header
إعلان الأزهر في مؤتمر: المواطنة والعيش المشترك


جاء مؤتمر الأزهر وإعلانه عن المواطنة والحرية والتنوع والعيش المشترك، بعد إعدادٍ طويلٍ وشاقّ. فقد أراد شيخ الأزهر أنّ يكون المؤتمر فرصةً لتفكيرٍ جديدٍ في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في العالم العربي. ولذا كانت الفكرة التركيز على المدنيين العرب الشبان والكبار من المختصين والمهتمين، وأن يتحدث رجال الدين في الجلسة الافتتاحية، في حين تتوزع بحوث المؤتمر في محاور أربعة يتحدث في كل محورٍ باحثون مسيحيون ومسلمون: محور المواطنة، ومحور الحرية والتنوع، ومحور التجارب والتحديات، ومحور المشاركة والمبادرة. وقد اهتم المتدخلون بمحورَي المواطنة والحريات، لكنني رأيتُ أنّ محور التجارب والتحديات، وكذلك المحور الرابع في المشاركة والمبادرة لا يقلان أهمية. ففي التجارب جرى من جانب عشرات الدارسين تقييم المبادرات التي قام بها الأزهر، والتي قام بها المسلمون الآخرون ومؤسساتهم تجاه المسيحيين. وكذلك إسهاماتُ المسيحيين العرب وغيرهم في الحوار والمؤتمرات ووُرش العمل واقتراح الحلول. وقد كان هناك نقدٌ ومراجعة للمحاولات والمبادرات التي جرت، وقام بها رجال دين ومدنيون سبق أن أسهموا في إطلاق بعضها وخاب أملهم في النتائج. ولذا فقد انصبّ المحور الرابع الخاص بالمشاركة والمبادرة على الدعوة للقيام بخطواتٍ عملية من مثل: العمل معاً لدرء التدخلات الخارجية، والعمل معاً للحيلولة دون توظيف الدين في النزاعات، والعمل معاً لدرء مخاطر التفكك والانقسام، والعمل معاً على ترسيخ شراكة القيم وتفعيلها، والعمل معاً في مواجهة التعصب والتطرف والإرهاب، والعمل معاً في ترسيخ شراكة القيم، والعمل معاً من أجل مشاركةٍ أوسع في الحياة العامة.
إنّ هذا كلَّه لا يعني أنّ المحاور الأُخرى ما لقيت عنايةً واهتماماً. ففي محور المواطنة كانت هناك مُداخلات دستورية وقانونية، برز فيها الدكتور أنطوان مسرة، والدكتور أنطوان قربان، وفي محور الحرية والتنوع برزت محاضرة الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري السابق، والشيخة لبنى القاسمي وزير الدولة في الإمارات، والدكتوره فاديا كيوان، والدكتور مصطفى الفقي.
بيد أنّ البارز أيضاً في المؤتمر الحضور المصري الكثيف من المسلمين والأقباط، والحضور اللبناني الكثيف من المسيحيين والمسلمين أيضاً. فقد حابانا المصريون لأنّ ثلاثةً منا كانوا أعضاء في اللجنة التحضيرية للمؤتمر، فقبلوا دعوة حوالى الخمسين لبنانياً نصفهم من رجال الدين! لكنْ بينهم أيضاً نسبة كبيرة أيضاً بين المحاضرين.
وإلى ذلك، ورغم أنّ المؤتمر هو "للمسيحيين والمسلمين في العالم العربي" فقد حضره ضيوفٌ كبارٌ من العالم الإسلامي، ومن مجلس الكنائس العالمي، والفاتيكان، والمجلس الوطني للكنائس بالولايات المتحدة.
أما الأبرز الأبرز في هذا المؤتمر المهم بل التاريخي، فهو صدور "إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك". وقد تحددت معالم الإعلان الكبرى في الحقيقة في كلمتي شيخ الأزهر وبابا الأقباط في الجلسة الافتتاحية. وهذا لا يقلل من أهمية القوة الاقتراحية للبنانيين من مدنيين ورجال دين؛ لكنّ فهم الأزهر، وفهم البابا القبطي، هو الذي ظهر في البيان الختامي أو إعلان الأزهر.
