالاتٍ نادرة مثل حالة البحرين، ما تقصّدت إلى استغلال التوترات والافتراقات للمطالبة بوضْعٍ خاصٍّ لهم، أو أنها لم تسع لاستنهاض ذاك الوعي الخاصّ. واختلف الأمر مع قيام الثورة الإسلامية، وصار الأمر مُتبادلاً. فقد صدر عن دولة الثورة الإسلامية وهجٌ هائلٌ اجتذب باتجاهه كُتَلاً كبيرةً من شيعة العالم العربي والعالم الإسلامي . ثم إنّ دولة ولاية الفقيه تقصَّدت أن تستلحق الجماعات الشيعية بها مهما تباعدت بلدانُهُم عنها. وجاءت الحرب العراقية على إيران والتي استمرت ثماني سنوات، دعمت خلالها أكثر الدول العربية العراق، لتفتح الجُرح بين الشيعة والسنة وبمساعٍ هادفةٍ  ودعائية من الطرفين. وإلى تلك الفترة تعود جهود المرجعية الدينية الإيرانية، وأجهزتها الثقافية والخيرية، للتواصُل مع الجماعات الشيعية، واستتباعها إنْ أمكن للمرجعية الدينية الإيرانية، أو على الأقلّ للمرجعية السياسية. وبحسب حالة البلدان؛ ففي الدول القوية والمركزية، اقتصر الأمر على الدعوة الدينية، والعمل الخيري. أمّا في الدول التي تكون سلطتها المركزية ضعيفة أو مفككة، فقد سعت إيران لاستحداث إداراتٍ خاصّة للشيعة تابعة لها على نحوٍ ما في تلك البلدان، من مثل ما حدث في إفريقيا وآسيا الوسطى ولبنان. ومع الوقت تطور وعيٌ قويٌّ بالخصوصية يتراوح بين الإحساس بالمظلومية أو التفوق، وفي كل الأحوال التمايُز والانفصال. وإذا كان الصراع السني/ الشيعي في باكستان، وبعض البلدان الإفريقية قد نشب أو تجدد بسبب التشدد الديني لدى الطرفين؛ فإنّ هذا الصراع ظهر بالعالم العربي على أثر الاحتلال الأميركي للعراق، وتلبُّس الصراع على السلطة لَبوساً طائفياً ومذهبياً. والأَمْرُ نفسُهُ حدث بالبحرين وبلبنان وإن تفاوتت درجاتُ التوتُّر والافتراق بين الجهتين. وأنا هنا أُفرّقُ بين التدخُّل الأمني الذي ذكرتُهُ في البند الأول، والاستتباع المذهبي والديني. فالاختراقُ الأمنيُّ يمكن كشْفُهُ وإنهاؤه. أمّا الذي نحن بصدده فهوالاختراقُ المذهبي، الذي غذّى خصوصياتٍ ووجوه افتراق، وتوتُّرات، وأحدث حالاتٍ من الاضطراب والاختلال الاجتماعي والسياسي في عددٍ من المجتمعات والدول العربية. وقد حدث ذلك أحياناً بسبب ما سمّاه ولي نصر: اليقظة الشيعية أو صحوة الشيعة . فالصحويةُ أو الانبعاثُ الديني ظاهرةٌ معروفةٌ عند السنة أيضاً، ولا نحتاج ، لنسبتها إلى التأثير أو الاستثارة الخارجية. إنما الذي حصل في أكثر الأحيان، أنّ الأجهزة الدينية والثقافية في الجمهورية الإسلامية، عملت على استثارة الشيعة بشكلٍ عامٍ واستتباعهم، وإن لم تكن لها حاجة أمنية أو سياسية بذلك. وذلك لأنها تملكُ دعوى أنها دولتهم الكبرى ومرجعيتهم الدينية والسياسية في  العالم. وبالنسبة للعالم العربي، ذي الكثرة السنية الساحقة؛ فإنّ ظواهر التوتُّر والتشقُّق بين السنة والشيعة برزتْ في العراق ولبنان والبحرين والكويت واليمن . وما بلغت حدود الاصطدام الجماهيري أو المسلَّح إلاّ في العراق، لكنّ الافتراق في الوعي والتصرف حصل، وما عاد تدارُكُهُ سهلاً، حتى لو قررت الجمهورية الإسلامية أنها لا تريد استغلاله!
