header
التفكُّر الإسلامي في المسيحية
    ذكر أبو الحسن العامري (ت 381هـ/992م) في كتابه المعروف: الإعلام بمناقب الإسلام ستّ منظوماتٍ اعتبرها وحدها المستحقّة لاسم الدين وهي( ) : الإسلام واليهودية والمسيحية والزرادشتية والوثنية والصابئة. ومستندهُ في ذلك أمران: ذكْرُ القرآن لها في الآية الجامعة: (إنّ الذين آمنوا، والذين هادوا، والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا؛ إنّ الله يفصلُ بينهم يوم القيامة) (سورة الحج: 17)، وتوافُرُ أربعة مشتركات فيها سمّاها أركان الدين وهي: العقائد والعبادات والمعاملات والحدود (أو المَزَاجر). ثم انصرف بعد ذلك للمقارنة بين تلك الأديان مبيّناً عند كلّ ركنٍ فضيلة الإسلام فيه على الديانات الأخرى. ونجدُ شَبَهاً بين هذا المنهج ومنهج ابن كمُّونة (ت 683هـ/1284م) صاحب كتاب: تنقيح الأبحاث للملَلِ الثلاث( )، وإن تكن الديانةُ الفُضلى عنده هي اليهودية. بيد أنَّ ابن كمُّونة يختلف عن العامري بأمرٍ آخَرَ أيضاً. فهو قد اختص الديانات الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام بالدراسة المقارنة؛ إدراكاً منه – كما قال – لتفرُّدها في الانتماء إلى أصلٍ واحد هو توحيدُ الربوبية. على أنّ ما لم يذكُرْهُ ابنُ كمُّونة بدوره ما ترتّب على اعتقاد الوحدانية هذا من تنافٍ وتنابُذٍ بين الديانات التوحيدية الثلاث، ناجم عن الاعتقاد الواحد هذا في الظاهر، وراجعٍ لأسبابٍ تاريخيةٍ وجغرافيةٍ وثقافيةٍ وسياسيةٍ في الحقيقة. ذلك أنّ الإطلاقية والنهائية التي سادت تواريخ الديانات الثلاث في منطقتنا بالذات، ليست علّتُها بالضرورة عقيدة الإله الواحد، التي تقول في منطوقها بوحدة الخالق والخَلْق.
    وأنا مُقبلٌ في هذه الدراسة على قراءة وجهٍ من وجوه هذه الإطلاقية التنابذية لدى مفكّري المسلمين في المجال العربي الوسيط تجاه المسيحية باعتبارها بُعداً بارزاً لديهم في تفكُّرهم بالمسيحية، وصولاً لتأملٍ نقديّ واستشرافيّ لثلاثة أمور: الأصول الثقافية لهذه الجدالية الصاعقة، ومدى النفاذ إلى جوهر المسيحية ذاتها، وأفكار لاهوتيتها في تلك العصور، وأخيراً الأسباب الممكنة الاكتناه لهذا التوجه الجدلي الغلاّب. وعليّ في بداية هذه المُقاربة أن أقرّر بعض المحدّدات التي يصحُّ اعتبارها فرضيات للعمل الذي قُمتُ به هنا، وأساسُهُ اثنتا عشرة محاضرةً ألقيتُها على طلبة الدراسات العليا بكلية اللاهوت الكاثوليكي بجامعة سالسبورغ بالنمسا في ربيع العام 1994 بعنوان: (( الجدل الإسلامي مع المسيحية في المجال العربي في القديم والحديث )).
    أفترضُ أولاً – أنَّ كُتّاب هذه الجداليات فيما بين القرنين الثالث الهجري/التاسع الميلادي، والثامن الهجري/الخامس عشر الميلادي؛ كانوا يعرفون المسيحية العربية والمشرقية معرفة جيدةً نسبياً. كانوا يعرفون الكتاب المقدَّس بعهديه القديم والجديد، كما كانوا يعرفون أهمَّ الفِرَق المسيحية العائشة بين ظهرانَيهم وهي: النسطورية واليعقوبية والملكانية (الأرثوذكسية)( ). بل إنّ الواضح من تشابه ما يوردونه من أقوالها في ردودهم أنه كانت بين أيديهم كتاباتٌ بالعربية معتمدو لدى تلك الفِرَق. ونعرف اليوم مما نُشِرَ من كتابات المسيحيين العرب القُدامى في العقود الأخيرة أنه كان هناك مفكّرون مسيحيون مُعاصرون متمكنون يشاركون بفاعلية في الحياة الثقافية والعلمية، وفي الدفاع عن العقائد المسيحية في وجه المُجادلين، أي أنه كانت هناك نصوصٌ مسيحية طازجة – إذا صحَّ التعبير – فيما بين القرنين الثامن والثاني عشر على الخصوص، تُنتَج، وتدخل سوق الجدال بسرعة، لتصبح مع الوقت تُراثاً يعود إليه الطرفان المتجادلان فيستخدمه كلُّ طرفٍ بما يتفق والغرض الذي يقصِدُه( ).
