header
التقليد والإصلاح ومتغيرات زمن الأمة

I
لقد أردتُ في هذه المحاضرة أمام نخبةٍ معتبرةٍ من الزملاء والمثقفين الشباب والمهتمين، أن استعرضَ كيف تطورت أُطروحتي في الإصلاح الديني والثقافي في السنوات الخمس الأخيرة. في العام 2010 كما تعلمون توفّي عَلَمان بارزان من أعلام الفكر العربي والدراسات الإسلامية، وهما: الأستاذ محمد أركون، والأستاذ محمد عابد الجابري. وقد كان الرجلان هما الأكثر قراءً بين المثقفين والطلاب العرب خلال عشرين عاماً وأكثر. وقد دعاني مركز دراسات الوحدة العربية في الحَدَثين، للمشاركة في الندوتين عن أركون والجابري. لقد كنتُ مثل غيري من جمهور قراء أركون والجابري، ولذلك فقد استجبتُ بسرعة، وأقبلتُ من جديدٍ على قراءة الكتب الصادرة لهما وعنهما. وقد أدركتُ بوضوحٍ في القراءة الثانية أو الثالثة، أنّ الرجلين على الاختلاف الذي كان بينهما في المنهج والأهداف وطرائق الكتابة، بينهما مشتركٌ ظاهر هو رفضُ التقاليد الدينية والفكرية والثقافية في الأزمنة الكلاسيكية الإسلامية. أما أركون فيعتبرها عوائق واانسدادات تحولُ دون الدخول في الزمن الحديث، زمن العالم. وأما الجابري فإنه أراد تثوير نتاجات التراث العربي الإسلامي بالتأويل والاجتهاد، بحيث تستطيع في خطوطها وغاياتها الكبرى تقبُّل حداثات الثقافة القومية والدولة القومية. لقد أراد أركون منا اعتناق حداثة العصر، ولا سبيل لذلك من وجهة نظره إلاّ بالخلاص من دوغمائيات ودثائر الموروث ضمن الأكثرية الأرثوذكسية السنية. بينما أراد الجابري تبنّي ذلك الجزء من الموروث المحرَّر الذي يمكن أن يُبنى عليه حاضرُ العرب القومي. فعند أركون لا تجديد إلاّ من خارج، وعند الجابري لا تجديد إلاّ من الداخل، لكنه الداخل المحوَّل أو المتحوِّل من جانب نُخَب" الكتلة التاريخية" للأمة التي كان دائبَ الحديث عنها.
إنّ هذه الرؤية أو الموقف من الموروث الديني والثقافي، صار شاملاً لدى المفكرين العرب القوميين واليساريين. وقد أعلن عن ذلك مؤتمر الكويت عن أزمة الثقافة العربية عام 1974. وكنتُ منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي قد أعلنتُ في كتابي:"الإسلام المعاصر" (1987) عن معارضتي لهذه الرؤية. وشرحتُ ذلك في الكتاب المذكور، وفي كتابـي الثاني(سياسيـات الإسلام المعاصر) (1977) والثالث (الصراع على الإسلام(2004)، والرابع (أزمنة التغيير) (2014)، والخامس:التراث العربي في الحاضر(2014). وما بين الكتابين الأول والأخير تطورت لديَّ رويةٌ بديلة. كنتُ في كتابيَّ الأول: ( الأمة والجماعة والسلطة) (1984)، والثاني: ( الجماعة والمجتمع والدولة)(1997) قد درستُ بطرائق مفهومية ركائز التقاليد الدينية والثقافية العامة للأمة في أزمنتها الكلاسيكية. وأرفقتُ ذلك بعشرات الدراسات الجزئية، وعشرات النشرات التحقيقية لنصوصٍ قديمةٍ في الفكر السياسي وأصول الفقه وعلم الكلام. أمّا في كتبي الخمسة عن العرب والإسلام في الأزمنة الحديثة؛ فقد ركّزتُ على ثلاثة أُمور: وقائع وسياقات وشخصيات ما صار يُعرف  بزمن