ثانياً: الاختراق الدعوي. فقد بذلت جهاتٌ إيرانيةٌ دينية رسمية وغير رسمية جهوداً كبرى في نشر المذهب الشيعي، في عددٍ من البلدان العربية، وفي إفريقيا وآسيا الوسطى، وشرق آسيا. وشكت السلطات في مصر والسودان والمغرب وبلدانٍ أُخرى من أنّ الإيرانيين يمارسون نشاطاًَ دعوياً كبيراً بين السنة. وهذا الأمر ذكره الشيخ يوسف القرضاوي عام 2009 وأثار حفيظة كثيرين. بيد أنّ الشواهد عليه ما تزال محدودة وليست كافيةً لاعتباره ظاهرةً تقومُ عليها وتُشرفُ جمهوريةُ إيران الإسلامية. وإنما هناك مرجعيات دينية شيعية بداخل إيران وخارجها تمارس العمل الدعوي والاجتهادي في قلب المجتمعات السنية في عدة بلدان.
ثالثاً: الاختراق من خلال الإسلام السياسي. والمعروف أنّ الإخوان، والسلفيين، تلقَّوا الثورة الإيرانية بنوعٍ من القلق والرفض لأنها اعتبرت نفسها في دستورها "جعفرية" أو على المذهب الجعفري الإثني عشري. إنما مع الوقت أقامت إيران شبكةً من العلاقات الجيدة مع الإخوان، وقصدها الكثيرون من المتصوفة. وترجع العلاقات الإيرانية مع الإخوان إلى أنهم كانوا مُلاحَقين في عددٍ من بلدانهم، فالتمسوا دعم إيران وحصلوا عليه من وراء ظهر الحكومات بالطبع. ثم إنّ إيران كسبت سمعةً جيدةً لدى الإسلاميين العرب (باستثناء السلفيين وأتباع القاعدة) بسبب دعمها للتنظيمات الإسلامية التي تقاتل إسرائيل مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي.


IV
كيف يمكن ردعُ النفوذ الإيراني؟
لقد حدَّدنا للاختراقات الإيرانية ووجوه التدخل ثلاثة أشكال: الشكل الأمني، والاختراق الاستراتيجي الفلسطيني والعراقي، والسوري، والتدخل من خلال استنفار المجموعات المذهبية أو من خلال حركات الإسلام السياسي.
والواقع أنّ الاختراق الأمنيَّ وسواء أكان من جانب إيران أو غيرها لا يمكن مكافحتُهُ إلاّ بوسائل الدولة أو الدول. وهذا الأمر هو الذي تقوم به كلٌّ من البحرين والكويت الآن. وقد استعانت البحرين من أجل أمنها واستقرارها بمجلس التعاون الخليجي وقوات درع الجزيرة. وكانت لديها الأدلّة على أنّ التدخُّل الإيراني لديها ذو شقَّين: من جهة الأمن، ومن جهة إيقاظ الوعي الخصوصي والتنظيم والاستتباع. بيد أنّ ما تمكنت منه البحرين، ما تمكّن منه لبنان. إذ إنّ حزب الله ليس محصَّناً بسلاحه وحسْب؛ بل هو محصَّنٌ أيضاً بالدعم القوي الذي يحظى به ضمن الطائفة الشيعية التي تلتفُّ من حوله، وضعف السلطة المركزية وعجزها. وقد شهد لبنانُ من قبل دوراتٍ من العنف، نجمت في أغلب الأحيان عن استقواء إحدى الطوائف اللبنانية على الطوائف الأُخرى، ونجمت في السبعينات