header
هل يمكن الركون إلى حركة الجمهور؟

جاء في بعض الآثار أنّ علياً رضي الله عنه ذكر "العامة" في إحدى خُطَبه في معرض الذم، فسأله بعضُ مستمعيه عمن يقصد بالعامة فقال: هم الذين إذا  اجتمعوا خَرّبوا، وإذا افترقوا لم يُعرفوا! ولا أدري إنّ كانت  النسبة إلىعلي صحيحة، إذ المعروف أنّ "العامة" هم الذين وقفوا معه بالمدينة  بعد مقتل عثمان وأَرغموا عِلْيةَ القوم على بيعته، وهم الذين ثبتوا معه بالكوفة عندما شاعت الانقسامات  في جيشه خلال  صفّين وبعدها.
ما مناسبةُ هذا الحديث عن "العامة"؟ المناسبة خروج "الجمهور"  الشيعي ( ومعه نسبةٌ معتبرةٌ من السنة) في بغداد والمدن العراقية الأخرى (وبخاصةٍ البصرة) للمطالبة بالإصلاح والخدمات ( الماء والكهرباء والعمل)، في إشارةٍ واضحة بدت في الشعارات المرفوعة ضد المالكي الذي ساد العراق على مدى ثماني سنوات، وبدا حينها أنّ أكثرية الجمهور الشيعي العراقي معه حتى في تصريحاته وأعماله ذات الطابع الطائفي من مثل القول  في كربلاء إبّان الانتخابات الأخيرة إنّ حربه هي الحرب الأبدية بين أتباع الحسين وأتباع يزيد. ومن تكوَّن "الحشد الشعبي" الذي أيدته المرجعية الدينية الشيعية بل دعت إليه، والذي نظمه أو نظم بعض فِرَقه الجنرال سليماني الإيراني، وقامت بعض ميليشياته بأعمالٍ طائفية كثيرة ضد السنة في مناطق الاختلاط، وبعض المناطق  المستعادة من داعش. هذا الجمهور نفسه، هو الذي يخرج بعد عامٍ ونصف في نزوعٍ غير طائفي، ومنطقه العميق بل  الظاهر  أنّ المشكلة ليست سنية- شيعية، بل هي مشكلة الفساد الذي صنعته حكومات المالكي وميليشياته! أيُّ التحركين هو الأولى بالاعتبار؟ وهل  يمكن في حالات التقلب والتفلت الكبيرة هذه  الركون إلى الجمهور  في أيٍ  من حالاته؟!
الأمر مشكلٌ إذن فيما يتعلق بحركات الجمهور العراقي، الذي يمكن فيما  يبدو في ظروف التوتر والانقسامات توجيهه وإعادة توجيهه، واستثارته أو إخماده. فلنتجه إلى خارج الساحة العراقية، ولنبق في العالم العربي، لنرى هل تمكن المقابسة والمقارنة في ظروفٍ مختلفة؟ ما كانت أحداث مصر وتونس عام 2011 حركة جمهور بل شبان ونُخَب ثم نزل الجمهور. وفي حين انتظم الأمر نسبياً بتونس بين حركة الجمهور والتغيير السياسي؛ فإنّ مصر  شهدت على مدى عامين عواصف انتهت 2012-2013 إلى بروز الإسلامين  السياسي والجهادي. ويومها تحركت جماهير هائلة، وطالبت الجيش بالعودة إلى السلطة لفرض  النظام. لقد خاف الجمهور على الدولة وعلى نظام الحياة بالبلاد، فتحرك  بمصر، كما تحرك بتونس من خلال الانتخابات، لإزاحة تيارات الإسلام السياسي من السلطة.
وهكذا فإذا كانت عواصف التأزم بالعراق، والتعدد الإثني والديني منذ الاحتلال الأميركي عام  2003 يصعب معها تتبُّع ترمومتر مزاج الجمهور؛ فإنّ واقع التجانس الشعبي بكلٍ من تونس ومصر يسمح بوضع تقديرُ مقارب ومقبول لقوانين وقواعد حركة الجمهور حتى في ظروف الاضطراب. وهو الأمر الذي يسميه ابن خلدون: سُنَن الاجتماع البشري أو الإنساني. ويتبين من النموذجين اللذين ذكرناهُما بكلٍ من تونس  ومصر أنّ  الرغبة بالتغيير تعتمل في نفوس الشبان الذين يمتلكون وعياً يدخل في سياق الوعي  العام أو العالمي من أجل التساوق أو المواءمة . وإذا شعر الجمهور أنّ مصالحه تنخدمُ بحركة الشبان (كما حدث بشرق أوروبا بعد العام 1990)فإنه يندفع بنفس الاتجاه ويُكسبه زخماً بحيث يؤدي ذلك إلى تسريع التغيير وتحديد أهدافه بشكلٍ  أكبر وأدقّ. لكن: هل يطّردُ ذلك؟ الأطّرادُ حاصل إنما غير الحاصل هو الاستمرار إلى حين تحقيق التغيير الجذري. إذ إنّ الاستمرار يتعلق أيضاً بالتحديات التي تأتي من مدى صمود الواقع القائم من جهة، ومن مدى وجود قيادة موحدة تتحكم بالوتيرة، وتستجيب لتحديات الواقع  القائم الذي قد يلجأ لعنفٍ هائلٍ مثلما  حدث بتشيلي في السبعينات، وبسورية في السنوات الأخيرة. ثم هناك  الأمور العارضة أو الطارئة مثل الغزو الخارجي للبلاد،  ومثل حدوث فوضى ناجمة عن ضعف القيادة. وفي هاتين الحالتين قد ينقلب الجمهور إلى خائفٍ على  المجتمع والدولة مثلما حدث في مصر، ومثلما يحدث في ليبيا، وقد حدث من قبل في الجزائر؛ بل وحدث أثناء الثورة الفرنسية أواخر القرن التاسع عشر.  
إنّ ما يحدث في العراق اليوم، والذي حدث مثله عام 2011، يرجّح إمكان  الاطمئنان إلى حركة الجمهور. والأمور الاستثنائية الطارئة لا تنفي القاعدة السالفة الذكر، وإنّ كان الانزلاق إلى العنف هو أكبر ما يهدّد  حركيات الناس من أجل التغيير البناّء.


ridwanalsayyid@hotmail.com
www.ridwanalsayyid.com
جريدة الاتحاد في صفحة وجهات نظر يوم الأحد 15/8/2015



name country