    وأفترضُ ثانياً – من واقع اطّلاعي على  نصوص ومضامين تلك الجداليات – أي المسيحية التي كان يجري الجدال معها؛ ما كانت المسيحية في صورتها القرآنية؛ بخلاف ما يردّده باحثون كُثُرٌ اليوم. فالاستشهاد بالقرآن فيه غير مطّرد، ويأتي – فيما عدا العناوين – على سبيل الاستئناس لا التأسيس. ولذلك من وجهة نظري أسبابٌ لا أجدُ متّسعاً هنا لعرضها. كما أنني لا أرمي هنا إلى تفحُّص الصورة القرآنية للمسيحية ومدى تأثيرها على المسلمين والمسيحيين على حدّ سواء في تلك العصور. فالمسيحية التي تعرضها الجداليات الإسلامية هي مسيحيةُ نصوصٍ مكتوبة ومعاصرة بمعنى ما لتلك الجداليات؛ إنها مسيحية مثقفين متفلسفين ومتكلمين؛ وتختلف ولا شكّ – دون أن نستطيع تحديد حدود ذلك الاختلاف – عن المسيحية المُعاشة لدى عامّة المسيحيين أو النصارى، كما تصوّرهم النصوص التاريخية، أو نصوص أحكام أهل الذمة .
    وأفترض ثالثاً – أنّ مقاربات المسلمين للمسيحية آنذاك اختلفت باختلاف اختصاصاتهم واهتماماتهم ومقاصدهم. فالمفسّر للقرآن كان مربوطاً برباطٍ وثيق إلى النصّ الذي يفسّره، وكذا المحدّث. ومقاصدُ الجاحظ والورّاق   وابن حزم تختلف ولا شكّ عن مقاصد العامري وأبي سليمان المنطقي والشهرستاني. وما أعرض له هنا تلك الكتابات المعقلَنَة التي تُفيدُ من ثقافة المتفلسفة ومصطلحاتهم، ومناهج المتكلمين وطرائقهم، وتقصد للدفاع عن الإسلام أو – وهو الغالب – الردّ على النصارى، كما سمّي هذا النوع الأدبي الجدلي( ).
    وأفترضُ رابعاً – وأخيراً أن تلك الجداليات وإن بدت شديدة الحياة والحيوية؛ ما كانت علاقتُها بالواقع الثقافي والتاريخي شديدة الوضوح أو البساطة. وذلك بسبب الطبيعة العقائدية للجدال، ومتغيّرات الواقع والزمان التي تُحيلُ إلى مرجعيةٍ موارةٍ تموُّرَ ذلك الواقع؛ بينما تبقى الكتاباتُ العقدية ذات ثبات نسبيٍ تقنِّع أكثر مما تكشف. فهناك راهنيةٌ تظلُّ حاضرةً في الكتابات الجدالية لكنّها لا تبدو كذلك عندما تجري مقارنتُها بالمعروف والمُعاش.
I
تاريخ الجدل
     أقدم الجداليات الإسلامية المكتوبة في مواجهة المسيحية في الظاهر الرسالةُ المنسوبة لمن يُسمّى (عبد الله بن إسماعيل) الهاشمي إلى صديقه المسيحي النسطوري المسمى (عبد المسيح بن إسحاق) الكندي يدعوه فيها إلى الإسلام وردّ الكندي عليه( ). ويرى الباحثون المُحْدَثون أنّ كاتب الرسالة والردّ واحد، وهو على الأرجح نسطوريّ، وأنها تعود في الحقيقة إلى القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، لا إلى مطلع القرن الثالث/التاسع الميلادي، كما تزعُمُ الرسالة لنفسها. لكن على الرغم من ذلك فإنّ أجواء الرسالة والردّ عليها يمكن الاستنتاج منهما ما كان يعتبره المسيحيون بعامةٍ مواطن القوة والضعف والمجادلة في كلا الدينين. تمتدح الرسالة أخلاق المسيحيين وسلوكهم وكثرة علمهم وزُهدهم، وتأخذ عليهم برفقٍ تلك الاعتقادات التي لا يتناسب الإيمانُ بها مع علمهم الغزير، وأخلاقهم الحميدة. أمّا المسلمون فتركّز الرسالة – كما يركّز الردّ – على استخدام السيف عندهم وعلى مادية ولذائذ ومخاوف الجنة والنار؛ وصولاً للاستنتاج – وبرفق أيضاً – أنّ هذه الأمور لا تتفق والأصل الإبراهيمي الذي يعتبره المسلمون جامعاً مشتركاً بينهم وبين المسيحيين. وهكذا لا يصحُّ – وبطريقةٍ مواربة أيضاً – اعتبار نبي الإسلام إبراهيمياً كما لا يصحُّ اعتبار الإسلام إكمالاً للمسيحية فضلاً عن أن يكون ناسخاً لها.
