header
أعمال التفكير السياسي في الإسلام ومسألة المرجعية

I

بين العامين 1977 و1979 تبلورت لديَّ فكرتان، الأولى كتابة تاريخ مفهومي  للفكر  السياسي الإسلامي في أزمنته الكلاسيكية، والثانية التوسع في استكشاف مصادر جديدة للفكر السياسي الإسلامي. الفكرة الأولى نجمت عن عملي في تحضير أُطروحتي للدكتوراه عن "ثورة ابن الأشعث والقراء". وما كان تمرد زعيم قبيلة كندة بالكوفة جديداً ولا غير معتاد، بل غير المعتاد ظهور فئة مقاتلة في جيشه القبلي سمَّوا أنفسهم القراء. وكان أكثرهم من الموالي، لكنهم ليسوا من موالي كندة. وقد قُتل أكثرهم في المعارك ضد الحجاج بين عامي 82و84هـ. وأبرزُ مَنْ نجا منهم اثنان: عامر بن شراحيل الشعبي الذي كان عربي الأصول، ولا نعرف لماذا قرر الحجاج العفو عنه. أما الآخر فهو الحسن البصري(-110هـ) الذي يقال إنه اختفى، والواقع أنّ الحجاج غضَّ الطرف عنه لأنه لم يشارك في المعارك، رغم أنّ كثيراً من المشاركين كانوا من تلامذته وزملائه. القراء هؤلاء، ظهروا من قبل أثناء حرب صفين أو ظهرت تسميتهم هذه، لكنّ دورهم آنذاك كان تصالحياً. ثم بالبحث وجدْتُ أنّ التسمية نفسَها تظهر في  صحيح البخاري، باعتبارهم شببةً فرّغوا أنفسَهُم أو فرغهم أهلوهم لملازمة رسول الله (ص) والتعلم منه. لقد سيطرت عليّ إبّان كتابة الأُطروحة فكرتان عنهم: أنهم دُعاةُ الإسلام الجدد، وأنهم باعتبارهم ساعين لتكوين نخبة دينية تحمل مواريث النبوة ربما كانوا الطلائع والإرهاصات الاُولى لأهل السنة. وقد زاد من قناعتي بذلك أنّ من بقي منهم بعد المعارك صاروا الدعاة الأوائل لتحريم حمل السيف في الفتن والحروب الداخلية، وأنّ بينهم رواة الأحاديث المرفوعة أو الموقوفة والقصص عن الصحابة في النهي عن المشاركةفي الفتن بيدٍ أو لسان. وعلى أي حال بعدالتوسع في دراسة مفهوم القراء والقراءة في النصف الثاني من القرن الاول حتى بعد إنهاء الأُطروحة، انصرفتُ لقراءة أو مراجعة مفاهيم ومصطلحات أُخرى لفئات وجماعات. ومن المفاهيم: الجماعة والأمة والسنة والسيرة. ومن الجماعات المرجئة والقدرية والشيعة والعثمانية والمحكِّمة. وهذه القراءات المفهومية هي التي تظهر في كتابيَّ الأولين: مفاهيم الجماعات في الإسلام (1984)، والأمة والجماعة والسلطة (1985). وتبلغ الذروة في كتابي الرئيسي الآخر: الجماعة والمجتمع والدولة(1997). هذه هي فكرتي الرئيسية الأولى، والتي كان أهمّ كشوفي فيها مفهوم الجماعة بظلاله الدينية والاجتماعية والسياسية والفقهية  والاعتقادية. لقد كتب في تحولات مفهوم الأمة كثيرون غيري قبلي وبعدي، أما تحولات مفاهيم الجماعة فما كتب فيها أحدٌ بالطرائق الجدلية بين النص والمفهوم والمصطلح والواقع مثلما كتبت. وقد بذلْتُ جهداً تدقيقياً  كبيراً في اكتشاف تاريخ الثُنائية: السنة والجماعة أو أهل السنة والجماعة، ومعاني ذلك ونتائجه التاريخية الخطيرة.
أما الفكرة الرئيسية الثانية فهي التوسع في البحث عن المصادر المباشرة للتفكير السياسي في الإسلام أو التفكير بالدولة، ذلك أنّ كل تفكيرٍ سياسي هو تفكير بالدولة. وكانت الفكرة السائدة أنّ المسلمين ما كتبوا في السياسة أو في التفكير بالدولة إلاّ أقلّ القليل. وذلك إمّا لأنّ العرب ليس عندهم مواريث عريقة للدولة، أو لأن السلطوية الشاملة في الخلافة والسلطنة لا تسمح بالتفكير في دولة المؤسسات أو الـInstitutional Law  ولذلك هناك الفكر السياسي الموروث عن الإغريق، والتقاليد الملكية الموروثة عن الأكاسرة. وعندما تعرفت على الأستاذين حسن حنفي ومحمد عابد الجابري أواخر السبعينات وأهديتُهما نشرتي لقوانين الوزارة وسياسة الملك للماوردي، وحدثتُهما عن اعتزامي كتابة تاريخ للتفكير السياسي في الإسلام، تحدّياني أن أستطيع ذلك بطريقة علمية. قال لي حنفي: ماذاعندنا غير الأحكام السلطانية للماوردي والسياسة الشرعية لابن تيمية والنظرات السياسية لابن خلدون في مقدمته؟!
يظن غير المتخصصين أنّ تحقيق النصوص القديمة بضاعةٌ مُزجاة. لكنها كانت شديدة العُسْر عليّ. لقد اجتمعت لديّ مئات المخطوطات للتفكير السياسي والسياسة الشرعية في سائر العصور. وقد تدربْتُ على قراءة النصوص على أيدي محمود شاكر وإحسان عباس وعبد السلام هارون ونشرات المستشرقين الأُولى. لكنْ خلال التحقيق وبعده كنت أدرس النصوص   بإسهاب في تمهيداتٍ تقديمية، ولذلك اشتهرت خلال عشر سنوات بين 1978 و1988م دراساتي التقديمية للنصوص، أكثر من تحقيقاتي لها رغم الاتقان البالغ في القراءة والإحالات والفهارس. وتعمدتُ أن تكون النصوص المحقَّقة من عصور مختلفة إلى آخِر العصور المملوكي. كما تعمدتُ أن تكون التحقيقات من مدارس مختلفة. فقد صنفتُ مدارس أو اتجاهات الفكر السياسي الإسلامي في خمس مدارس: مدرسة نصائح الملوك ومرايا الأُمراء، ومدرسة الفقهاء، ومدرسة الفلاسفة، ومدرسة كُتّاب السِيَر والخراج والأموال والإدارة، ومدرسة المتكلمين. ولأنني كنتُ اُدرِّسُ وأعملُ في مختلف مجالات الدراسات الإسلامية وفلسفة الدين، وما استطعتُ التفرغ لتحقيقات ودراسات الفكر السياسي، فقد عمدتُ إلى تكليف طلابي المتميزين بتحقيق النصوص ودراستها بالمنهج الذي اصطنعتُهُ لنفسي. وكنتُ أنشر النصوص السياسية بدار الطليعة. ثم عرض عليّ الدكتور يوسف الحزيِّم نشر نصوصي المحققة ونصوص طلاّبي بدار ابن الأزرق التي أنشأها خصيصاً لنشر نصوص التراث السياسي الإسلامي، وهكذا حصل، وطُبعت سائرُ النصوص في نشراتٍ أنيقة هنا بالمملكة العربية السعودية، وما تزال السلسلة مستمرة.

