header
استئناف الحضارة والفعل الحضاري

في جلسة نقاشٍ وأسئلة على هامش مؤتمر الحكومات تحدث سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن استئناف الحضارة العربية والإسلامية. والاستئناف وصْلٌ بعد انقطاع، وتجددٌ بعد جمود، وإنجازٌ بعد عجزٍ وفشل. وقد بدأ الاستئناف النهضوي " بقوة الاتحاد"، في دولة الإمارات في السبعينات. وما يزال يمضي قُدُماً باتجاه تحولٍ حضاريٍّ نوعي ناجم عن تراكم الإنجازات المستندة إلى ثلاثة عوامل يكاد يكون تأثيرها في التكون الحضاري متساوياً: الإرادة والإدارة والإمكانيات.

هناك خلافٌ بين علماء الاجتماع والتاريخ بشأن التوحد أو الافتراق بين الحضارة والثقافة. والأكثرون على أنّ الحضارة تتناول البُنى المادية والرؤى والتصورات المحيطة بها؛ بينما تتناول الثقافة المسائل الفكرية والعقليات وطرائق رؤية الأشياء والحكم عليها.  وهذان المفردان المترابطان هما اللذان يسميهما ابن خلدون: العُمران. فالعمران البشري يشمل بالطبع الأبنية والمرافق والمساجد والأسواق والقوافل التجارية نمطاً ومساراً – كما يشمل وسائل المعاش والكسب وترتيبات العيش وطرائق التصرف. فالجوانب الأولى أميل إلى أن تكونَ نمطاً ينطبق عليه مفهوم الحضارة. والجوانب الثانية أقرب إلى أن تكونَ ارتسامات ومعالم ثقافية، أو أنها هي الثقافة المحيطة بالعمران والمتجاوبة أو المتلائمة معه. وهذا معنى قول الشيخ محمد ابن راشد إنّ استئناف العقل الحضاري يعتمد على تبين ملامح المستقبل أي الوعي المتجدد أو الرؤية الجديدة للعالم.
في القرن الخامس الهجري/الثاني عشر الميلادي، وقد بلغت الحضارة الإسلامية إحدى ذُراها، نشب صراعٌ بين الفقهاء والمفكرين ورجالات الدولة حول بُنى الشرعية، وأثر السياسة فيها. كانت السلطنة السلجوقية قد ظهرت، وضعُف شأنُ الخلافة، بحيث تساءل الناس عن "شرعية" المؤسستين القديمة والجديدة للانقطاع الذي حدث في الشرعية التاريخية ( الخلافة) وطرائق ممارسة السلطة في زمن السلاطين. الفقيه ابن عقيل الحنبلي (-513هـ) رأى (ووافقه ابن تيمية من بعد) ضرورة العودة في بحث مسألة الشرعية ليس إلى التاريخ، بل إلى مهام السلطة، أي سلطة، ووظائفها. وهي بحسب نص  القرآن أمران رئيسيان: { إنّ الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإ ذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}.  والأمانات بحسب الفقيهين هي الولايات  أو إدارة الشأن العام. ولذلك فإنّ نصف رسالة ابن تيمية في "السياسة الشرعية" هي في الولايات، وحُسْن اختيار الموظفين العاملين في إدارة الشأن العام. والغرضُ أو الهدف من وراء إدارة الشأن العام أو حُسْن الولاية هو: تحقيق المصالح العامة.  وقد رأى سمو الشيخ محمد بن زايد في العمل على تطوير الإدارة الحكومية أساساً لاستقرار المجتمعات. ولذلك فإنّ السياسة العادلة هي "ما كان فعلاً يكون معه حالُ الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد". فكل سلطةٍ تسعى بحق لتحقيق المصالح العامة وإقرار العدالة للأفراد هي سلطةٌ شرعية، لأنه "حيثما تكونُ المصلحةُ فَثَمَّ شرعُ الله" بحسب ابن عقيل.
لدينا إذن عنصران أساسيان في القرار السياسي والفعل السياسي وهما: الإرادة الواعية ومقاصدها وغاياتها، والإدارة، أو تجليات تلك الإرادة في التطبيق وفتح الأُفق. وعندما تتراكم إنجازات الفعل السياسي، أو الإدارة السياسية، تصبح أو تتحول إلى فعلٍ حضاري، لأنها تصبح إعماراً وعمراناً بمقتضى الإرادة الواعية والمقاصد المتوخَّاة التي تنفتح كل يومٍ على أفكارٍ ومبادراتٍ جديدة نتيجة التجاوب الشعبي والإعداد والاستعداد. إنه ليبلُغُ من أهمية وإسهام الإرادة السياسية في الفعل الحضاري، أنه بالانصراف إلى بناء المواطن في التعليم و السكن والصحة والعمل وتعديد الانتظارات والتوقعات، تتصاعد الحركيات الواعية للجمهور ليس استجابةً فقط؛ بل ومن أجل الإسهام والتلاقي على إبداعاتٍ ومبادراتٍ ووجوه تبصُّرٍ وتحولٍ سلِسٍ ونوعي.
ولا بد من كلمتين أو خاطرتين أخيرتين، إحداهما عن الإمكانيات،  والأخرى عن تأثير الفعل الحضاري الإماراتي على العالم العربي. الإمكانيات ليست عيباً بل هي ميزةٌ إذا أُحسن استخدامُها. وهناك استخدامٌ حسنٌ للموارد والإمكانيات في دول مجلس التعاون يبلُغُ ذروته في دولة الإمارات. فإذا توافرت الإمكانيات  والإدارة الحسنة؛ فإنّ ذلك أدعى إلى السرعة في تحوّل الفعل السياسي إلى نهوضٍ حضاري. إنما من جهةٍ أُخرى نحن نعلم أنّ سنغافورة الصغيرة وهونغ كونغ الصغيرة، بنجاحهما في الإرادة والإدارة، استطاعتا أن تحملا الصين نفسها على الراحات(!). ولذا ليس غريباً أن يتمكن النهوض الإماراتي من إحداث تأثيرٍ نوعيٍّ في العالم العربي، في المرحلة الحاضرة والآتية.

radwansayyed@gmail.com
www.ridwanalsayyid.com
جريدة الاتحاد في صفحة وجهات نظريوم الأحد 19/2/2017

name country