     إنّ هذه الرسالة التي وضعها فيما يبدو مسيحيٌّ نسطوريٌّ – كما سبق أن ألمحنا – في القرن العاشر الميلادي، تعبّر بشكلٍ ما – كما قدَّمْتُ – عن البيئات العامة لدى المسيحيين فيما يتصل بالعلاقة بالمسلمين والإسلام، وطرائق التعامل والسلوك تجاههما. ويبدو أنّ هدفها كان الإسهام في تثبيت إيمان المسيحيين بدينهم وجماعتهم، والإرشاد إلى طرائق التعامُل مع مجادليهم من المسلمين. ولا شكّ أنها لا ترقى إلى شمولية وعمق نقدات يوحنا الدمشقي وتيودور أبو قرّة، ولا إلى المنهجية الفلسفية الكلامية أو اللاهوتية ليحيى بن عدي( ). لكن في هذه الحقبة بالذات – القرن العاشر – كانت المعالم الأساسية لجداليات ودفاعيات المسيحية على اختلاف فرقها قد تحددت، كما تحددت في الوقت نفسه الخطوط الكبرى للجداليات الإسلامية التي تكررت بعد ذلك بصُوَرٍ مختلفة أكثر تفصيلاً أو تدقيقاً دون ان يعني الإصرار عليها اقتحام أسئلةٍ جديدةٍ أو آفاقٍ جديدةٍ للجدل أو النقاش أو التفهم.
     تحددت المعالم الكبرى للجداليات الإسلامية ضد المسيحية من خلال أعمال رجلين اثنين؛ أحدهما مسيحيٌّ نسطوري اعتنق الإسلام، والآخر متكلّمٌ متشكّكٌ فيما يبدو في الأديان كلّها. الأول هو علي بن رَبَّن الطبري،
الذي عاش في القرن التاسع الميلادي، وألّف كتابي: الرد على النصارى، والدين والدولة، اللذين وصلانا لحسن الحظ( ) – وثانيهما أبو عيسى الورّاق، الذي عاش في القرن العاشر، وألّف في المقالات، وأوائل الأدلة، والردّ على الفِرق المسيحية الثلاث) (. ومن أواسط القرن العاشر الميلادي أيضاً وصلتنا رسالة الحسن بن أيوب التي يدعو فيها أخاه علي بن أيوب للإسلام بعد أن أسلم هو( ). أما الجاحظ، الأديب الكبير في القرن التاسع، فقد شارك برسالة صغيرة في الرد على النصارى، وكذا فعل القاسم بن إبراهيم الرسّي – كما
شارك الكندي الفيلسوف برسالة في نقد التثليث( ).
     ونجد بعد هذا أنّ كتب المتكلمين منذ القرن الرابع/العاشر، تخصّص فصلاً أو فصولاً للحديث عن المسيحية والردّ عليها؛ وصنيعُها في ذلك    يشبه صنيعها مع أديان ومذاهب أخرى مثل الزرادشتية أو المانوية أو اليهودية( ). وتعود المؤلّفات الجدالية الكبرى المُفردة للظهور مع الغزوتين الصليبية والمغولية. فقد اتخذ المسلمون من رسالة بولس الانطاكي (حوالي 1140 – 1180م) مطران صيدا التي أرسلها لأصدقائه المسلمين)  )  ذريعةً لبدء حركةٍ جديدةٍ للجدال بلغت ذروتها في ثلاثة ردود على مدى نصف قرن – وهي: ردّ أحمد بن إدريس القرافي (ت 684 هـ/ 1285م) بعنوان: الدرة الفاخرة في الرد على الأسئلة الفاجرة – وردّ محمد بن أبي طالب الأنصاري (-727 هـ/ 1327م) بعنوان: جواب رسالة أهل جزيرة قبرص – وردّ ابن تيمية (-728 هـ/ 1327م) التفصيلي بعنوان: الجواب الصحيح لمن بدّل دين المسيح. وتُختَتمُ المرحلة الكلاسيكية للجدال المشرقي برسالة ابن قيّم الجوزية، تلميذ ابن تيمية بعنوان: هداية الحيارى من اليهود والنصارى( ).
     على أنّ الخط الجدالي الأندلسيّ مستقلٌّ بعض الشيء في الأسلوب والمصطلح والأهداف عن الجداليات المشرقية. ونجد في سياقه بدايةً ابن حزم (-456 هـ/1064م) الذي كتب في الفصل في الملل والأهواء والنحل، صفحاتٍ مبسوطةً في نقد العقائد والنصوص المقدسة عند المسيحيين، ثم الخزرجي (ت 582 هـ/1187م) صاحب: مقامع الصلبان، والجعفري         ( ت 637 هـ/1239م)  صاحب: تخجيل من حرَّف الإنجيل، والقرطبي (ت827 هـ/1424م) صاحب: الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام) (.  وربما أخيراً المؤلّف المسمّى بعبد الله الترجمان (ت 827هـ/1424م) صاحب: تحفة الأريب في الردّ على أهل الصليب) ( - وهو شأنه في ذلك شأن ابن رَبَّن الذي يقع في بدء هذه السلسلة من الردود –مسيحيٌّ أسلم، وانشغل بحماية إيمانه وربما بحماية نفسه عن طريق الدفاع عن الإسلام.
