header
تجديد الخطاب وتجديد التفكير في الدين
كنتُ في مصر خلال الأسبوع الماضي، وأهداني صديقي الدكتور نبيل عبد الفتاح كتابه الجديد: تجديد الفكر الديني. وبالطبع ما كانت تلك أول محاولةٍ له في هذا المجال، إضافةً إلى عشرات الكتب بنفس العنوان أو بعنوان مقارب منذ كتاب محمد  إقبال المشهور في عشرينات القرن العشرين بعنوان: تجديد التفكير الديني في الإسلام. منذ كتاب إقبال، ظهرت كتبٌ ذات جرأة في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين أيضاً مثل كتابَي عبد المتعال الصعيدي عن الحريات الفكرية والحريات الدينية في الإسلام، وكتب عباس محمود العقاد على الشاكلة نفسِها.
إنّ هذا الجذر الإصلاحي جرى اجتثاثه في الستينات والسبعينات من القرن الماضي أيضاً. وقد جاء هذه الاجتثاث من جانبين: جانب التيارات القومية التقدمية  التي عملت نظريات على مدى أربعة عقودٍ للتخلُّص من الموروث والتقليد وإحداث قطيعةٍ معه بحجة أنه مانعٌ بسبب استمراره في الوعي والتصرف- من الدخول في عوالم العصر والحداثة. أما الجانب الآخر والأكثر تأثيراً فكان صعود التيارات الأصولية والإحيائية في الدين، و التي هجمت على التقليد كما هجم اليساريون، لكنها هجمت أيضاً وبعنفٍ أشدّ على الحداثة والتغريب والغزو الثقافي. وهكذا ظهرت كتاباتٌ كثيرةٌ ضد التعريب وضد التقليد وضد الحرية الدينية والفكر الحر بحجة أنّ في ذلك كلّه إلحاداً وماسونية. ومن خلال الانسداد التأصيلي تجاه التجربة التاريخية للمسلمين، وتجاه ضرورات ومقتضيات عيش المسلمين في العالم المعاصر، وبين هاتين القطيعتين ومن رحمهما ظهرت فكرة "النظام الكامل" الذي تُعبِّر عنه مقولة: "تطبيق الشريعة". وتطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية إمّا أن يتمَّ بالسياسة أو بالجهاد. وها هي القاعدة وطالبان والزرقاوي  وداعش، كلُّ هؤلاء القتلة "يجاهدون" لإقامة الدولة في مواجهة العرب والإسلام، في مواجهة العالم.
وبالطبع؛ فإنه في العقد الأخير، وبعد دعوات الوسطية وترشيد الصحوة، وعندما ما عاد شيئٌ من ذلك كافياً- عادت دعوات حرية الفكر والحريات الدينية إلى الظهور والترداد. لكنّ الأكثر حَذرَاً من رجال الدين والفكر يفضّلون الحديث عن "تجديد الخطاب" بدلاً من تجديد الفكر أو التفكير. والخطاب مفردٌ مترجَمٌ عن Discourse  وهو يعني ما يعنيه الفكر. بل إنّ الخطاب بالعربية له معنىً اصطلاحي قديم. ففي تعريف الحكم الشرعي أنه خطاب الله المتعلق بأفعال العباد. لكن ما علينا، فالوهم في ذلك يشبه الوهم في التفرقة بين الدين والشريعة وهما شيئٌ واحد! نعم نحن محتاجون إلى تجديد الفكر وتجديد الخطاب وتجديد كل  شيئ. فقد انفجر الدين بأيدي الدول والمؤسسات الدينية والمجتمعات. وانتهت أو تضاءلت أدوات وآليات التماسُك والضبط والعلائق بين الأجيال. ولا أطن أنّ ذلك خاص بالمجتمعات الإسلامية. فالإنجيليات الجديدة والهندوسيات والبوذيات لا تقلُّ عن أصولياتنا شراسةً وعنفاً. لكنّ تلك الهياجات ظهرت في الأعمّ الأغلب في مجتمعاتٍ وأُمَمٍ تمتلك دولاً قويةً، تستمدُ قوتها من اقتناع الغالبية العظمى من ناسها بها ولذلك استطاعت تلك الدول الضرب على أيدي المتشددين ولو بعد طول مجاملةٍ ومخاتلة. واليهوديات هائجة والسلطات الإسرائيلية تجاملها وتخاتلها من أجل الشعبية المرتجاة، وسيصيبها ما أصاب أمثالنا ما دام العنف والقتل والأصوليات رائدها ومبتغاها!
ماذا يعني التجديد في الخطاب أو في التفكير الديني؟ يعني عدة أمور أولها المراجعة، أي النظر في كيفية الانقطاع مع الموروث والتقليد. وثانيها  نقد التحويلات الهائلة التي أجراها الأصوليون والإحيائيون في المفاهيم، بحيث صارت الشريعة نظاماً كاملاً ومعصوماً وأساس الشرعية الدينية والسياسية، وبحيث صار الجهاد ركن الدين، وصارت الدولة أو النظام السياسي ركنه الآخَر. وثالثها العمل على صياغة خطابٍ جديدٍ بدون قطائع مع الماضي أو مع العالم؛ وذلك في التعليم الديني والفتوى ودروس المساجد وخطَب أئمتها. ورابعها ومن ضمن الخطاب الجديد أو المتجدد العمل على إخراج الدين من بطن الدولة. فالنظام السياسي ما كان جزءًا من الدين، ولا كان مهمته تطبيق الشريعة لا في قديم الإسلام ولا في حديثه. ومحاولة السيطرة على الدولة باسم الدين تُفسد الدين، وتُدمِّر الدولة بما هي جهازٌ لصون المصالح وإدارة الشأن العام. وخامسها تجديد المؤسسات الدينية وإقدارها على القيام بكفاءةٍ بمهامها الأربع: وحدة العبادات، والتعليم الديني، والفتوى، والإرشاد العام.
ما عاد التردد ممكناً ولا الحذر مبرراً. وكما كان يقال إنّ الشأن العسكري هو من الخطورة بحيث لا ينبغي الاقتصار في إدارته على العسكريين، فكذلك الشأن الديني هو من الخطورة بحيث لا ينبغي الاقتصار في  إدارته على رجال الدين!
radwansayyed@gmail.com
www.ridwanalsayyid.com
جريدة الاتحاد في صفحة وجهات نظر يوم الأحد 13/12/2015


name country