II

ولنذهب من النشرات والدراسات إلى التأملات والمراجعات بعد مرور خمسةٍ وثلاثين عاماً على البدايات. فما هي العوامل التي ساعدتني على القيام بهذا المشروع الفكري الكبير؟
أول العوامل المُساعدة هو ثقافتي في كلاسيكيات الإسلام: في التفسير والفقه والكلام والفلسفة والتاريخ  واللغة والآداب، والدراسات المجاوِرة في العلوم الدينية والاجتماعية والإنسانية. والقارئ لكتبي ومقالاتي حتى الصحفي منها يلمس هذه المعرفة بكلاسيكيات الإسلام والدراسات الحديثة حولها. أمّا العامل المساعد الثاني فهو سنوات  دراستي في ألمانيا، وسنوات التدريس بالولايات المتحدة الأميركية. فإلى جانب العلوم الدينية وفلسفة الدين ونقد النص، هناك العلوم التاريخية والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا. وقد أُغرمت بكانط ثم بماكس فيبر وتأويلية غادامَر. ثم أُغرمتُ في أميركا بهودجسون وتشارلز تايلور وبول ريكور. وجرؤتُ على ترجمة ماكس فيبر وتايلور إلى جانب المستشرقين الكبار، وعلماء نقد النص في العهدين. ومن هؤلاء وكثيرين غيرهم أفدتُ كثيراً من الناحية المنهجية والموضوعية. والذي يقرأ دراساتي الأُولى في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي يُحسُّ بتأثيرات فيبر وغادامر وكارل شميت عليّ قبل الاستقلال بمنهجٍ منقَّح. أمّا العامل المساعد الثالث وهو أداتي إذا صحَّ التعبير فهو أنني كنتُ محظوظاً خلال الفترة  الطويلة كلِّها بوجود مجلات علمية وفكرية تحت تصرفي. فقد حرّرتُ على التوالي مجلات االفكر العربي (1978-1985) والاجتهاد (1988-2004)، والتسامح/ التفاهم (2004-2017). وهكذا فقد زامْلتُ واستكتبتُ  مئات الكتّاب والمثقفين والمفكرين العرب والأجانب. والذي يقرأ أحد أعداد مجلة الاجتهاد أو الفكر العربي أو التفاهم، يجد أنّ أيَّ عددٍ منها لا يخلو من مقالة لي أو مقالتين، وترجمات في موضوع المحورعن الألمانية والإنجليزية.

