header
جورج خضر وزمن الوعد والأمل
عرفتْ المطران جورج خضر وتابعتُه عن كثبٍ منذ أواخر السبعينات، سواء في كتاباته، أو في العلاقة الشخصية به ومعه. وبالنظر لشخصيته الغنية والفارهة من كل النواحي؛ فسوف أُحاولُ بلوغَ شيئٍ من الإحاطة بجوانب هذه الشخصية الكبيرة من خلال أربع أو خمس وقائع خلال ثلاثين عاماً من العلاقة والاهتمام.
كنتُ معه عام 1986 نحضر مؤتمراً مسيحياً- إسلامياً في فيينا بدعوةٍ من مطرانها الشهير شونبرغ Schöneberg  وفي اليوم الأول قام عالِمٌ مسلمٌ بارز من مصر، وألقى محاضرةً عن الجهاد زعم فيها أنّ الجهاد ما قُصد به في القرآن ولا مرة الصراعُ والقتال!  فالتفت إليّ المطران جورج خضر غاضباً وقال: أيظن هذا الرجل أنّ الحاضرين من الأوروبيين سيصُدِّقونه؟ّ طبعاً لا. ومن جهةٍ أُخرى: هل الأمر بحدّ ذاته صحيح؟ كلٌّ من الحاضرين يعرف عشرات الآيات التي تقول بالجهاد لردّ الاعتداء على الأقلّ، ألم يكن بوسعه أن يقول كما قال عشراتٌ من الشيوخ الكبار بالأزهر وخارجه إنّ الجهاد دفاعي فقط، أما الأزمنة الكلاسيكية فهي أزمنةٌ إمبراطورية عند سائر الأطراف، وفي المسيحية قبل الإسلام! وسأعودُ  إلى هذه النقطة لعرض وجهة نظر المطران خضر في تطورات المشهدين الإسلامي والأرثوذكسي في الأزمنة المعاصرة.
أمّا الواقعة الثانية فتتعلق بالوحدة المسيحية المسكونية، التي تُطرحُ مع مجيء كلِّ بابا جديد. وقد طُرحت بقوةٍ إلى أواخر أيام البابا يوحنا بولس الثاني، وتجددت أيام بنديكتوس السادس عشر، وهي جاريةٌ بقوةٍ في عهد البابا الحالي فرنسيس الأول. كنتُ أتناقشُ مع المطران خضر في الخلافات اللاهوتية بين الأرثوذكس والكاثوليك، في المشيئة والإرادة، والأقانيم، وقانون الإيمان، والفوارق بين"الفرق الثلاث" كما سمّاهم أبو عيسى الورّاق وسمّاهم فيما بعد إنما بمعنىً آخر ابن كمونة. والمطران خضر كما هو معروفٌ عالمُ لاهوتٍ كبير، بل ربـما كان أعلمَ الأحيـاء - أطال الله عُمُـرَه- باللاهوتيـات في المسيحـية والإسـلام. لا يستـخفُّ المطران بالخلافات اللاهوتية، وهي التي فرّقت بين المسيحييـن رغم المجامع بـل ربما بسبـب المجامع على مدى عدة قرون؛ لكنه يعتبر سبب فساد العلائق مع الكاثوليك أنها كانت على الدوام قائمةً على الغَلَبة. وهو الأمر نفسُه في الأزمنة الكلاسيكية مع المسلمين. وهو يمثِّل لذلك باتفاق العام 1054 بين الطرفين، والذي خضع فيه الإمبراطور البيزنطي لطلبات البابوية، ثم لم يلق المساعدة المرجوة؛ بل إنّ الفرسان الصليبيين الذين أتوا إلى الشرق في القرن الثاني عشر سُرعان ما احتلوا القسطنطينية التي دخلوها من ضمن اتفاقٍ لدعمهم في غزواتهم للمشرق. وفي القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ما اكتسح الكاثوليك والبروتسانت المسيحية السريانية فقط، بل واكتسحوا المسيحية الأرثوذكسية. لقد خذلت أوروبا الكاثوليكية أرثوذكس الدولة البيزنطية، ثم عملت عليهم أيضاً من منطلق الغَلَبة في زمان نهوض اوروبا الاستعمارية.