وقع الإعلان في ست مواد تعرضت لستّ موضوعات رئيسية. في المادة الأولى تبنى الإعلان المواطنة والدولة المدنية مصطلحاً ومفهوماً، لكنه نسبهما إلى عهد المدينة، أو دستورها كما سمّاه الإعلان. وكان المقصود بذلك التأصيل والشرعنة، بحيث لا يمكن أحداً من المحافظين أو الأصوليين المجادلة في ذلك. فكتابُ المدينة معقودٌ بين المهاجرين والأنصار ويهود وربما بعض المشركين. وهذا يعني تعدديةً دينيةً واجتماعيةً وسياسية، ومساواةً في الحقوق والواجبات. وأنّ الدولة والكيان السياسي لا يقومان على الدين، بل على العقد الاجتماعي والسياسي بين أهل الموطن الواحد.
أما المادة الثانية فتركّز على الدولة الوطنية الدستورية، باعتبارها المكان والموضع الذي تُمارَسُ فيه مبادئ المواطنة والمساواة وحكم القانون. وهناك نقطتان يؤكد عليهما الإعلان: إدانة التصرفات التي تتعارض ومبدأ المواطنة، وهي الممارسات التي لا تقرها شريعة الإسلام. والنقطة الأخرى: إبراز التناقض بين مفهوم المواطنة وحقوق الأقليات وحمايتها. فمع المواطنة لا يصح أن تكون هناك أقليات في المجتمع لها حقوق خاصة. ومع تبني المظلوميات وحقوق الأقليات يتوزع الولاء، وتحدث التبعية للمشروعات الخارجية.
وفي البند الثالث يتصدى الإعلان لظواهر العنف والتطرف، وآثارها على المسلمين وعلى أبناء الديانات والثقافات الأُخرى مثل القتل والتهجير والاختطاف. ويعتبر أن الأديان منها براء، وأنه ينبغي أن يتعاون أهل الأديان لمكافحة تلك الظواهر المخيفة.
أما البند الرابع فيُعتبر نتيجةً للبند الثالث. إذ يصرح الإعلان بأنّ حماية المواطنين في حياتهم وحرياتهم وممتلكاتهم، هي الواجب الأول للدول الوطنية، ولا ينبغي أن يزاحمها في ذلك أحد. على أنّ الهيئات الدينية والثقافية والمعنيين بالشأن العام في الأوطان العربية كلها، يتحملون  مسؤولياتٍ كبرى في مساعدة الدول الوطنية لأنهم بذلك يساعدون أنفسهم ومجتمعاتهم وأديانهم: "إننا اليومَ مدعوون جميعاً بحكم الانتماء الواحد والمصير الواحد إلى التضامن.. فالمظالم مشتركة والمصالح مشتركة، وهي تقتضي عملاً مشتركاً..".
وجاء البند الخامس بمثابة استعراضٍ لجهود المراجعة والتواصل في الأعوام الماضية. ويقر الإعلان أنّ المراجعات لا بد أن تستمر من أجل التجديد والتطوير في ثقافتنا وممارسات مؤسساتنا. وقد ذكر الإعلان من ضمن جهات التواصل للتغيير الفاتيكان ومجلس الكنائس العالمي واسقفية كنتربري.
أما البند السادس والأخير فقد ركّز على الخلاصات والنتائج. فالغاية من وراء المؤتمر "التأسيس لشراكة متجددة أو عقدٍ مستأنف بين المواطنين العرب، مسلمين ومسيحيين.. يقوم على التفاهم والاعتراف المتبادل والمواطنة والحرية". والشراكة الكاملة التي يريدها الإعلان مَثَلُها ما ذكره رسول الله(ص) عن أهل السفينة الواحدة ذوي المصير الواحد:" نريد بالإرادة المشتركة وبالانتماء المشترك وبالمصير المشترك، أن نُسهم معاً عن طريق العمل الجادّ في إنقاذ مجتمعاتنا ودولنا، وتصحيح علاقاتنا بالعالم..".
إعلانُ الأزهر هو إعلانُ نوايا طيبة وإعلان تصميم على إنفاذ مقتضيات العيش المشترك بإحقاق المواطنة، والتضامن والتعاوُن والأخوة الوطنية والإنسانية. الآخرون يزعمون أنّ الأديان تفرّق، والأزهر والذين استجابوا لدعوته يريدون أن تكون الأديان جامعةً غير مفرِّقة. إنها لحظةٌ تاريخيةٌ خطيرةٌ وتستدعي مسؤوليات على الدين والدول. وها هو الإسلام بشخص مؤسسته الكبرى يستجيب، ولا بد أن تنهض الدولةُ الوطنية لتستلم الركن الآخر من رُكني الحرية والعيش المشترك، وهو ركن المواطنة والدولة القائمة عليها.

رضوان السيد



name country