     يقارب هؤلاء المجادلون من المسلمين في محاكمتهم للمسيحية قضاياها تحت خمسة عناوين، تختلف بعض الشيء من مؤلّف لآخر بالزيادة والنقصان أو الإجمال والتفصيل؛ لكنها تبقى المنطلق في تلك الجداليات أياً تكن الحشوة التي تُعطى لها؛ تلك العناوين هي: التثليث، والتجسُّد ، والصلب والفداء، والكتب المقدسة، والتاريخ والشعائر والأحكام والعبادات.
     وقد اختلفت المناهجُ والسُبُلُ في معالجة هذه العناوين وما تحتها. لكن يمكنُ القول إنّ منهجين أو طريقتين سادتا في الأعمّ الأغلب. الأولى: الطريقة النصية، وهي التي غلبت لدى المؤلّفين الأندلسيين فيما عدا ابن حزم، وبعض المشارقة مثل ابن قيّم الجوزية. ويعني ذلك مقاربة نصوص العهدين القديم والجديد ومتابعتها بدقةٍ لاستخراج النقدات ووجوه التناقض فيها مع الاستئناس بالقرآن والسنة أحياناً. والثانية: الطريقة الفلسفية أو الكلامية؛ وهي تنظر إلى المسيحية باعتبارها بنيةً لاهوتيةً وعقليةً واحدة؛ فتقاربها على أساسٍ فلسفيّ وكلاميّ، وتحاكمها محاكمةً تستند إلى المنطق العقلي المستفيد من التراث الفلسفي الهيلليني؛ وإن بدرجات متفاوتة. ويسلك هذا المسلك مؤلفون مثل الكندي الفيلسوف، وأبي عيسى الورّاق والجاحظ والقرافي. ويحاول ابن تيمية – أوسع المؤلّفين في الردّ على النصارى – الجمع بين الطريقتين) (.
II
عناوين الجدل وموضوعاته( )
     أولاً: التثليث: تركّزت نقاشاتُ المسلمين لمسألة التثليث منذ الكندي الفيلسوف (منتصف القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي) وأبي عيسى الورّاق (العاشر الميلادي) على أمرين: البدء بعرض تاريخ المسيحية بشكلٍ موجزٍ حيثُ تُعتبرُ الأريوسية فرقةً موحّدةً وأصلاً تاريخياً ما لبثت المسيحية في تطورها أن انحرفت عنه باتجاه التثليث. والأمر الثاني مناقشة المسيحيين في معنى الجوهر؛ إذ يذهب المسيحيون إلى أن الله جوهر. والمعروف أنّ المصطلح مستعارٌ عند الفريقين من الفلسفة اليونانية، لكنّ تعريفه مختلف لدى كلّ منهما. فالجوهر عند المسلمين هو (( ما شغل حيّزاً وقبل عَرَضاً )) وعند المسيحيين هو (( القائم بنفسه ))، والذي (( ليس هو في موضوع )). وتصل النزعة الجدالية الناقضة إلى ذروتها عندما يصلون لمناقشة المقولة بأن الله ثلاثة أقانيم( ). فالمفكرون المسلمون يرفضون ذلك أياً يكن التعريف الذي يعرّفها به النصارى. ويجمع المجادلون هؤلاء – وعلى رأسهم أبو عيسى الورّاق – على إنكار الأقانيم لسببين: اختلافها من جهة واتفاقها من جهةٍ أخرى، واختصاص كل أقنومٍ بصفةٍ لا تنطبق على الأقنومين الآخرين. فلا وجه لدى المفكّرين المسلمين لأن يختص أحد الأقانيم بالأبوة – أي بالولادة الأزلية للكلمة – وآخر بالبنوة – أي بالتولُّد عن الأب، وآخر بالروحانية في نطاق العقيدة الثالوثية المسيحية التي تجعل الأقانيم مشتركة في الألوهية. فكما يقول أبو سليمان المنطقي – في كتاب مبادىء الموجودات – إنّ الذات واحدةٌ في الموضوع، كثيرةٌ بهذه الصفات؛ ولذا فقد أرجعوا مفهوم الأقنوم إلى مفهوم الصفة، ولم يجدوا مبرّراً لحصر الأقانيم في ثلاثة. فإذا كان القصد من نسبة العلم والحياة إلى الله (أي الكلمة والروح) تنزيهاً له عن النقص؛ فهذا يوجبُ نسبة صفاتٍ أو أقانيم أخرى له كالإدراك والسمع والبصر والإرادة – وفي ذلك إثباتٌ لأقانيم كثيرة. ويُطيلُ المفكّرون المسلمون بعد مناقشة المسألة من حيث المبدأ في محاججة الملكانيين الأرثوذكس في قولهم (( إنّ الأقانيم هي الجوهر والجوهر غير الأقانيم ))( ). ثم يوجزون في دحض مقالة اليعاقبة والنساطرة التي تُطابقُ بين الجوهر والأقانيم. وتعودُ إطالتُهم في الردّ على الملكانيين إلى أنّ هؤلاء كانوا أكثريةً بين المسيحيين في دار الإسلام، وإلى أنّ الأرثوذكسية هذه كانت دين الدولة في الإمبراطورية البيزنطية الخصم التاريخي للخلافة الإسلامية.