المشهد الثالثُ أو الواقعةُ الثالثة تتعلقُ بفهم المطران لجمهور المسلمين سنةً وشيعةً وطرائق تصرفهم. فعندما كانت الشعبويةُ الحريرية في ذروتها كما بدت في زيارةٍ للرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى البقاع في التسعينات، قال لي المطران خضر: أما السنة فيسيطر عوامُّهم على زعمائهم، وأمّا الشيعة فيسيطر الزعماءُ  على العامة! وقلتُ له ضاحكاً: ظننتُ أنك ستقول العكس عن السنة باعتبار ولائهم للحريري الآن، فقال: لا، إنّ عامة السنة (وليس وجهاءهم) يملكون وعياً مختلفاً بمن يصلُحُ من الزعماء، وهم يغيّرونه عندما يعتبرون أنّ زعيمهم أو زعماءهم خذلوهُم. وقد يكونُ انصرافُهم احتجاجياً، لكنه قد يكونُ استراتيجياً فلا يعودون، وهم الآن مع الحريري عن اقتناع.
أمّا المشهد الرابعُ والأخير فيتصل بالمشهد الثالث بشكلٍ من الأشكال، لأنه عن طرابلس بالأمس واليوم والغد. فالمطران ابن طرابلس بالنشأة والتربية والتكوين. وهو يملكُ ذاكرةً  حيةً عن حميمية العيش بتلك المدينة العريقة، وليس مع الوجهاء وفي الأحياء الراقية فقط، بل ومع العامة. هو يعتبر أنّ طرابلس حتى قبل خمسين عاماً هي المدينةُ حقاً ليس في لبنان فقط، بل على الساحل الشامي كلّه.
لقد اعتبرتُ هذه المشاهد أو الوقائع أبعاداً للشخصية الشاسعة للمطران خضر، وقد ظلمتُهُ بذلك كثيراً، فأين هو موقعُهُ أو مواقعُهُ في المجال الفكري والثقافي، وفي مجال العلاقة بالشباب؛ إذ لا ينبغي أن ننسى أنه في طليعة مؤسِّسي الشبيبة الأرثوذكسية، وما انقطعت علاقاتُه ووجوهُ تواصله وإسهامه مع الأجواء الثقافية والفكرية في لبنان والعالم العربي والعالم. وقد لا يكونُ هذا الحفل ملائماً لدراسة أعماله في الفلسفة، وتجديداته في اللاهوت ونظراته في مشكلات المسيحية الأرثوذكسية والإسلام في الأزمنة الحديثة والمعاصرة. وأرى أنّ كثيرين ومنهم أنا كتبنا وسنكتب عن المطران جورج خضر ورُصَفائه ممثلي زمن الوعد والأمل فيما بين الستينات والتسعينات من القرن الماضي. ولأنّ الأمل لم ينقضِ وإن انطوى الوعد، فسأُحاولُ أن أقرأ بعض رؤى المطران الحبيب في مشكلات الإسلام، ومشكلات المسيحية الأُرثوذكسية.
يرى المطران أنّ الإسلام كلَّه يمر بأزمنةٍ صعبة، ولسببين: خيبةُ آمال العامة بالدولة الوطنية العربية والإسلامية، وظهور الفكر المتشدد الذي قاد فئاتٍ من الشبان إلى الاصطدام بمحيطهم وبالعالم. وهناك داءٌ ثالثٌ يعتبره المطران خضر ناجماً عن الداءين الأولين، وهو قوةُ فكرة الدولة الدينية في أَوساط المسلمين، وهو داءٌ عياءٌ أفظعُ من الداءين الأولين. لأنه إذاداخلت الطموحاتُ السياسيةُ الدين أوشك أن يهلك، كما كادت الكنيسة الكاثوليكية أن تهلك تحت وطأة الطموحات السياسية للفاتيكان والبابوات في العصور الوسطى وعلى مشارف الأزمنة الحديثة.