عن تركُّز المقاومة الفلسطينية في لبنان. وقد عولج الوضْع وقتها بموافقة الجامعة العربية على إرسال قوات ردْعٍ إليه، ما لبثت أنْ صارت سوريةً خالصة، وتحولت هذه الميزة (وجود القوات العربية بالبلاد لصون الاستقرار، وللدعم في وجه إسرائيل التي كانت وقتها تحتل قسماً كبيراً من لبنان) إلى مشكلة، بحيث استمر السوريون بلبنان قرابة الثلاثين عاماً، متحكمين بكل شيئ. وخلال تلك المُدّة بلغت قوة حزب الله ذروتَها كما سبق القول، وبالدعم السوري، والتنسيق مع إيران. والمعروف أن الحزب استعلى بسلاحه على اللبنانيين، بعد أنْ كان قد صمد في وجه إسرائيل  على مدى أكثر من عشرين عاماً، وواجهها في حربٍ حقيقيةٍ عام 2006. وبسبب استعصاء مسائل الفصام عن الدولة، وحمل السلاح خارج سلطتها - على التسوية، كاد لبنان يتحول إلى دولةٍ فاشلة: حكومات لا تتشكل إلاّ بعد لأْي ولا تستطيع القيام بأيّ شيئ، ومجلس نواب يكاد أن لا يعمل، ورئيس جمهورية لا يملك إجراء الكثير لاعتصاره بين الأفيال. ولذا فلا مخرج إلاّ إذا اجتمعت ثلاثة أمور: الصمود الداخلي من جانب المطالبين بوضع سلاح حزب الله بإمرة الدولة والجيش اللبناني، والتقدم على مسار التسوية في فلسطين، وتغيُّر الموقف السوري. وكلُّ هذه الأمور لا تبدو في الأُفُق في المدى القريب؛ ولذا يُنتظر أن تسود المُراوحة والتوتر في سائر الملفات الكبرى، إن لم توجد طريقة للمهادنة وتسيير عيش الناس وأمنهم، بالتوافق والحوار، وهو ما لم يحصل حتى الآن.
وهكذا فإنّ التدخُّل الأمني، والذي قد ينفعُ في بلدانٍ مثل البحرين والكويت، لا ينفعُ في لبنان، بسبب مخاوف النزاع الداخلي، والاستغلال الإسرائيلي، والموقف السوري. ولذا يكونُ من المفهوم في هذا السياق أنّ المطلوبَ توافُرُهُ في الحالات الأمنية مع إيران: وجود السلطة المركزية القوية، وسيطرة تلك السلطة على كامل تُرابها، وعدم السماح بالتلاعب بقرارها الأمني والعسكري باعتبارها دولةً ذات سيادة، وباعتبار الحرص على الوحدة الوطنية. ولذا فإنّ حالة الحوثيين باليمن – مع أنّ فيها جانباً أمنياً؛ يمكن استيعابُها عندما تعود السلطة المركزية إلى سابق قوتها. ولن يستطيع الحوثيون نقل الاضطراب إلى مناطق أُخرى لانحشارهم بين قبائل كبرى والحدود السعودية.
إنما وفي ضوء التجربة بالبحرين، تظهر فائدة تقوية قوات درع الجزيرة، عدداً وعُدّة بحيث تكون قادرةً على مجابهة التحديات في الجوّ والبحر على الخصوص- وبخاصّةٍ إذا راقبْنا المشهد المتوسّع والمتشرذم ليس عند مضيق هُرمز وحسْب؛ بل وفي المَدَيَين الآخرين للبحر الأحمر، وبحر العرب والمحيط الهندي.
