header
تركيا والحشد الشعبي والموصل

تصاعدت وتيرة التصريحات العنيفة المتبادلة بين تركيا والعراق، على مشارف معركة الموصل لتحريرها من داعش. فلتركيا معسكر بشرق الموصل في بلدة بعشيقة، تستخدمه القوات التركية منذ أيام صدام حسين لملاحقة مسلَّحي حزب العمال الكردستاني. وفي السنوات الأخيرة، وبالتنسيق مع أكراد البارزاني زادت تركيا من وجودها في المعسكر بحيث بلغ 350 جندياً مزوَّدين بالسلاح الثقيل، وبمعاونة أثيل النجيفي محافظ الموصل المطرود من جانب رئيس الوزراء العراقي، أنشأت "الحشد الوطني" الذي يتكون من أهل الموصل وقراها، وتعداده حوالى الخمسة الآلاف.
قبل حوالي السنة بدأ العبادي يُظهر تذمراً من وجود الأتراك بالعراق. والأتراك يقولون تارةً إنهم هناك بعلم وزارة الدفاع العراقية، وطوراً يقولون إنهم هناك بالتنسيق مع البارزاني. وعندما تصاعد الجدال وصار علنياً، وشكى العراق للاُمم المتحدة، قال الأميركيون إنّ تركيا ما كنات جزءًا من التحالف الدولي، ولن يشارك في معركة استعادة الموصل إلى جانب الجيش العراقي والبيشمركه غير قوات التحالف الدولي.
عند تركيا أسبابٌ ظاهرة وأُخرى خفية للبقاء على مشارف الموصل. فقد صارت لقوات حزب العمال الكردستاني قواعد بسنجار موصولة بسورية، وبسيطرة القوات العراقية(الشيعية بالحشد الشعبي وبدون الحشد الشعبي)، سيكون لمقاتلي الكردستاني منفذ طويل وفاعل بين سورية وسنجار والموصل وتركيا. أما السبب الثاني للحرص التركي فهو الحفاظ على الأقلية التركمانية في الموصل وتلعفر. وتركيا متأكدة أنه سيحصل تهجير بحدود المليون من الموصل وبينهم التركمان، ولن يعودوا إلى ديارهم، فيحدث تغيير ديموغرافي طائفي وإثني يتهدد العرب السنة والتركمان. والطريف أنّ التركمان الشيعة والشبك (وهم طائفة شيعية متطرفة بتلعفر) دأبوا في الشهور الأخيرة على إصدار بيانات ضد تركيا واحتلالها لبعشيقة!
موقف تركيا في العراق ضعيف، بخلاف موقفها في سورية. ففي العراق لا تحظى بموافقة الحكومة العراقية الحالية. ولا يريد الإيرانيون أن تشاركهم تركيا في العراق، كما تشاركهم الآن وغصباً عنهم في سورية. وفي سورية قوي موقف الاتراك بدخولهم  على خط  التنافس الروسي- الأميركي بحيث أجاز لهم الأميركيون دخول الأرض السورية خوفاً من أن يدخلوا من طريق الروس(!). ثم إنه ما كان يمكن سد طريق داعش من تركيا إلا بالاستيلاء على عشرات القرى التي كان يحتلها داعش على الحدود مع تركيا. وإلى ذلك، ما كان يمكن أن يعهد الأميركان للأكراد باحتلال كل المناطق بشرق الفرات وغربه ومنها الحسكة والرقة، وسكانها من العرب، الذين درجواعلى تهجيرهم من المناطق التي استولوا عليها من داعش. ويزيد عدد اللاجئين السوريين في تركيا لأكثر من ثلاثة ملايين. وقد صار من مصلحة دول الاتحاد الاوروبي أيضاً أن يتكون الملاذ الآمن أخيراً داخل الحدود السورية لتركيز مليوني لاجئ في تلك المناطق التي تحاول تركيا مع معاونيها من العرب استردادها من داعش بدءًا بجرابلس و انتهاءً بالباب.
لقد عرف التنافس الإيراني- التركي على العراق وسورية، خلال السنوات الخمس الماضية فصولاً عديدة. وكانت لإيران ميزات في العلاقة، وهي تحالفها مع الحكومتين العراقية والسورية. إنما كان الثابت أنّ معاونة الأكراد أو التواصل معهم خط أحمر، باعتبار أنهم يشكلون خطراً على الطرفين. لكنْ حتى نقطة التوافُق هذه  تخلخلت عندما قام الجنرال سليماني بمساعدة حزب العمال الكردستاني في تحرير عين العرب(كوباني) من داعش. ومنذ ظهور داعش ظهرت نقاط  كثيرةٌ للخلاف. ومنها النقطة الأهم: إيران تريد شراكةً في سورية. وقد حصل ذلك، إلى درحةٍ كبيرة وسيطرت على قرارات النظام، ثم تعاونت مع روسيا عندما تبين لها أنه لا يمكن أخذ حلب إلاّ بالطيران. أما الروس فصاروا حذِرين بعد مضي عام على التدخل، دون أن يعني ذلك انهيار المعارضة. وهكذا فإنّ تركيا في شمال سورية هي محلّ تقدير أميركي- روسي، ومؤقتاً لحين تتضح حدود توسع إيران وطموحاتها. فتركيا الآن(وإن لم تقل) تعتبر نفسها حاميةً للسنة، وتتقرب لبعض العرب بالقول إنها حاميةٌ للعرب أيضاً! ولإيران بالطبع حدود مع العراق، وهي مسيطرة بالداخل، وتريد مثل الأكراد خطاً مستقلاً: إيران - العراق- شمال سورية- لبنان. والوحود التركي بشمال سورية يزعج إيران كثيراً، كما يزعجها بالطبع الوجود التركي بالعراق وإن كان ضعيفاً.
ليس واضحاً كيف ينتهي الأمر في معركة الموصل. فقد كان المأمول أن تسيطر أميركا على الأجواء والأرض فلا تتدخل تركيا ولا إيران، ولا يحصل ما حصل بالفلوجة والرمادي. لكن ذلك لم يحصل حتى الآن. فالحشد الشعبي يعتزم المشاركة، وقد بدأ بالسيطرة على بعض القرى والبلدات، ونهب مصفاة بيجي وسلّم المعدات لإيران! ومعروفٌ عنه  القتل والتهجير، وأنّ سليماني قائده. إنّ المؤسف أن يعمل العراقيون عند الإيرانيين، وأن يلجأ السنة العرب إلى تركيا للحماية من الذبح والتهجير. فيا للعرب!  
radwansayyed@gmail.com
www.ridwanalsayyid.com
جريدة الاتحاد في صفحة وجهات نظر يوم الأحد16/10/2016




name country