النهضة(1800-1950)، وظهور الإحيائيات الأُصولية الإسلامية(1930-1990)، وتأزمات ومخاضات الأوضاع العربية والإسلامية في الحقبة المعاصرة(1990-2011). وقد استظهرتُ  أنّ الانسدادات داخل التقليد الإسلامي السلطوي والديني والفقهي والثقافي، أفْضت إلى ظهور تيار جارف ضمن النخبة الدينية والثقافية، لفتح باب الاجتهاد. وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر تبين أنّ لذلك التيار شعبتين تشتركان في الدعوة للعودة المباشرة للكتاب والسنة باعتبار ذلك السبيل الوحيد للخروج من التقليد وعليه. أما الشعبة الأقدم من هذا التيار، وهي الشعبة السلفية؛ فإنها كانت تريد تصحيح مفاهيم العقيدة والعبادة من هذا الطريق، أو أنّ الاجتهاد المدعوَّ إليه هذا هو هدفه. وأما الشعبة الأُخرى التي سُميت فيما بعد إصلاحية؛ فكانت تبحث عن التلاؤم مع مستجدات الزمان، استناداً للقيم والمعاني الكبرى في الكتاب والسنة، وذلك من أجل تحقيق هدفين: مواجهة التحديات الغربية، والإفادة من تقدم الغرب في بناء حاضرٍ جديد.
وليس من المفيد هنا استعراض التفاصيل والشخصيات والبرامج، لأنها صارت معروفة. أمّا ما ليس واضحاً فهو مآلات المواجهة للتقليد من جانب السلفيين والإصلاحيين. فالواقع أنّ نضالات نصف قرنٍ وأكثر ضد التقليد في العقائد والفقه والمؤسسات الدينية، أفْضت إلى تصدُّع ذلك التقليد. وقد بدأت تبرز من بين تشقُّقاته الموجات التي سميتُها في بحوثي"إحيائية". وأعني بذلك أن تلك  التيارات التي بدأت تتبلور في حركاتٍ وجمعيات  طرحت تحت وطأة تحدي الغرب الهاجم والدولة الوطنية البازغة مسألة الشرعية في الدين والمجتمع والدولة. أما السلفية فقد هدأت بعض الشيئ بسبب قيام دولة الكتاب والسنة بالجزيرة العربية على يد الملك عبد العزيز آل سعود. ولذلك فإنّ الجزء الإصلاحي من الإحيائية هو الذي اتجه للإجابة على التحدي من خلال الجمعيات والحركات في مصر والهند أولاً ثم في سائر أنحاء العالمين العربي والإسلامي. وما تنبَّه المراقبون الأوائل للجمعيات والحركات إلى طبيعتها الإحيائية المختلفة عن الجمعيات الخيرية والنهضوية السابقة، ويعود ذلك لسببين: أنّ قسماً معتبراً من دُعاة الاجتهاد الإصلاحي انضموا للدول الوطنية الجديدة، والسبب الثاني أنّ تجربة الدولة الجديدة كانت ناجحةً في مرحلتها الأولى، فامتلكت شعبيةً كاسحة. ولذا ما تنبه كثيرون إلى الطبيعة المختلفة لحركات مثل جماعة الإخوان المسلمين بمصر، والجماعة الإسلامية بالهند ثم باكستان. لقد كانت تلك الجماعات هامشيةً في المشهد العام، وما كانت تُعنى بالسياسة مباشرةً شأن كل الجماعات الإحيائية في مراحلها الأُولى. وإنما جرى التأمل في المسألة والمراجعة عندما دفع الإحياء الفصامي الجديد باتجاه انفصال المسلمين بشبه القارة الهندية بدولة باكستان، وتحوُّل الإخوان إلى تركيز الشرعية في التنظيم، والعمل على إعطاء مضامين جديدة لمقولة الشريعة، التي صارت بالتدريج نظاماً عقدياً كاملاً أطلق عليه المودودي عنوان الحاكمية، ثم تبعه في ذلك المصريون فسائر الإسلاميين.
