header
"المقاصد" ومدنية التعليم والحريات الدينية
تحلُّ مئويةُ جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا في ظروفٍ صعبةٍ وغير واعدة لا في لبنان ولا في دول الجوار العربية. والإقرار بذلك لا يعني الياس ولا التردد. وإنما هو التشخيص السليم الذي يدفع باتجاه التصدي للمشكلات ومعالجتها. وأولُ ما يُعينُ على ذلك العودةُ للأُصول والثوابت، وهي أصولُ جمعية المقاصد وثوابتُها. فقد سمَّى مؤسِّسو هذه الجمعية التربوية عملهم بهذا الاسم، أي المقاصد استلهاماً للتجربة الإسلامية العريقة في فقه الدين. إذ إنّ علماء أُصول الفقه اعتبروا أنّ كلَّ الأديان، ومنها دين الإسلام، إنما أُنزلت لحفظ خمس ضرورياتٍ لبقاء الإنسان وازدهاره وهي: حق الحياة، وحق العقل، وحق الدين، وحق النسْل، وحق المِلْك. ولأنّ وسائل حفظ هذه الحقوق والمصالح الضرورية للإنسان، تتنوع من زمنٍ لزمن، ومن مكانٍ لمكان، ومن ظرفٍ لظرف؛ فإنّ هذه الأصول التي سمَّوها "مقاصد الشريعة الكبرى" تُتيحُ للمسلم أن يُطوِّر في المسائل التي تُعينُ في الزمن الجديد على حفظ الأنفس والأعراض والممتلكات والمصالح العامة للمجتمعات والدول بوسائل ومؤسسات جديدة. ولذلك فإن مسلمي القرن التاسع عشر، وليس في مدن الساحل الشامي فقط؛ بل وفي القدس وبغداد والقاهرة، سمَّوا مؤسساتٍ تعليمية وصحية واقتصادية متنوعة: جمعيات المقاصد.
إستخدم فقه الدين الجديد فكرة المقاصد إذن  من أجل التجديد وإيجاد المؤسسات الجديدة في الظروف المتغيرة التي تعرضت فيها مجتمعات المسلمين ودولهم للأخطار، نتيجة الاستعمار، ونتيجة الحداثة، وظهور نظام جديد للعالم. قال خير الدين التونسي الوزير الأول بتونس، والذي صار صدراً أعظَم بالدولة العثمانية باسطنبول: إنّ التقدم الأوروبيَّ قد طما سيلُهُ في الأرض،  ولا بُدَّ من استخدام وسائل جديدة وملائمة لاستيعاب هذا السيل ودفْعه، والمقاصد الشرعية تُتيحُ إيجاد المؤسسات الجديدة القادرة مثل الدستور، ومجالس النواب، والحكومة المسؤولة، والتعليم العام، والرعاية الصحية العامة، والجيش المكوَّن من مُواطنين لحماية البلاد من الخارج، وصَون الأمن العام بالداخل.
إلى هذا الحدّ، اعبتر كبار المسلمين ببيروت وصيدا الوضْعَ مهدِّداً إن جرى الإصرار  على نظام التعليم التقليدي. ولذلك أنشأوا جمعيتي المقاصد في بيروت وصيدا على هذا التأسيس، لإيجاد نظامٍ تعليميٍ مدنيٍّ يفيد من المنجرات الحديثة. ما كان التعليم القديم مموَّلاً من الدولة، بل من الأوقاف التي يرصدها المجتمع. وقد بدأت الدول في القرن التاسع عشر تموِّل فقط المدارس العسكرية. وفي الوقت الذي بدأ فيه الإصلاحيون يدعون لإنشاء تعليم وطني عام، نهض كبار بيروت وصيدا للإسهام في إنشاء تعليم حديث بأوقافٍ أسهم فيها رجالات المجتمع. وكان  البيروتيون والصيداويون سبّاقين إلى ذلك ليس في بلاد الشام فقط؛ بل في سائر أنحاء العالم الإسلامي.
