header
آثار رؤية راشد الغنوشي في الإسلام المعاصر

لستُ هنا في معرض قراءة الآثار السياسية لرؤية راشد الغنوشي في فصل الدعوي عن السياسي في العمل السياسي. فقد صدرت تأويلاتٌ وتفسيراتٌ كثيرة من بينها القول إنه يمهّد بذلك للترشح لرئاسة الجمهورية في تونس. وهذا من حقّه كما من حقّ كل تونسي يرى نفسه مؤهَّلاً لذلك. إنّ موضوع قراءتي هنا هو طبيعة ظاهرة الإسلام السياسي الذي ظهر خلال العقود الماضية، واستطاع تحقيق اختراقات بعد اندلاع ما صار يُعرفُ بالربيع العربي.
كنتُ منذ البداية ضدّ الإسلام السياسي هذا، وليس بسبب تأثيراته السلبية على إدارة الدولة على وجه الخصوص، بل بسبب تأثيراته السلبية على الدين. ومنذ الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي( للنظر في كتابي: الإسلام المعاصر، 1987، والآخر: سياسيات الإسلام المعاصر، 1997). لماذا كنتُ وما أزال ضد الإسلام السياسي؟ لأنّ أطرووحته الأساسية أنّ "الإسلام دينٌ ودولة، مصحفٌ وسيف" منذ قال بها حسن البنا. وقد بُذلت جهودٌ كثيرة شارك فيها مفكرون وقانونيون مصريون كبار، وتبعهم سوريون وباكستانيون ومن تابعياتٍ أُخرى. فقد انصبّت الجهود منذ أُطروحة عبد الرزاق السنهوري (1926) عن الخلافة على تحويل ميراث الفقه الإسلامي، ثم ما سمَّوه الشريعة، إلى نظام قانوني يسود في الدول الوطنية الجديدة. أما رئاسة الدولة فتبقى حُرّة وبالانتخاب باعتبار أنّ الإسلام السني يقول بالاختيار في الإمامة، ويتلاءم مع نظام العالم الحديث، حيث الدول غير دينية. هذه الفكرة أعطاها كلٌّ من المودودي الهندي/ الباكستاني طابعها السياسي، إضافةً إلى عبد القادر عودةه في كتبه: الفقه الجنائي، والإسلام وأوضاعنا القانونية، والإسلام وأوضاعنا السياسية. ولذا فإنه ومنذ أواسط الخمسينات بدأ الحديث يتحول عن "تقنين الفقه" إلى تطبيق الشريعة، مع أنّ الشريعة هي الدين، ومعنى الدعوة لتطبيقها أنّ الإسلام غير مطبق في مجتمعاته التاريخية بسبب تحريفات واستيلاءات الاستعمار والحداثة. ومعنى ذلك أيضاً وضع الشريعة أو الدين في مواجهة المجتمعات بدلاً من أن تكون في حضنها. ومع اصطدام الحركات الإسلامية بالأنظمة السياسية القومية في العالمين العربي والإسلامي، صارت تلك الحركات أولاً تطلب من الأنظمة تطبيق الشريعة من أجل الاعتراف بها واستعادة الشرعية (مثل الترابي مع النميري، ومثل اقتراح الأزهر على البرلمان المصري مشروعاً لتطبيق الشريعة في الثمانينات). ثم مع تبلْور رؤية الحاكمية المودودية والقطبية، صار تطبيق الشريعة غيرممكنٍ إلاّ بوصول حزب إسلامي للسلطة، باعتبار حصرية الرؤية الحاكمية في المحازبين.
لقد أنذر بذلك كلّه بدء حركات التمرد المسلح بالدواخل العربية والإسلامية في السبعينات والثمانينات. وهي حركاتٌ "جهادية" تريد إقامة الدولة الإسلامية التي تطبّق الشريعة بالقوة، وتارةً بشكلٍ مباشر، وطوراً بشكل غير مباشر من طريق "الجهاد البعيد" أي هدم نظام العالم، المسؤول عن "الجاهلية المعاصرة"!
وراشد الغنوشي مثل الإسلاميين الآخرين من تيارات الإسلام السياسي وليس الجهادي، بحث منذ الثمانينات من القرن الماضي عن الملاءمة أوالتلاؤم. بمعنى القول بما سمّاه ديمقراطية إسلامية، يقوم تمايُزُها عن الديمقراطيات المعاصرة ليس في الآليات والإجراءات، بل باعتبار أنّ الإسلام هو مرجعيتها العليا. ووقتها اعتبر كثيرون ذلك من ضمن مساعي وجهود" ترشيد الصحوة"، ومن ضمن مساعي وجهود الحصول على الشرعنة بالدواخل، وإرضاء الديمقراطيات الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة، بالدخول مع الأنظمة والدوليين في محادثات أو مفاوضات.