لقد تردْكَلَ تيار الشرعية الإحيائية هذا عبر ثلاثة عقود فيما  بين الثلاثينات والستينات من القرن الماضي بفعل عاملين: الحرب الباردة في السياسات والثقافة، والعامل الثاني: اتجاه تجربة الدولة الوطنية لدى العرب والمسلمين إلى الفشل في مرحلتها الثانية، لأنها تلقّت هزائم وانتكاسات، ولأنّ العسكريين العرب والمسلمين سيطروا عليها تماماً منذ الخمسينات والستينات من القرن الماضي أيضاً.
في الستينات والسبعينات- وأنا أُوجزُ هنا ما استعرضتُهُ في الكتب الخمسة السالفة الذكر- اكتمل تطور تلك الحركات إلى أحزاب سياسية عقائدية، على حواشي عقائديات الحرب الباردة. وتبلورت نظرية النظام الكامل الواجب التطبيق(= حتمية الحلّ الإسلامي). وبدأ ظهور التنظيمات المسلَّحة التي أرادت تطبيق الحلّ الإسلامي بالقوة. ومنذ أواسط السبعينات صار يمكن اعتبار تلك الحركات والأحزاب انشقاقاً في الدين. وقد أكَّد ذلك ظهور تمردات في السلفية بخارج المملكة العربية السعودية ثم بداخلها. وصيرورة السلفية الجديدة أيديولوجيا مقاتلة حتى ضمن أحزاب مثل الإخوان والجماعة الإسلامية.
إنّ علينا التنبيه هنا إلى أنّ التأزم الشديد داخل الإسلام، تساوقَ مع التأزم الشديد داخل الدولة الوطنية في العالمين العربي والإسلامي. ففي العام 1994 أصدر الباحث المصري نزيه الأيوبي كتاب: تضخيم الدولة العربية، والذي يقرر فيه أن الدولة الوطنية العربية اكتمل انسدادها أيضاً.
ما هو الانشقاق الديني وما هو الإحياء الديني؟ تُسمَّى الحركات الدينية ضمن الـ Main Stream انشقاقاً إذا طرحت فقهاً جديداً للدين، وفقهاً جديداً لنظام العيش، وما استطاع التقليد السائد استيعاب ذلك أو التلاؤمَ معه. وهذا هو الذي حصل لدى السنة والشيعة. فلدى السنة ضُربت العقيدة الأشعرية الكلاسيكية. وضُربت مقولة الجماعة وإجماعاتها والتي تهبُ الدين وحدته وانسجام عناصره الفاعلة. وصارت المرجيعة للشريعة التي صارت نظاماً كاملاً اسمه الحاكمية ومضمونه تطبيق الشريعة الجديدة هذه. وجرى توجيه ضربة قاسية لفقه العيش، عندما ما عادت الجماعة التقليدية هي التي تحدّد نظام العيش، بل صارت تحدده فئات طهورية تحكم بالإيمان والكفر بمقتضى قانونٍ جديدٍ للإيمان. وبذلك صار معظم المسلمين خارج الإسلام المتعارَف عليه.
أما عند الشيعة، فقد انتصرت نتيجةَ الإحياء الذي ذكرتُه وبدلاً من تطبيق الشريعة، مقولة ولاية الفقيه؛ فقامت في إيران دولةٌ دينيةٌ تُنهي عملياً مسألة تأجيل الدولة الكاملة لحين عودة الإمام أو المهدي المنتظر.