ما علاقةُ هذا كلّه بإعلان بيروت للحريات الدينية، والذي أصدرته جمعية المقاصد في بيروت، في رمضانَ الماضي، في عامها السابع والثلاثين بعد المائة؟ العلاقةُ واضحة. فتأسيسُ المقاصد جاء استجابةً لتحديات الحداثة في التعليم والصحة والمرافق العامة الأُخرى. فكان أقرب للاستجابة للتحدي الحضاري. بل  إنّ بيان المقاصد الأول في بيروت والمسمَّى بالفجر الصادق، ذكر ذلك عندما قال إنّ  متغيرات العالم تقتضي ذلك، وإنّ الرُصفاء والرفقاء في الوطن- يقصد المسيحيين- انطلقوا في مجال التعليم الحديث اعتماداً على الإرساليات الأجنبية، وإن الوطنَ لا يحلِّقُ إلاّ بجناحين، ولذلك أردْنا أن يتقوى جناحُنا لننطلقَ معاً. التحدي إذن كان حضارياً واجتماعياً، وسيمسُّ بالطبع الهوية الدينية إذا تَفَاقَم. أمّا اليومَ فإنّ التحدي الذي نُواجهُهُ صار دينياً أو لَهُ جوانبُ دينيةٌ قويةٌ، وهناك تأثيراتٌ خارجيةٌ في ذلك، لكنه في الأساس منطلقٌ من داخلنا أو منفجرٌ في داخلنا العربي والإسلامي. فالحداثةُ غيَّرت نظام العيش في مجتمعاتنا، والإصلاحيون المُلائمون والمتلائمون والذين بادروا لإقامة مشروعاتٍ حديثة كثيرة منها  المقاصد، ما أمكن لهم إقامة فقهٍ جديدٍ للدين على أساس مقاصد الشريعة، وقاعدة  تغيير الأحكام بتغير الزمان، فَظَهَر إلى جانب المشروعات الإصلاحية، فقهٌ متشدِّدٌ للدين خائفٌ على الإسلام، وخائفٌ على الهوية، يُجافي المسلمين المختلفين معه في الرأي والتوجه، ويتنمَّر للآخر الديني والاجتماعي والثقافي والسياسي.
إننا نعلم جميعاً اليوم أنّ مشهدَ الإسلام مُقْبِضٌ في دياره، وفي العالم، بسبب التشدُّد اللاجئ للعنف، والمخرِّب للمجتمعات والدول، وللعيش المشترك الذي عرفه المسلمون قروناً وقروناً مع رُصَفائهم ومواطنيهم من المسيحيين الفئات الاجتماعية الأخرى. إنّ مؤسسات التعليم المستنير مثل المقاصد لا تستطيع مواجهة هذا التحدي وحدَها. لكنها كانت وما تزال مبادرةً كبرى للإصلاح والتقدم والتلاؤم مع العصر والعيش المشترك الوطني والقومي والعالمي. ولذلك كان من الملائم بل والضروري أن تُبادرَ المقاصدُ باعتبارها مبادرةً وطنيةً كبرى، إلى تأكيد إيمانها بالعيش المشترك، وبالدولة المدنية، واستنكارها لظواهر التشدد والغُلُوّ التي يأباها الدين، ويأباها العقل، وتأباها المصلحة، وتأباها إنسانيةُ الإنسان. ولذلك تضمَّن "إعلان بيروت للحريات الدينية" سبعة مبادئ أو نقاط:  
- حرية العقيدة والعبادة والتعليم. وفي هذه النقطة جرى استنكار انتهاك حقوق الجماعات المسيحية وحرياتها باسم الدين، وتجديد الالتزام بالعيش المشترك والمتنوع.