أما العامل المساعدُ الرابع فهو المكتبة الهائلةُ التي تكونت لديّ وما تزال تنمو ورُبْعُها كتبٌ بالألمانية والفرنسية والإنجليزية. وما أزال أقتني كلَّ جديد في فلسفة الدين، والفكر السياسي، وفلسفة التاريخ، والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، والتأويليات. وإلى سلسلة التفكير السياسي في الإسلام، أُحاول إنشاء سلسلة من الترجمات في فلسفة الدين، وقد صدر منها قبل شهر: كيف يتكون الدين لوايتهيد whitehead
أما العقباتُ والإعاقات وفي مجال التفكير السياسي في الإسلام بالذات فهي موضوعية ومنهجية. فقد أخذ عليّ بعض الزملاء اهتمامي بنشر كتب ونصوص نصائح الملوك أو مرايا الأُمراء، إما لأنها من الدثائر الكلاسيكية المكرورة، أو لأنها تشجّع على الاستبداد وتبني ثقافته. وهذه إشكاليةٌ منهجيةٌ عرضتُ لها كثيراً في كتبي وفي مقدمات نشرات النصوص. وأخذ عليّ زملاءُ آخرون اعتباري لمدرسة الفقهاء المدرسةَ الرئيسية في التفكير السياسي الإسلامي القديم، وهي تتضمن كتب الأحكام السلطانية، وكتب السياسة الشرعية. وقد اعتبرتُ فنَّ نصائح الملوك إيذاناً بظهور الإمبراطورية في عالم الإسلام ودرستُ دلالات ذلك. كما اعتبرتُ مدرسة الفقهاء في الفكر السياسي مدرسةً للشرعية وإشكالاتها.

أما العقبة الأُخرى وهي عقبةٌ كأداء، فتبدو لي في السياقات المعاصرة، والتطورات بداخل الإسلام خلالها، وظهور الإسلامين السياسي والجهادي. إذ ظهرت عقدنةٌ هائلةٌ في التفكير بالدولة، وصارت الدولة المسمّاة إسلامية ركناً من أركان الدين، لأنّ الشريعة لا تُطبَّقُ إلاّ من خلالها، وما لا يتم الواجبُ إلاّ به فهو واجب!  ومن الطبيعي أن يعود أهل الإسلام السياسي والآخر الجهادي إلى أصول الإسلام وإلى مراحله الكلاسيكية، ليجدوا أنّ دولة الخلافة وأعقابها كانت دولةً دينيةً مهمتها تطبيق الشريعة، ومن الضروري العودة لذلك اليوم، ليعزَّ الدين، وينكفئ أعداءُ الإسلام! ويواجههم لدى المثقفين العرب والمسلمين منطقٌ آخر يصل إلى النتائج نفسها. فالموروث الإسلامي كلّه صار عبئاً وعقبةً على العرب والمسلمين في حاضرهم ومستقبلهم، وينبغي تفكيكه وإزاحته لكي يتمكن العرب والمسلمون من اعتناق الحداثة. وقد صارت أيديولوجيات تحرير المسلمين من أعباء الإسلام  عالميةً الآن كما هو معروف! في هذه الأجواء والسياقات كيف يمكن قراءة تاريخ التفكير الديني والسياسي في الإسلام القديم، باعتباره تاريخاً لتجربةٍ ثقافية وسياسية وحضارية؟ بل كيف يمكن اعتبار الدولة مؤسسةً مصلحية وتدبيرية كما كان الفقهاء والمتكلمون يقولون ويعتقدون؟!  
إنّ المسألة في هذا السياق مسألة وعي يريد أن يتحول بالقوة وبالتحويلات المفهومية إلى تاريخ. وأذكر أنّ شيخاً مغربياً كبيراً وعاقلاً خاض معي قبل سنواتٍ نقاشاً استمر لعدة ساعات عن طبيعة الدولة في الإسلام، وقد أريتُه في مكتبته نصوص الفقهاء عن مصلحية الإمامة وتدبيريتها وأنها ليست من التعبديات. وأنّ الشريعة هي الدين، وإذا كانت محتاجةً الآن إلى تطبيقٍ وبالقوة، فهذا يعني أننا غادرنا الإسلام! وقد بدا لي أنه اقتنع، فقمت للمغادرة فلحقني للتوديع وقال لي هامساً: لكنْ ما الضرر إذا صار من مهمات الدولة حراسة الدين وتطبيقه كما كان عليه الحال في الماضي؟!