لقد تغير الدين، وبالطبع ليس لدى الجمهور الأَوسع من المسلمين. إنما الفرقُ أنّ العوامل القارّة في فقه الدين وفي فقه العيش، ما عاد عليها إجماع، وأنّ العناصر الانشقاقية صارت شديدة الفعالية حتى لدى  أولئك الذين لايقولون بالعنف باسم إحقاق الدين أو فرضه.
II
كيف نظر مفكرو الأمة ومثقفوها إلى هذه التطورات؟ وكيف نظرت لذلك المؤسسات الدينية، وكيف نظرت لذلك السلطات؟
كان الأستاذ عبد الله العروي هو أول مَنْ طرح مسألة القطيعة والفوات. وقد نظر في ذلك إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما كان الإصلاحي ونموذجه محمد عبده يحاول فتح باب الاجتهاد، وممارسة التجديد. وقد اعتبر الأستاذ العروي وقتَها( في الستينات من القرن الماضي) أنّ عبده وأمثاله من أبناء الجيلين اللاحقَين ما كانوا جذريين، فخلطوا الأزمنة، ولم يدركوا أنّ العالم دخل في نظامٍ جديدٍ أحدث قطيعةًمع كلّ السابق الذي صار زمناً ميتاً. أمّا من جاءوا بعد العروي فقد طرحوا رؤى شمولية وتفصيلية فيما سموه "التراث" وطرائق التعامُل معه. وقد ذكرتُ مثالين لهذا النموذج في مطلع كلمتي هذه هما الأستاذان أركون والجابري. بيد انّ كلَّ المفكرين العرب البارزين وغير البارزين خلال السنوات الخمسين السابقة إنما انطلقوا من مقولة القطيعة بين الموروث بكل نتاجاته، والحاضر بكل مشكلاته وتحدياته. إنما الأنكى أنهم اعتبروا الإحيائيات الراهنة جزءًا متخلّفاً من ذاك الموروث. بينما كان من الواضح ومنذ ثلاثينات القرن العشرين أنّ الإحيائيين جميعاً معتدلهم ومتطرفهم كانوا وما يزالون ضد الموروث منذ مطلع العصر الأُموي وحتى اليوم. وإنما يعودون للكتاب والسنة بقراءتهم أو قراءاتهم هم. وهؤلاء جميعاً أقليات طهورية وخلاصية، تعتقد أنها تستطيع العودة لزمن التأسيس بدون واسطةٍ من تلك التقاليد المنحرفة والمنحطّة.
كان المفكرون العرب إذن جذريين في رفضهم للموروث الديني والثقافي، وفي اعتبارهم أنّ الأُصوليات هي جزءٌ لا يتجزأ من ذلك الموروث، ولا سبيل للخلاص منها إلاّ بالخلاص منه.
أما علماء وفقهاء المؤسسات الدينية التقليدية، فقد دخلوا أو دخل معظمهم في حداثات الدولة الوطنية. وقد نظرت السلطات أولاً  إلى محاولاتهم بشيءٍ من الاستحسان والاستخفاف في الوقت نفسِه. ثم غلب الاستخفاف على الاستحسان عندما ظهر العسكريون على الساحة، وعملوا على إنشاء أنظمة شمولية انصرفت إلى إضعاف المؤسسات الدينية باعتبارها عقبات في طريق التحديث والتقدم والاشتراكية. وعندما تنبهوا أخيراً إلى خطر  الإحيائيات التي بدأت تتمرد عليهم وعلى المؤسسات الدينية، كان الأوانُ قد فات، وصار التقرب إلى المؤسسات يتخذ أشكالاً فولكلورية. وذلك مثل دعم الحركات الصوفية، وإخراج الشيوخ على التلفزيون، والاعتماد عليهم في إصدار فتاوى ضد جماعات العنف.
أما الشيوخ أنفسهم، ووسط الضغوط المنصبّة عليهم من أبنائهم الثائرين، ومن السلطات؛ فقد ضعُفت ثقتهم بأنفُسهم، وعجزوا حتى عن أداء الواجبات الدينية التي كانوا قائمين عليها منذ القديم، مثل وحدة العقيدة والعبادة، والتعليم الديني، والفتوى، والإرشاد العام.