ولدينا من النوع الثاني، أي الاستراتيجي الاختراقان في العراق وفلسطين. وما تسبّبت بالاختراق الأول إيران بل الولايات المتحدة عندما غزت البلاد، وأسقطت نظامها، وخرّبت سائر مرافق الدولة. ويقال إنّ الدخول الإيراني مع الأميركيين كان متفقاً عليه. إنما بغضّ النظر عن ذلك؛ فإنّ إيران موجودةٌ بالعراق اليوم بثلاث صيغ: عبر الأحزاب الشيعية الحاكمة وميليشياتها والقوى الأمنية، وفي تنظيماتٍ خاصة واستخبارية، ثم أخيراً من خلال مصالح كبرى تجارية واقتصادية ورمزية (رجال الدين والمزارات المقدَّسة). وهكذا فلمشكلة العراق أبعاد عِدّةٌ، وليس من الممكن حصْرها بالاختراق الإيراني. إذ إنّ القوى الاستعمارية التي وحَّدت ولايات العراق الثلاث عام 1920 فكّرت فيه إلى جانب عوامل أُخرى باعتباره حاجزاً بين إيران وتركيا، ويمكن أن يسهم في استيعاب جزءٍ من المشكلة الكردية. والوضْعُ الآن أنّ هناك مُهادنة بين تركيا وإيران بشأن العراق، وتحاول تركيا التأليف بين الأكراد والتركمان والعرب في كركوك، وأن تشكّل منفذاً ومتنفَّساً لإقليم كردستان؛ في مقابل التعاون ضد حزب العمال الكردستاني.  وهكذا فإذا كان اعتبار تركيا مُعادلاً لإيران غير ممكن، فيمكن اعتبارها عنصر تهدئةٍ وتَوازن، حتى بالداخل العراقي. والعنصر الآخر الذي ينبغي أن يلعب دوراً مُوازناً وبانياً هو الدولة السورية. والواقع أنّ السنّة العراقيين يحفظون لها أنها آوت مهجَّريهم الكُثُر، لكنّ دورها غامض ومبلبل فيما يتعلق بسياساتها "ضد الغزو الأميركي" فيما بين العامين 2004 و2008. وما وفّت بوعودها للمملكة العربية السعودية بالنسبة للانتخابات عام 2009، والواضح أنها آثرتْ في هذا الأمر انحيازاً أو عجزاً  الجانب الإيراني. بيد أنّ العاملَين التركي والسوري يبقيان خارجيَّين (رغم امتداداتهما بداخل العراق)؛ بينما العنصران الأهمّ بالداخل العراقي، واللذان ينبغي العملُ عليهما في المدى المتوسّط: القبائل العربية بالعراق، والمشاعر والمصالح الوطنية العراقية. فهناك تضامُنٌ قبليٌّ بين العشائر الكبرى يتجاوز الطائفية والمذهبية، ويمكن أن يستعصي على الاختراق الإيراني كما استعصى إلى حدٍ ما على القاعدة. وأقصد بالشعور الوطني العراقي والمصالح الوطنية، تلك الحياة المشتركة التي تطورت في المدن الكبرى، ومن ناحيةٍ أُخرى إمكان تبلْوُر تشيُّع عربي أو العودة للتبلْوُر ( تصريحات المالكي اللافتة عن البحرين). وهذا الأمر مهمٌّ لنا نحن العرب ليس في العراق فقط؛ بل وفي سائر أقطار المشرق العربي والخليج التي فيها مجموعاتٌ شيعية. وهذه أفكارٌ أوليةٌ تحتاجُ إلى عملٍ ومتابعةٍ أدقّ، إذا أردْنا دراسة إمكانيات تحوُّلها إلى سياسات تتعاون الدول العربية المجاورة للعراق في انتهاجها.
ولننظر في الاختراق الاستراتيجي الآخر، أعني في فلسطين. فهناك البُعْدُ الرمزي والجيوسياسي، والمتمثّل في تمكُّن الإيرانيين( والآن الأتراك أيضاً) من حمل راية فلسطين. وقد ظلَّ الأمر  إلى حدود العام 2000 مقتصراً على إقامة يوم القدس، ودعم حزب الله لتحرير الأرض اللبنانية، ومساعدة تنظيم الجهاد الإسلامي في فلسطين والذي تدعمه إيران منذ الثمانينات. أمّا بعد العام 2000، وكان جنوب لبنان قد تحرر،  فقد صار حزب الله يتحدث عن فلسطين أكثر، واتجهت إيران لحماس وما تزال، وصولاً إلى قرارها (مع سورية) دعم مطلب حماس في الاستيلاء على غزة عام 2007، والتحرش بإسرائيل أواخر العام 2008، بحيث ردَّ الصهاينةُ بالحرب على غزة، كما ردُّوا عام 2006 بحرب تموز على تحرش حزب الله. فالاختراق الاستراتيجي هنا لا يعني تجاوُز السلطات اللبنانية أو السلطة الفلسطينية وحسب؛ بل يعني أيضاً تقسيم الفلسطينيين إلى دويلتين، وتعطيل الدولة اللبنانية، والتحكم في الحرب والسلم بالمنطقة من خلال السيطرة على تنظيماتٍ ثوريةٍ إسلاميةٍ مسلَّحة ، بعد أن سالمت الدولُ أو هادنت.