III

ما هي المحقَّقاتُ أو الإنجازات؟
ما أنجزتُ تاريخاً للفكر السياسي في الإسلام. لكنْ في العالم 1988 عرض عليّ كلٌّ من حسن حنفي والجابري إنشاء "جماعة الفكر السياسي الإسلامي". وقد تُرجمت بعض كتبي ومقالاتي إلى اللغات  الحية، وصار الفكر السياسي الإسلامي تخصصاً درّستُه في هارفرد وشيكاغو وبرنستون وسالسبورغ وبامبرغ. وصار الطلاب يأتون من أوروبا وأميركا والعالم العربي ليسمعوا الدروس، ويقوموا بالبحوث في الفكر السياسي الإسلامي القديم والحديث. إنّ مسألة المرجعية العلمية  مسألةٌ شديدة الأهمية. وما نزال بعيدين عنها في الدراسات الإسلامية. وأنا أزهري وقد ذهبتُ إلى ألمانيا للتخصص، كما ذهب شيخ الأزهر الحالي إلى السوربون، وكذلك شيخ الأزهر الأسبق الدكتور عبد الحليم محمود. لكنْ حصل تقدم في بعض جوانب الدراسات الإسلامية ومجالاتها. ومن تلك المجالات التفكير السياسي في الإسلام. وقد كان لي إسهامٌ في ذلك كما أعتقد. ولهذا حصلتُ على جائزة مؤسسة الملك فيصل وهي مؤسسة لا تمزح ولا تجامل وتسعى للتاهل والتأهيل للمرجعية.
عندي ثمانية وعشرون كتاباً بين مؤلّفٍ ومترجمٍ ومحقق. منها أربعةٌ في التفكير السياسي في الإسلام قديماً، وعشرة نصوص سياسية محققة، وأربعة كتب في الفكر الإسلامي الحديث، والبقية ترجمات عن الألمانية والإنجليزية في التفكير السياسي وفلسفة الدين والاستشراق والفلسفة والتاريخ والأنثروبولوجيا. وهذا فضلاً عن حوالى المائة دراسة قصيرة في المجلات العلمية، وعشرات المراجعات للكتب الجديدة. وعندما بلغتُ الستين أعدَّ لي أساتذتي وزملائي وطلابي كتاباً تذكارياً ضخماً. وأقامت رابطة العلماء المغاربة يوماً دراسياً لأعمالي، وكتب عني الأستاذ شمس الدين الكيلاني كتاباً عنوانه: الجماعة وتحولاتها في تفكير رضوان السيد. وما أزال أكتب كثيراً رغم التقدم في السن، وحلول أمراض الشيخوخة، وتفاقم الهموم بسبب ما يجري على  العرب وعلى الإسلام.
وعندي مشروعان كبيران قادمان، أحدهما قديم وهو الكتابة عن أهل السنة والجماعة،  وقد أنجزتُ المجلد الأول- والآخر حديث وهو الكتابة في  التقليد الإسلامي ظهوراً واستتباباً، وتصدُّعاً.
كنتُ عندما تشتدُّ الهجماتُ علينا نحن العرب والمسلمين بعد العام 2001 أُنشد بيتي الشاعر العربي القديم:

عربيٌّ أنا فإن كنتِ غضبى فاملئي وجَهكِ القبيحَ خموشا
نحن كنّا سكّانها من نزارٍ   وبنا سُمّيت قريشٌ قُريشا

أشكر لمؤسسة جائزة الملك فيصل هذا التقدير الكبير. وأساله سبحانه وتعالى التوفيق إلى الاستمرار في التجديد والتشييد، وإلى ما يحبه ويرضاه، إنه سميعٌ مُجيب. والسلام عليكم.


name country