header
سياسات الفاتيكان الجديدة وتأثيراتها على المسلمين

يأتي البابا فرنسيس إلى أميركا اللاتينية موطنه الأصلي ( فهو من الأرجنتين) بسمعةٍ حسنةٍ، وآمالٍ جديدةٍ للكاثوليكية. فمنذ العام 2013 يحاول البابا الجديد لفت انتباه الفقراء والشباب والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة باعتباره بابا الفقراء، واعتبار الكنيسة الكاثوليكية الجديدة كنيسة الفقراء. وكان البابا قبل زيارته لشبه القارة الكاثوليكية بدءًا بالإكوادور، قد أصدر إعلانه اللافت عن الاختلال المناخي، واستقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس وأعلن عن اعترافه بدولة فلسطين، كما عيَّن لجنةً للتحقيق مع المطارنة الذين تساهلوا في قضية الجنوح الجنسي لدى مئاتٍ من الكهنة في سائر أنحاء العالم وبخاصةٍ في الولايات المتحدة وأوروبا. وقد اشتهر الآن أنه قام بدورٍ مؤثر في العلاقة الجديدة بين وشنطن وكوبا.
يشكّل كاثوليك أميركا اللاتينية حوالى الأربعين بالمائة من مجموع كاثوليك العالم البالغ عددهم المليار والثلاثمائة مليون. لكنّ شبه القارة ما عادت قصراً على الكاثوليك، وإنما ظهر للكنيسة الكبرى منافسان قويان: العلمانية واليسار، والإنجليات الجديدة، بحيث ما عاد الملتزمون يمثلون أكثر من 70% من مجموع متديني شبه القارة. وفي رأي البابا فإنّ ذلك يعود لضعف تجاوب الكنيسة مع الهموم الجديدة للشباب، واحتياجات الفقراء، وتهافت  أعداد الكهنة بسبب عدم الإقبال من جانب شبان الأجيال الجديدة على الدخول في الجهاز الديني. يقول البابا إنّ الكنيسة صارت خارج متناوَل الناس في الرؤية والاهتمامات، وافتقرت إلى روح رسالة المسيح. لكنه يجد لها ميزتين: عدم ظهور الردايكاليات، والبقاء موحدة بشكل عام. ومع أنه لا يذكر شيئاً  عن سَلَفِه المستقيل، فالمفهوم أنّ بنديكتوس السادس عشر إنما استقال لأنه عجز عن القيام بإصلاحاتٍ جذريةٍ في الإدارة الكنسية الداخلية، وقبل ذلك في رؤية الكنيسة للمشكلات المعاصرة.
أفادت الكنيسة الكاثوليكية كثيراً في ثمانينات القرن الماضي من الحملة الأميركية على "محور الشر". فقد اندفع البابا يوحنا بولس الثاني إلى قلب الصراع إلى جانب الولايات المتحدة تحت عنواني الإيمان والحرية. ولأنّ جهاتٍ عربية وإسلامية ذهبت إلى أفغانستان بالتنسيق مع الولايات المتحدة لمصارعة الغزو السوفياتي هناك؛ فقد قيل إنّ الديانات الثلاث: البروتستانتية والكاثوليكية والإسلام خاضت الحرب على الاتحاد السوفياتي وحلفائه. وعندما تفكك حلف وارسو في أوروبا الشرقية والوسطى، ثم تفككت دولة الاتحاد السوفياتي، انفتح المجال شاسعاً وواسعاً على مدى حوالى الخمسة عشر عاماً للمسيحيتين البروتستانتية والكاثوليكية، قبل أن تستعيد الكنيسة الأرثوذكسية أنفاسَها أواخر التسعينات بدعمٍ من الدولة الروسية العائدة. وفي حين انتكست العلاقات بين الولايات المتحدة والعرب والمسلمين بعد غزو العراق للكويت وعاصفة الصحراء عام 1990 في مفتتح حقبة الهيمنة؛ فإنّ البابا يوحنا بولس ظلَّ مصراً على العلاقات الحسنة مع المسلمين، كما حاول تحدي الهيمنة بالدعوة إلى إقامة نظامٍ عالميٍ جديدٍ بالفعل تحتل فيه مكافحة الفقر الذي تنشره العولمة المفترسة منزلةً أُولى. لكنْ في الوقت نفسِه؛ فإنّ الانتصار على الشيوعية، والاندفاع في تبشير العوالم الجديدة، أَلْهى البابا الثوريَّ ذا الشعبية الهائلة بين العامة في العالم، عن مواجهة التحديات والإعاقات بداخل الكنيسة. بل إنّ الانتصار على الشيوعية، والذي اعتبر الفاتيكان نفسه جزءًا منه، أعطى ثقةً بالنفس بشأن صحة "الكورس" أو البرنامج المتشدد الذي سارت الكنيسة عليه، مذ تولى قيادة "مجمع الإيمان" فيها جوزف راتسينجر عام 1979، وهو الذي صار بابا عام 2005 على أثر وفاة يوحنا بولس تحت اسم: بنديكتوس السادس عشر.