III
ما العملُ إذن وسط هذا المخاض الهائل الذي تمر به مجتمعاتنا ودولنا، ويمر به ديننا؟
لقد أنفقتُ معظم الوقت في قراءة التطورات التي قادت إلى هذا المخاض. وهو مخاضٌ أدت إليه: وجوه فشل الدولة الوطنية ومثقفيها، وظهور الإحيائيات المقاتلة والقاتلة باسم الدين، والسياسات الدولية.
إنّ الذي أراه، والذي تطور لديَّ عبر حوالى الثلاثين عاماً، أنه يكون علينا القيام بمهمتين، كلاهما تاريخية، إذا صحَّ التعبير، وإحداهما عاجلة، والأُخرى أكاديمية وتحتاج إلى زمنٍ طويل.
أمّا العاجلة، فهي تسكينُ الدين، وطمأنة الجمهور، والذي ما يزالُ على جماعته وأكثريته وسواده الأعظم. وتتمثل المهمةُ العاجلةُ هذه في الاهتمام الفائق بالمؤسسات الدينية لكي تتمكن بالفعل من القيام بمهماتها التقليدية العريقة بكفاءةٍ  ورصانةٍ وفعالية: القيام على وحدة العقيدة والعبادة، والقيام على التعليم الديني، والقيام على الفتوى، والإعانة على النهوض بقدر الإمكان بمهمات الإرشاد العام. إنّ الدين لا تتغير طبيعتُه، ولا تتغير ثوابتُه. والإحيائيون المقاتلون والمسيَّسون يريدون إيهامنا بأنهم هم وحدهم الذين يحددون طبيعة الدين، وثوابته الصحيحة. والجمهور المستنزَف والمتذمِّر ليس معهم بالطبع. لكنه ليس راضياً أيضاً عن المؤسسات الدينية. ولذلك فإنّ هذه المهمةَ أو المهامّ تحتاج إلى تعاوُنٍ وثيقٍ بين قوى المجتمع، والمؤسسات الدينية، والسلطات. لقد فشلت السلطات في ضبط الدين أو سياسته أو إدارته، وإلاّ لما ظهرت الأحزاب الدينية. وليس المقصود هنا أن تظهر لدينا مؤسسة كهنوتية لا تحلُّ المشكلة بل قد تُفاقمُها. إنّ الجماعة وإجماعاتها في الإسلام السني على وجه الخصوص هي التي تحدد ثوابت الدين. وإنما المؤسسات الدينية هيئاتٌ وظيفيةٌ، ويكون على المجتمعات دعمها وإحاطتها وإنهاضها لتخدم المجتمعات لهذه الناحية الشديدة الأهمية. والمؤسسات التي ذكرتُ من قبل أنها فقدت ثقتها بنفسِها إلى حدٍ بعيد، ليس عندنا غيرها للقيام بهذه الواجبات. ورغم الظروف الصعبة التي مرت بها في القرن العشرين؛ فإنها أخرجت رجالاً كباراً كانت لهم اجتهاداتٌ كبرى ومستنيرة: من أولُ من طرح مسألة الإصلاح المؤسسي؟ لقد كان شيخاً. ومن أول من طرح مسألة مقاصد الشريعة الكبرى في العصر الحديث؟ لقد كان شيخاً. ومن أول من عارض تسسييس الدين؟ لقد كان أو كانوا شيوخاً. ومن أول من انكر وجود دولةٍ دينيةٍ في الإسلام؟ لقد كانوا شيوخاً، وهم جميعاً من نتاج المؤسسات الدينية قويةً وفاعلةً في وظائفها الأربع أو تظلَّ الرياح هابّةً في أشرعة الإسلاميين!