     والواقع أنه رغم الصرامة المنطقية المتجلية في الردود الإسلامية على عقيدة التثليث؛ فإنّ هناك ذلك الخُلْف في فهم الجوهر، وهناك الخلط بين الأقنوم والإله عندما يذهب بعضهم إلى أنّ القول بثلاثة أقانيم هو كالقول بثلاثة آلهة. ثم هناك غياب النظرة التاريخية للقول بألوهية المسيح وليس العكس.
     ثانياً: عقيدة التجسُّد: يُظهر المؤلّفون المسلمون – وبخاصةٍ     اليعقوبي المؤرّخ، والورّاق مؤرّخ الفِرَق، والقاضي عبد الجبار المتكلم – معرفة دقيقةً نسبياً بالمجامع وخلافاتها حول طبيعة المسيح( ).بل إنّ القاضي   عبد الجبار يحلل ((قانون الإيمان)) معتبراً أن الطوائف المسيحية الثلاث: الملكانية واليعقوبية والنسطورية تتفق في أنّ المسيح ليس بعبدٍ ولا نبيّ ولا رسول بل هو إله في الحقيقة، وهو ابن الله نزل من السماء وتجسّد في إنسان تام كاملٍ من مريم. وباتحاده تعالى بالمسيح ((حصلت للمسيح طبيعتان طبيعةٌ ناسوتية وأخرى لاهوتيةٌ))( ). فالابن ليس ابناً للأب على جهة النسل لكن كتولُّد الكلمة من العقل، وحرّ النار من النار، وضياء الشمس من الشمس. ثم يختلفون في طبيعة هذا التجسد ومتى حصل وكيف. ويذكر الأستاذ عبد المجيد الشرفي أنّ المسلمين سعوا لدحض عقيدة التجسد من ثلاث طرق: الاعتماد على النصوص القرآنية النافية لألوهية المسيح، وتأويل النصوص الإنجيلية بما يلائم المسيحولوجيا الإسلامية، ومناقشة تلك العقائد بالأدلة العقلية والبراهين المنطقية( ).
     في الجال الأول كانت سورةُ الإخلاص حاضرةً في الأذهان، وهي أساس المفارقة المطلقة بين الله والإنسان، بين الأزلي والمخلوق( ). وفي المجال الثاني كان هناك تركيزٌ على مجازية النصوص الإنجيلية تارةً، وتحريفها تارةً أخرى، أو صرفها عن ظاهرها بالتأويل لاستحالة القبول بالظاهر والنصي( ). وفي المجال الثالث عبَّر الناشىء الأكبر – في الكتاب الأوسط في المقالات – عن الرفض العقلي والمنطقي للفكرة بقوله: (( فإن صرنا إلى حجّة العقل لم نجد لقولهم إنّ الإنسان صار أزلياً، والأزلي صار إنساناً وجهاً البتة. لأنهما إن كانا ثابتين على ذاتهما غير مستحيلين فليس يصير هذا هو هذا بجهةٍ من الجهات. وإن لم يكونا ثابتين على ذاتهما فقد استحالا. وفاسد في العقل أن يستحيل البارىْ الأزليّ فيصير محدثاً لم يكن فكان، ويستحيل المُحْدث فيصير أزلياً لم يحدث))( ).
     ويفصّل الجداليون هؤلاء الدوافع والأسباب التي أدّت للقول بألوهية المسيح فيحصرونها في ثلاثة: كونه وُلد من غير أب، وإتيانه بالآيات العجيبة، وصعوده إلى السماء( ). ثم يحاولون دحضها سبباً سبباً؛ ليعمدوا بعد ذلك إلى نقد مقالات الفرق المسيحية الكبرى بالتفصيل واحدةً بعد أخرى مختصين الملكية أو الملكانية بالنقد الأطول كالعادة، للسبب الذي ذكرناه من قبل.
     والواقع أنّ الموطن الذي رأى فيه المفكرون المسلمون مجالاً للطعن في عقيدة التجسد فعمدوا لاستغلاله بأقصى طاقاتهم الجدالية؛ هو إصرار المسيحيين على أنّ التجسد سرّ لا سبيل إلى إدراك كُنْهه بالعقل البشري المحدود لا محالة، وغاية ما يستطيع العقل بلوغه هو تقريبه من الأفهام( ). بينما يرفض المفكرون المسلمون كل ما يتعارض والمعقول؛ وهو ما لا يمكن إقامة الدليل عليه بالبراهين العقلية( ).