ما استطاع بنديكتوس حلَّ أي مشكلةٍ من مشاكل الكنيسة الداخلية. فواجَهَ إعراضاً وانصرافاً من جانب الشباب والنساء والفقراء باتجاه العولميات أو باتجاه البروتستانتيات الجديدة. بل إنّ يميناً قاسياً ومتشدداً ظهر على يمين البابا المحافظ. بيد أنّ ما يهمنا هنا أنّ البابا بنديكتوس اعتبر الإسلام منافساً أيضاً وخصماً أحياناً. وقد ذكر في عدة مناسباتٍ (وبخاصةٍ في محاضرته بجامعة رغنسبورغ عام 2006) نقاط الصدام مع الإسلام، التي يمكن جمعها تحت ثلاثة عناوين: وضْع الإيمان في مواجهة العقل، وتأصُّل العنف في التعاليم والسلوك منذ القديم، والهوية المسيحية لأوروبا التي لا مكان للإسلام فيها. إنّ الذي أثّر في الوعي العالمي المسيحي وغير المسيحي أكثر ما أثّر العنف الهائل الذي اندلع من جوف الإسلام، والإسلام العربي على وجه الخصوص. وحدث ذلك عبر أربع محطاتٍ أو مراحل: هجمة القاعدة على الولايات المتحدة، والعنف المتبادل بين أفغانستان والعراق، وظهور الزرقاوي وبوكو حرام، وأخيراً ظهور داعش. لقد بلغ من سوء العلاقة بين الفاتيكان والمسلمين، أن البابا بنديكتوس طالب بحمايةٍ دوليةٍ للمسيحيين في مصر بعد تفجيراتٍ وأحداث عنفٍ ضدهم عام 2010-2011! وقد ردَّ الأزهر وقتها رداً عنيفاً، وانقطعت العلاقة بين الطرفين انقطاعاً شبه تام حتى العام 2015. وخلال هذه الفترة ما شهدت العلائق تنفُّساً من نوعٍ ما إلاّ من خلال مبادرة الحوار بين الأديان والثقافات والتي أطلقها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز عام 2007، والتي جمعت من حول طاولاتها ولقاءاتها كل الديانات: الكاثوليكية والبروتستانتية والبوذية والهندوسية واليهودية. وأذكر في الاجتماعات الأُولى بين 2007 و2009، أنه كانت هناك صعوبات شديدة في إقناع ممثلي الفاتيكان بالانتظام في الحوار وبرامجه ونشاطاته رغم زيارة الملك عبد الله بن عبد العزيز للفاتيكان ولقائه البابا عام 2007.
انفتح البابا الجديد على المسلمين بشكلٍ حذر. وغَلَب الحذر على الاستجابات أيضاً ربما باستثناء التواصل في مؤسسة الحوار بفيينّا. والأهمُّ أنّ الكنيسة الكاثوليكية تشارك الحكومات الأوروبية والمسلمين مكافحة الإسلاموفوبيا بأوروبا. وما عادت تعتبر الدخول التركي للاتحاد الأوروبي من المحرمات. ثم قام الفاتيكان بخطوةٍ واسعةٍ بالاعتراف بدولة فلسطين. والواقع أنّ هناك صعوباتٍ لدى المسلمين في التواصل ليس مع الفاتيكان فقط بل مع سائر ديانات العالم وثقافاته، من ناحيتين: الموقف من العنف بداخل الإسلام وفي مواجهة المسيحيين والعالم، والذي ما عادت تكفي فيه بيانات الاستنكار؛ بل لا بُدَّ من الخروج من مسلَّماتٍ ما عاد التمسك بها مقبولاً لمصلحة الإسلام. والناحية الثانية: تنسيق المواقف، فقد كانت الحوارات دائماً ثنائية، وما أمكن الوصول إلى "مبادرة إسلامية" شاملة في العقود الأخيرة.
الكاثوليكية ثانية ديانات العالم بعد الإسلام من حيث العدد. وقد عادت للقيام بأدوار عالمية كبرى. وعندما جاء أسقف كنتربري إلى الأزهر أخيراً، وكان ممثلون للفاتيكان قد سبقوه، قال إنّ المسيحيين مستعدون لأفضل العلاقات مع المسلمين، فهل المسلمون مستعدون؟ لا مناص للمسلمين من التواصل والتواصل الحميم والمغيِّر، فالآخرون يتغيرون، وعلينا أن نتغير لكي نبقى!
www.ridwanalsayyid.com
ridwanalsayyid@hotmail.com
جريدة الشرق الاوسط في صفحة الرأي يوم الجمعة 10/7/2015


name country