وقد حاولت الدول العربية على مدى العشرين عاماً الأخيرة، أن تصل إلى حلٍ عادلٍ للقضية الفلسطينية، لكنها لم تنجح في ذلك بسبب الاستعصاء الإسرائيلي منذ العام 1995( بعد مقتل إسحاق رابين)، وعدم نزاهة وثبات الوسيط الأميركي، وأخيراً وليس آخِراً الانقسام الفلسطيني، وإعاقات إيران (وسورية) للجَهد العربي (السعودي والمصري) من أجل استعادة وحدة الفلسطينيين، ومن أجل المُضيّ في المبادرة العربية للسلام.
ولنصل في هذا المجال الاستراتيجي إلى نقطةٍ فاصلة. لقد ذكرتُ سورية في سياق الحديث عن الاختراقات بلبنان والعراق وفلسطين ( وربما اليمن والبحرين والأردنّ). فبالإضافة إلى دعم حزب الله بلبنان تحت اسم مُساندة المقاومة ( طبعاً بسبب التحالف الاستراتيجي مع إيران)، هناك الدعم السياسي والعسكري لحماس والجهاد والتنظيمات العشرة، والتي تقبعُ قياداتُها في سورية، وتمضي من هناك إلى طهران وتعود. وقد بُذلت جهودٌ سعوديةٌ وأميركيةٌ كثيرةٌ في السنوات العشر أو العشرين،  لتغيير السياسات السورية التي أسهمت في عدم الاستقرار، وانقسام الفلسطينيين واللبنانيين، وتفشيل الجهود لعقد مفاوضات جدية. ولو تغيَّرت السياسات السورية لتراجعت التهديدات الأمنية والاستراتيجية على العرب بالمشرق والخليج بمقدار 50% في أكثر التقديرات تواضُعاً .
ولدينا أخيراً النوعُ الثالث من أنواع التهديدات الآتية من جهة إيران وجهاتٍ أُخرى، وهي التهديدات ذات الطابع الاجتماعي والثقافي والديني. وقد اتخذت في العقد الأخير شكلين أو صيغتين:
- التحالُف مع حركات الإسلام السياسي السُنّي.
- وتوجيه حركات الصحوة في البلاد العربية التي توجد فيها مجموعاتٌ سكانيةٌ شيعيةٌ، من أجل زعزعة الاستقرار، وقسمة المجتمعات، وإحداث أزمات في الدول.
وسأبدأُ بالشكل الأول، أي علاقة إيران بحركات الإسلام السياسي السنّي، أو بتعبيرٍ آخَر حركات الإخوان المسلمين والحركات المُشابهة في مصر والأردنّ والسودان وبين الفلسطينيين. ولستُ استهينُ بهذه الاختراقات، لكنني أنظر إليها باعتبارها بالدرجة الأولى تأزُّمات داخل الإسلام السني، وتأزُّمات بين تلك الحركات والأنظمة السياسية السائدة في بلدانها. فهناك أربعة تيارات رئيسية في الإسلام السني الحاضر: التيار الجهادي، والتيار الإخواني، والتيار الصوفي، والتيار السلفي. وبين هذه التيارات ما صنع الحدّاد. وليست لإيران علاقاتٌ وثيقةٌ وبنيويةٌ بأيٍّ من هذه التيارات، وإنما بسبب الانقسام فيما بينها فإنّ
الدعوية الشيعية الإيرانية تجد مدخلاً أحياناً للاستضعاف والاستلحاق أو التحويل. وليست للجهاديين والسلفيين علاقةٌ بإيران أو بالإسلام الشيعي. وعلاقةُ بعض الصوفية بها ناجمةٌ عن جاذبية رؤية الإمامة وعلائقها بالسلطة، بيد أنّ الأمر ما بلغ حدَّ الخطورة. أمّا التحالفات ووجوه التناغُم بين الإخوان وإيران فهي ناجمةٌ عن التأزم بين الإخوان والأنظمة. وربما يتغير ذلك الآن نتيجة الثورات العربية التي يحاول الإخوان الانتظام في سياقها للحصول على مشروعيةٍ وحصّة.