ثالثاً: الصلب والفداء: في هذا المجال يستسهل المفكرون المسلمون( ) الأمر بالتركيز على تنافي الصلب مع الألوهية المفترضة للمسيح، كما أنهم يشككون في الصلب ذاته لعدم التواتر فيه. كما يستسهلون عقيدة الفداء بالقول إنه لا داعي للشعور الدائم بالإثم من ذنبٍ ما ارتكبه الإنسان الفرد إذ إنه لا تزر وازرةٌ وزر أخرى – حسبما ورد في القرآن. ثم إنّ الله رحيمٌ غفّار لعباده، فلا حاجة لفادٍ يخلّص من حقد إلهيّ على خطيئة ما ارتكبها ذلك الفرد( ). وبذلك فإنّ نفي ألوهية المسيح يؤدي إلى نفي الفداء، أي إلى نفي ما يرمز إليه الصلب وما اكتسبه من أبعاد في المنظومة اللاهوتية المسيحية. فبينما يرتبط الصلب أو يكتسب معناه بربطه بالقيامة من بين الأموات؛ فإنّ القرآن والمفكرين المسلمين يربطون بين حادثة الصلب أو عدمها وبين صعود المسيح إلى السماء مع السكوت عن قيامته( ).
     رابعاً: الكتب المقدّسة: يذهب سائر الجداليين المسلمين إلى أنّ التحريف وقع في الكتب المقدّسة عند المسيحيين تارةً بتحريف النص، وطوراً بالتحريف في التأويل( ). وفي مجال التحريف أو كتمان الشهادة يأتي استخراج المسلمين لنصوصٍ وإشاراتٍ من العهدين ((تبشّر)) بالنبي محمد مثل الفارقليط في إنجيل يوحنا (الإصحاح 14)، وإشارات أخرى كثيرة توسّع بعضهم في ذكرها أو تأويلها تأويلاً مناقضاً لفهم المسيحيين) (. على أن المسلمين – وقد توافرت لهم الإمكانيات في هذا الباب – لم يُعْنَوا بهذا المبحث عناية دقيقةً متتبّعةً رغم أنهم أفردوا له رسائل خاصة في بعض الحالات) ( وقد انتهت بهم بحوثهم في الكتب المقدسة المسيحية إلى النتيجة  المفاجئة التي ذكرها ابن قيم الجوزية في ((هداية الحيارى)) (ص186)، في أواخر الحقب الكلاسيكية للجدل – وهي: ((ما بأيدي النصارى من الدين باطلُهُ أضعاف أضعاف حقّه، وحقّه منسوخ))..أما ما نجده من عناية في هذه الناحية فتعود غالباً لمسيحيين اعتنقوا الإسلام مثل ابن رَبَّن الطبري والحسن بن أيوب، وعبد الله الترجمان، ويغيب لدى هؤلاء إلى حدّ كبير مبحثٌ اعتنى به الجداليون المُحدثون من المسلمين وهو مبحث إسناد الكتب المقدسة وتاريخيتها مقارنةً بالعناية بتوثيق القرآن وإسناد السنة.
     خامساً: التاريخ والعبادات والشعائر والأحكام والأخلاق: يتقدم القاضي عبد الجبار ( ت 415 هـ/ 1024م) سائر الجداليين المسلمين في عرض صورةٍ متكاملة لما يعتبره تطوراً تاريخياً باتجاه الانحراف عن الدعوة الأصلية للمسيح. فالمسيح من وجهة نظره جاء مصدّقاً لما بين يديه من التوراة، وعلى هذا كان أتباعه الأوائل في تحريم الخمر والخنزير وإجراء الختان، والاتجاه لبيت المقدس في الصلاة، وتحريم يوم السبت، وطقوس الذبائح والأضحيات. ثم ظهر بولس اليهودي الأصل، المتأثر بوثنية الروم وعاداتهم فحوّل الأجيال التالية من النصارى باتجاه عادات الروم وطقوسهم وأعرافهم. وتتفاوتُ عباراتُ عبد الجبار في أسباب ذلك. فهو يذهب تارةً إلى أنه قصد من وراء ذلك إلى إغراء الروم أو بعض فئات الناس (النساء مثلاً) باعتناق المسيحية. لكنه ما يلبث أن يتهمه بالتقصُّد في التحريف عبثاً وزندقةً وسوءَ. ويرى عبد الجبار أنّ هذا الانحراف استمرّ وتعمّق بإقبال القيصر قسطنطين ابن هيلانة على النصرانية؛ فأدخل على النصرانية سائر العادات الوثنية التي كانت سائدةً في المملكة، بحيث انقطعت صلة المسيحية باليهودية من جهة، وبالنصرانية الأولى من جهة ثانية( ).