ولنصل إلى المهمة الأكاديمية أو البعيدة المدى. وهذه أصعب حتّى من مهمات المؤسسات الدينية. تتمثل المهمة الأكاديمية، والتي لا يستطيع القيام بها غيرنا نحن المثقفين في إعادة قراءة الموروث الديني: العقدي والفقهي، والموروث الثقافي، أو ما درجْتُ على تسميته في السنوات الأخيرة تحت عنوان التقليد. إنه تاريخنا الديني/ الثقافي. قد يصبح التاريخ عبئاً. لكنْ لا أُمَم بدون تاريخ، والقطيعة كلام فارغٌ، ويمكن أن تتحول إلى تآمُرٍ على الحاضر. ولأضرب مثلاً قريباً: نظام الخلافة. هو نظام سياسي تاريخي، ليس مقدساً وليس لعيناً. ولأضرب مثلاً بمقولة الشريعة، هي الدينُ بالطبع، لكنها صارت نظاماً اعتقادياً شاملاً في نظر الكثيرين، ودليلاً على وجوب الدولة الدينية بمقتضى الاعتقاد: ما هي هذه الدولة التي لا تكون مهمتها إدارة الشأن العام، بل تطبيق الدين أو الشرعية؟! كأنّ كلَّ هذا التدين الشعائري البالغ الهول والاتساع اليوم، لا يهبُ مجتمعاتنا شرعيةً كافية، إن لم يسيطر علينا حزب سياسي باسم الدين يعمد الى تطبيق الشريعة الموهومة هذه! لا أعرف أمةً معاصرةً أصابها ما أصابنا مع تاريخنا، وبواسطة مثقفينا وأصولينيا: فساعة تاريخنا مقدَّس، وساعة أُخرى تاريخنا مدنَّس. بدون علاقة صحية بتاريخنا الديني والثقافي، ستظل أمورنا مضطربة في الواقع بعد أن اضطربت في الوعي. لا بد من كتابة تاريخنا الديني والثقافي والسياسي بدون أيديولوجيا، لكنْ ليس بدون معياريةٍ تعارفت عليها العلومُ الإنسانية.
ذكر رفاعة رافع الطهطاوي(-1883م) في "تخليص الإبريز" أنّ فقيهاً مالكياً اسمه المختار الكنتاوي من ناحية أزوات(؟) على مقربة من تمبكتو قرر في كتابٍ له اسمه "النزهة" حوالى العام 1800م أنّ الأرض كروية، وأنه لا يضر الدين في شيئٍ كانت كذلك أو لم تكن! وعقّب الطهطاوي على ذلك بأنّ الأوروبيين ليسوا متقدمين علينا لا في التفكير ولا في التقدير، بل هم متقدمون في التدبير  وفي الصناعة والتجارة والزراعة. وأننا نستطيع التقدم عليهم  أو مناظرتهم إذا توافر التنظيم بواسطة الحكم الصالح، مثلما هو عليه الحال في دولة محمد علي!
أيها السادة، أيها الزملاء، أيها الأبناء
أين تحدث القطيعة، وكيف؟ إنها تحدث في الوعي، وقد لا تحدث في الواقع. وقد كان وعي الطهطاوي وخير الدين التونسي وعلي مبارك وآخرون أنه لا فواتَ ولا قطيعة، وأنّ التواصل ممكن، رغم آراء التنويريين الأوروبيين أو بعضهم. إنّ هذه الفكرة الشديدة الأهمية، هي التي عاد لبحثها الأستاذ العروي في كتابه: السنة والإصلاح الصادر عام 2011، فهل يُسهِّل ذلك المقاربات الأُخرى النقدية أو يبقى الإعراضُ حاكماً:
فيا دارها بالخيف إنّ مزارها قريبٌ ولكنْ دون ذلك أهوالُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) محاضرةُ ألقيت بمركز "مؤمنون بلا حدود" بالرباط في 13/6/2015.


name country