- والحقُّ في الحُرمة والكرامة. وفي هذه النقطة جرى استنكار التكفير والاعتداء على حرمات الناس وكراماتهم باسم الدين.

- والحقُّ في الاختلاف والتعدد. فقد قرر القرآن الكريم أنّ الناس مختلفون في الأشكال والألوان والطائبع والمصالح، لكنه دعاهم إلى التكامل والتعارُف لا إلى التنابُذ والتعادي.

- والحقُّ في المشاركة السياسية والاجتماعية. وعلى قدم المساواة استناداً إلى مبدأ المواطنة، ولأنّ الإسلام لا يفرض نظاماً معيناً للحكم بحسب وثيقة الأزهر الشريف، فنحن نقول بنظام الحكم المدني، والدولةُ المدنيةُ هي دولةُ مواطنين يتساوى رعاياها في الحقوق والواجبات.  

- والالتزام بالمواثيق العربية والدولة. فنحن جزءٌ من الأمة العربية في الهوية والانتماء. ونحن ملتزمون بالمواثيق العربية والدولية. وبالإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

- والالتزام بلبنان الوطن والدولة الواحدة والديمقراطية. وقد قال المسلمون اللبنانيون ذلك في الميثاق الوطني، وفي وثيقة الثوابت العشر الصادرة عن دار الفتوى عام 1983، وفي اتفاق الطائف. وقد خرَّجت مقاصد بيروت وصيدا عشرات المفكرين والسياسيين اللبنانيين الذين عملوا بجدٍ وإخلاصٍ من ضمن هذا الالتزام، واستُشهد عددٌ من كبارهم في سبيل ذلك.

- وفي النقطة السابعة والأخيرة أكّدت المقاصد على تقاليدها المنفتحة التي أرساها الآباءُ المؤسِّسون ومنها: حرية التعليم وتقدمه، واستنارة الدرس الديني والتربية الدينية، والتنشئة الوطنية والقومية السليمة.

كان التحدي الذي أطلق مبادرة المقاصد الأولى حضارياً وتعليمياً. ولدينا الآن تحدي التطرف والغلوّ في الدين، وتحدي تفكك الدول والمجتمعات تحت وطأة الاستبداد والهمجية والتدخلات الخارجية. ففي عيد مقاصد صيدا ، بما يمثله من استمراريةٍ قوية، يكونُ علينا، ومن شتى الجهات والبلدان إطلاق المبادرات المتعددة والمتكاملة لصون الدين من الانقسام، والدول والمجتمعات من التفكك، وصنع المستقبل الآخَر لأُمتنا وأوطانِنا، وإعطاء صورة مختلفة للعالم لا تقوم على الخوف أو التخويف. إنها أهدافٌ كبرى وصعبة. لكنْ كما كانت المقاصد خلال أكثر من قرن رافعة من روافع النهوض والتقدم والوطنية والازدهار؛ فإنها قياساً على هذا النجاح، يمكن أن تُسهم إسهاماتٍ متميزة في الحاضر والمستقبل.


صيدا في 18/4/2016

name country
تاريخ الاضافة 4/30/2017
الاسم: بشير أحمد
البلد: لبنان
عندما دخل الدين في السيطرة على السياسة و المجال العام في ايران منذ 1979 و باركه كثير من المثقفين و المفكرين و اعتباره ثورة شعبية اسلامية على الاستبداد و الحداثة و بالتالي نهضت المجموعات الموالية و المنتشرة في الدول العربية للوصول الى السلطة تحت نفس العناوين اضافة الى مقاومة المحتل الصهيوني ليأخذ شرعية الحماية للأمة. كان رد الفعل الطبيعي في مجتمعاتنا الخوف من هذا الصعود السياسي و كان الخوف تربة خصبةللتطرف و الغلو في الدين. مع كامل الاحترام و التقدير لإستاذنا الجليل.
تاريخ الاضافة 8/16/2016
الاسم: عبدالله محمد احمد على
البلد: السودان
شكر الدكتور على هذه الماده الدسمه التى تنتفع بها الشعوب فى الاستناره والوعى والمعرفه