أما الشكل الآخرُ من الاختراق، فهو التغلغل داخل المجموعات الشيعية بالدول العربية. وبين هؤلاء شبانٌ تجذبهم الدعوة الصحوية الشيعية، والنموذج الإيراني. وهؤلاء يتحولون أو يُحوَّلون إلى تنظيمات علنية وسرية منفصلة ومتحشّدة أَوصلت إلى أزمة دولةٍ في كلٍّ من لبنان والبحرين، وبعض البلدان الإفريقية. وتسببت في كلّ الأحوال بفصاماتٍ اجتماعية ودينية. فالفصامات الاجتماعية هدَّدت الوحدات الاجتماعية. والفصامات الدينية أعادت الصراع السني/ الشيعي للعلن. ولا أرى إمكانياتٍ للمواجهة إلاّ في المدى المتوسط: أن تتوقف إيران عن تشجيع هذه الانفصامات واستغلالها، وأن نسعى لوجوه تواصُلٍ أوثَق وتشاوُر وانفتاح بين السنة والشيعة، وأن تجري إصلاحاتٌ حيث يجب لنُصرة مفهوم المواطنة، وأن تصعد مرجعياتٌ للتشيُّع العربي في الدين والمذهب والقومية.
وأُريدُ أن أختم بملاحظتين:
أولاً: إصرار إيران على اعتبار هذه الاختراقات حقاً من حقوقها، باعتبارها تارةً مسؤولةً عن الإسلام، وتارةً مسؤولةً عن التشيع،  وتارةً مسؤولةٌ عن أمن الخليج، وتارةً مسؤولةًعن مُصارعة الولايات المتحدة الأميركية. ولذلك لا يمكن الحديث حتّى الآن عن تفاوُضٍ وتحادُثٍ استراتيجي في شتّى وجوه العلائق، علائق الجوار، وعلائق التداخُل، وعلائق المصالح. وقد كانت هناك دائماً زياراتٌ على المستوى الثُنائي بين العرب والمسؤولين الإيرانيين. بيد أنّ التواصُل ما أفاد في تخفيف التوتير والتهديدات.
ثانياً: الضياعُ العربي بما يتجاوز الضعف إلى الغياب. لقد كنا نتحدث عن ضعف النظام العربي. أما اليوم فما بقي حاضراً من وحداته غير مجلس التعاوُن، الذي يقوم بالعبء كلّه الآن. ويبدو أنّ التغيير العربي الذي عقدْنا عليه الآمال الكبار، سوف يكون عاملاً مهماً في تغيير المشهد لغير صالح إيران وإسرائيل. وكنتُ قد قلتُ في بحثٍ  بقطر عام 1995  كان عنوانُه: إيران والعرب عبر مائة عام- إنّ العنوان فضفاضٌ، فإيران دولةٌ قوميةٌ واحدة، والعرب أكثر من عشرين دولة، داخلة في عضوية الجامعة العربية، إنما من الصعب اعتبارها نظاماً؛ وبخاصةٍ بعد حرب الخليج الثانية. وكان نقاشٌ حادٌّ قد دار بين الأمين العام للجامعة، ووزير الخارجية السعودي بآخِر مؤتمرات القمة العربية بمدينة سِرت الليبية (2010)، عندما طُرح موضوع: العرب ودول الجوار. قال الفيصل إنّ العرب ليسوا جاهزين للدخول في حوارٍ مع إيران التي تتدخل في كل شيئٍ عندهم، هناك فراغٌ استراتيجيٌّ شاسعٌ ومَهول تُعاني منه المنطقة العربية، ولا بد من استعادة الزمام قبل الحديث مع أيّ طرف. لقد كان ذلك قبل الثورات العربية، وقبل نزول الجمهور إلى الشارع، فهل تتغير الأمور بعد ذاك الاندفاع الشبابي؟! لا أُريد إنهاء هذه المحاضرة بسؤال، لكنّ الواقع أنّ كلَّ القضايا التي تراكمت بعد العام 1973 ما تزال رهينةَ الانتظار!


مؤتمر
مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية: تعزيز الشراكات الإقليمية في القرن الحادي والعشرين


11-14 أبريل 2011

name country