وقد كنتُ أرى بحكم التخصص والمتابعة منذ المؤتمر القومي- الإسلامي بمصر عام 1989، أنّ التلاؤم غير ممكن، إلاّ بالتخلّي المبدئي عن مسألة تطبيق الشريعة، وأنّ الإسلام هو الحل أو حتمية الحلّ الإسلامي. وقد سخر مني وقتها د. عصام العريان (وأظن عبد المنعم أبو الفتوح) اللذان قالا: إذا كنتَ تعتبرنا حركات هوية متشددة، فكيف تريدنا التخلّي عن مميزنا ومناط وجودنا؟! وأجبت: أريد أن تكونوا مثل الأحزاب الديمقراطية المسيحية في أوروبا بعد الحرب الثانية وإلى اليوم. وقالوا: لكنّ أساتذةً قانونيين كباراً مثل أحمد كمال أبو المجد وطارق البشري ومحمد سليم العوا، يقولون إنّ تطبيق الشريعة لا يناقض إقامة الدولة المدنية. وقلت: لستُ أتحدث هنا عن تأثير مقولة تطبيق الشريعة على الدولة، بل على الدين. أظن أنّ القوميين الحاضرين لن يخالفوكم في المسألة؛ فهم يريدون التحالُف معكم باعتبار قوتكم الشعبية، وإلى أن يؤونَ الأوان تكون قد جرت في النهر مياهٌ كثيرة. همي هنا التأثيرات السلبية على الدين، من طريق استغلاله وإدخاله في عمليات الصراع على السلطة. إذ لن يقف في وجهكم النظام وقواه فقط، بل الفئات الاجتماعية التي استكانت إلى  الحداثة أيضاً. وستظهر أحزاب إسلامية أُخرى على يمينكم تكون أكثر تشدداً منكم، وتملك برامج شعائرية لتطبيق الشريعة تجتذب العامة أيضاً، فيصبح الدين نفسه موضع نزاع. ثم أين هو "النظام الكامل" الذي تدعوننا إليه؟ هل تصدقون بالفعل أنّ البنوك اللاربوية تحل المشكل الاقتصادي؟ وكيف سيرى أنصاركم الفارق بينكم وبين الآخرين في المسألة عندما تصلون للسلطة، ما دمتم تقولون الآن إنّ تسعين بالمائة من القوانين بمصر لا تُخالف الشريعة؟!
المهمُّ أنّ الأميركيين والأوروبيين دخلوا منذ التسعينات في أحاديث مع الإخوان في مصر وغيرها. وكانوا يقولون لنا بعد هجمة القاعدة على الولايات المتحدة عام 2001: لا يمكن مواجهة القاعدة والإرهاب مع أنظمة ضعيفة الشرعية، والإخوان متجهون للدقرطة، ويستطيعون استيعاب الجهاديين!
راشد الغنوشي تابع هذه الأجواء كلَّها من منفاه ببريطانيا التي قضى فيها زُهاء العشرين عاماً. وكان يتعرض بالطبع للضغوطات والتجاذُبات نتيجة اضطهاد محازبيه بتونس، ونتيجة اضطراره لعلاقات مع جهاتٍ متشددةٍ مثل القرضاوي، والنظام الإيراني، وتنسيقه مع دولية الإخوان المسلمين. لكنه بخلافهم جميعاً ما اعتبر حركات الربيع العربي حركاتٍ إسلامية. وقد تحرر تماماً ودخل في تفاصيل الحياتين الحزبية والسياسية بالبلاد منذ عودته عام 2011. ومنذ ذلك الحين ما تحدث عن حتمية الحلّ الإسلامي، ولا عن المفاصلة الترابية والمصرية، ولا عن الشرعية والشريعة.  وبخلاف تجربة إخوان مصر، أبى تماماً الالنفراد بالسلطة. وعندما ربح حزب نداء تونس الانتخابات ورئاسة الجمهورية قال لي أحد متشددي حركة النهضة: خطأ الشيخ راشد والذي أفقده الأكثرية هو تخلّيه عن نقاط أساسية في البرنامج الإسلامي للحركة! وقلتُ له: دائماً كنتم متمايزين، ولو صرتم متشددين لأصابكم ما أصاب إخوان مصر!
لا أعرف يقيناً إذا كان الغنوشي يعتبر خطوته الأخيرة التي لها سوابق تكتيكات أو استراتيجيات. وبالطبع فإنّ الخطوة ليست كافية (الحديث عن الفصل ثم عن التخصص!). لكنها تبقى أساسية إن جرت متابعتُها في تونس وخارجها، لإخراج الدين من التجاذُبات السياسية، والعمل على إقامة أنظمة الحكم الصالح والرشيد، بعيداً عن الديكتاتوريات العسكرية والأمنية والأنظمة الأصولية القاتلة.

جريدة الحياة في الصفحة الثقافية يوم السبت 25/5/2016


name country