     ويشترك القاضي عبد الجبار مع سائر الجداليين من المفكّرين المسلمين في نسبة قَدْرٍ كبير من التحريف والإفساد للمسيحية إلى القساوسة والأحبار وكبار رجال الدين( ). ومن هنا يأتي فهمهم للمجامع الكنيسية، على أنها اجتماعاتٌ من جانب رجال الدين الكبار عند المسيحيين للتحليل والتحريم؛ في حين يرى المسلمون أنه لا يجوز التحريم والتحليل إلاّ بأمر إلهي صريح ومُوحى. يقول القاضي عبد الجبار( ): ((... وهم في كل حين يجتمعون إذا أرادوا تحليل شيءٍ أو تحريمه، ويكون لهم فيه سنهودس – وتفسيره الاجتماع للتقرير – فيفعلون ذلك. فإذا تقادم عهده قالوا: هذا ما حرَّمته تلك الجماعة إلاّ بظهور آيةٍ أو معجزة)). ويضرب القاضي عبد الجبار ثلاثة أمثلةٍ لذلك( ):
- جواز الزواج للجثالقة والمطارنة بدايةً ثم تحريم ذلك فيما بعد.
- جواز الجمع بين الأختين في الزواج، ثم تحريم ذلك.
- جواز التزويج ببنت الأخ، ثم جرى تحريم ذلك.
    والواقع أنّ الجداليين المسلمين عندما اعتبروا المسيح نبياً كسائر الأنبياء، ما عاد بوُسعهم فهم العقيدة المسيحية في انفصالها عن اليهودية النصية. كما أنهم ما تصوروا عبادةً وطقوساً غير عباداتهم وطقوسهم هم أو الطقوس اليهودية التي عرفوها أولَ الإسلام. وما كان المسلمون يعرفون غير رجالات الفقه المجتهدين في الفروع، فما أمكن لهم التسليم لرجال الدين المسيحيين بالسلطات الواسعة التي كانوا يشهدون ممارستهم لها بناءً على الفهم المختلف تماماً لماهية المؤسسة الكنسية ودورها في الدين. والمعروف أنّ المؤسسة الدينية اليهودية تملك سلطاتٍ واسعةً أيضاً، فلا ندري لماذا لم يقولوا بأنّ المسيحيين ظلوا أمناء للميراث اليهودي في هذه المسألة؟!
     وقد كانت النظرةُ للرهبانية إشكاليةً لدى المسلمين بسبب الاختلاف في تفسير الآية الواردة بشأنها في القرآن. وقد كان الصوفية ينظرون إلى الرهبانية نظرةً إيجابية( )؛ لكنّ الجداليين المسلمين مجمعون في الحملة على الرهبانية باعتبارها مخالفةً للمتعارف عليه لديهم وفي عالم الإسلام بشكلٍ عام.
     والطريف أنّ الجداليين المسيحيين درجوا على تعيير المسلمين بالحرية الجنسـية التـي يشـرّع لـها دينـهم بالقـول بتعدد الزوجـات وبالتـسرّي. فيـعمد
الجداليون المسلمون إلى اعتبار القول بوحدانية الزوجة، وتحريم الطلاق، أموراً من تحريف رجال الدين المسيحيين. ثم يأخذون على المسيحيين عاداتهم الجنسية المتحرّرة، والتي تخالف تعاليم دينهم؛ متهمين المجتمعات المسيحية بقلة الغيرة والاهتمام بقضايا العرض والشرف؛ وهذا مع اعتراف القاضي عبد الجبار بأنّ المحصنات من المسيحيات تغلب عليهنّ أخلاق التعفُّف( ).
III
    عرضْتُ فيما سبق لجوامع آراء الجداليين المسلمين في المسيحية في العصور الوسطى. والصورة المستخلصة من هذه الآراء تعتبر المسيحية السائدة انحرافاً مُغرقاً في ابتعاده عن الدين الحقّ. وجليٌّ أنّ هذه الصورة ما كانت الوحيدة في المجال الإسلامي الوسيط فهناك الآيات القرآنية التي تُثني على المسيحيين لأنّ منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون . كما أنّ هذه الصورة الإيجابية كانت حاضرةً لدى الفئات ذات الصلة بالجوانب الدينية للحياة والسلوك مثل الصوفية الذين تشير كتب تأملاتهم وطبقاتهم (مثل حلية الأولياء) إلى آرائهم الإيجابية في الرهبانية على سبيل المثال. وهناك طبعاً الصورةُ التي تعرضها كتب أحكام أهل الذمة للعلائق القانونية أو العرفية بين المسلمين وأهل الكتاب داخل المجتمع الإسلامي؛ وهي صورةٌ غير محبَّبةٍ لكنها أفضل بما لا يقاس من تلك التي يعرضها الجداليون. ذلك أنّ كتب أحكام الذميين تقدّم اعترافاً للمسيحيين بدينهم وحياتهم وحرياتهم الدينية لا تسلّم لهم به كتب الجدل الإسلامي مع النصارى؛ هذا وإن يكن ذاك الاعتراف ناقصاً في بعض جوانبه الاجتماعية. ولا شكّ أنّ الانطباعات التي تتكوّن لدى الدارس من عروض المؤرّخين المسلمين، وكتب السمر والديارات ودوواوين الأشعار والأدب الشعبي؛ أدنى أيضاً إلى وقائع الحياة من صورتي الجداليين، وأصحاب كتب أهل الذمة على حدّ سواء. فيكون علينا هنا أن نسلّم بأنّ الإطلاقية والنهائية النابذة كانت على أشدّها لدى لاهوتيي ديانات التوحيد الثلاث على وجه الخصوص؛ وهي ما تزال كذلك حتى اليوم.