إنّ المطران وهويقرأُ هذه الوقائع والتطورات في التفكير الإسلامي، لا يتجاهل الضغوطات والاستنزافات الهائلة التي تعرض لها العرب والمسلمون ويتعرضون، وهو الأمر نفسه الذي حدث في العقود الأخيرة في المسيحية الأرثوذكسية. فكيف تتسع وتُصغي لنداءات التقارب من هنا وهناك، وما تزال ديارها تحت وطأة التبشير. وأُضيف لذلك تعرض مواطن رئيسية عريقة للأرثوذكسية للخطر بفعل تفكك يوغوسلافيا، وضعف روسيا الأرثوذكسية بعد انتهاء الحرب الباردة في عقد التسعينات. وإذا كان الاستنزاف الهائل الذي تعرض له المسلمون قد ولّد الأصوليات المتشددة وما يزال، ودعم فكرة الدولة الدينية على المثال الإيراني؛ فإنّ الاستنزاف الأرثوذكسي مضى في مواطن كثرته باتجاهٍ آخر، هو الالتصاق بالقومية السلافية، أمّا في مواطن القلة والتوزع فقد اعتصم بالمحليات الانفصالية المتصاغرة دونما أُفقٍ حقيقي.
قال لي المطران قبل سنوات طويلة عندما كنا نتحدث عن النهضة العربية التي قادها الأرثوذكس من فلسطين ولبنان وسورية ومصر: هذا الزمن الذي تتحدث عنه هو زمنُ الوعد والأمل، وقد انطوى الوعد لكنّ الأمل لا ينقضي، ففي القرآن: إنه لا ييأسُ من رَوح الله إلاّ القومُ الكافرون. قُصارانا الآن أن نتعايش، وأن نتقي الشر والضرر، لا تظن أنّ حُلُم طرابلس قد صار ماضياً عندي، علينا أن نناضل كلٌّ في مجاله وبقدر ما يستطيع لإبقاء الحُلُم مأمولاً، والأمل حياً.
أيها السادة الأفاضل، أيها الإخوة
لقد تحدثت عن المطران وفكره ورؤاه في زمن الوعد والأمل، وزمن المِحَن والتجارب. لكنني ما تحدثتُ عنه شخصياً وهو الشخصية الأبوية المحبّة، الوفي للأصدقاء، الحبيب إلى المريدين، الغفور للخصوم، العامل منذ نذر نفسه للكهنوت في خدمة الرعية والأمة. مزحتُ معه مرةً فقلتُ وأنا أُلاحظ إقبال السيدات عليه في احتفال: لك شعبيةً عند النساء، فقال دون أن يبتسم: وعند الرجال أيضاً، ألا تحبني؟ فدمعت عيناي.
لكَ أيها الأبُ الجليلُ في هذه العشية من عشيات شيخوختك المباركة، والتي تشبه عشيات جورجي زيدان وأمين نخلة والياس الرابع، خالص التقدير والمودة والاعتبار من أبناء جيلين من أجيال اللبنانيين والعرب، اعتبروك رائداً في السيرة وفي الفكر وفي العمل. أنت الباقي من زمن الوعد والأمل، وعملك هو الأملُ في التجدد والنهوض، لكي تكونَ لنا- كما قال القديس بولس- لكي تكونَ لنا حياة، وتكونَ حياةً أفضل.

----------
(*) كلمة أُلقيت في اليونيسكو في احتفالية للمطران جورج خضر دعا إليها "ملتقى الأديان والثقافات" بتاريخ 31/5/2016.
name country