     على أنه ليس في هذا الاستنتاج عزاءٌ كاف( ). وبخاصة أننا نعلمُ أنّ الردود الإسلامية التي ازدهرت في القرنين التاسع والعاشر؛ ظهرت في أوساط جماعات مثقّفين متعقلنين ومتهلينين بدرجة أو بأخرى. ونعلمُ أنه كانت بين أولئك المثقفين على اختلاف دياناتهم علاقات حميمةٌ أحياناً، وأنه كانت لذلك الجدل آدابُهُ ومناهجُهُ التي يسلّم بها ولها الجميع. وقد كان هؤلاء يعرفون عن حياة ودخائل زملائهم ما يحول دون سوء الظنّ أو الشعور بالخطر في حقبةٍ وصلت فيها العلاقات بين الديانات والثقافات المختلفة إلى درجة من الاستقرار والاستتباب تحول دون توقُّع انقلابات مفاجئة تتهدد إحدى تلك الجماعات: فهل كانت تلك الردود والتنابذات في القرنين التاسع والعاشر بالذات عبثاً ثقافياً مجرّداً، ونشاطاً ذهنياً بحتاً يحتدم بين المثقفين كما يحدث في المجتمعات المعاصرة أحياناً؟ إنّ الذي يحولُ دون المضيّ في هذه التأملية الساذجة بعض الشيء الإدراك بأنّ الاعتراف بإنسانية الآخر وحريته الداخلية تقتضي احتراماً لاعتقاداته الأساسية لا نجدها في المجادلات الإنكارية الجاحدة من جانب المسلمين والمسيحيين آنذاك على حدّ سواء. فيبقى أن نقول إن قطيعةً من نوعٍ ما تسود بيننا وبين تلك الحقب الغابرة إلى حدّ يستعصي أحياناً على الفهم والاستيعاب، مهما حاولنا التوليف بين الاختلافات والنقائض، واعتبار السياقات التاريخية بحيث تبدو تلك الاختلافات متعقّلة ومفهومة.
     ولنعد قليلاً إلى السياق الجدالي الذي حاولنا تأمله فيما سبق، فنطرح عليه سؤالاً يبدو ساذجاً أيضاً لكنه غير بريء: ما علاقةُ الصورة الكلامية أو اللاهوتية بالقرآن؟ لا مجال للتوسُّع هنا في استقراء الصورة القرآنية للمسيحية والمسيحيين كما سبق أن ذكرت. لكنني أكرّر هنا أنّ الجدال الإسلامي مع المسيحية منذ القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، وحتى القرن الثامن الهجري/الخامس عشر الميلادي ما كان قرآنياً وإن بدت عناوينه الرئيسية قرآنية. فلا شك أنّ هناك تمييزاً قرآنياً من نوعٍ ما بين الدين المسيحي والمسيحيين. فالقرآن الكريم ينكر ألوهية المسيح، والتثليث، ويسلّم له بعد ذلك بكلّ ما سلّمت له به المسيحية – ويُعطي عن المسيحيين صورةً إيجابيةً بشكلٍ عامّ، معتبراً الديانة الإسلامية استمراراً من نوعٍ ما لها ولليهودية. أمّا الجداليون المسلمون فيتنكّرون كالقرآن لألوهية المسيح؛ لكنهم يمضون قُدُماً في تأويل وتعديل كل ما قرره له القرآن. ثم إنهم لا يسلّمون للمسيحيين بشيءٍ مما سلّم به القرآن حتى ما كان واضحاً وصريحاً في دفئه وإيجابيته( )!
     ودعونا نمضي إلى سؤالٍ آخَرَ أكثر التباساً: هل عرف الجداليون المسلمون المسيحية وهل تفهموها وتفكّروا فيها؟ لا شكّ أنهم عرفوا الكتب المسيحية المقدسة معرفةً جيدة، كما أنهم عرفوا تاريخها ونصوصها الأخرى معرفةً كافية، كما يتبين من دقائق تتبُّعهم لتلك النصوص. لكنهم ما تفهموها في الغالب ولا تفكَّروا فيها. فقد انصبّ نقدهم على نصوص الكتب المقدّسة والميراث المسيحي الاعتقادي والعُرْفي أو الكنسي. لكنهم ما فهموا أنّ جوهر المسيحية هو تجربةُ المسيح نفسه، ودخائل عجائبيتها وأسرارها.
     إنّ هناك موازاةً من نوعٍ ما أو تناظراً من نوعٍ ما بين المسيح في اعتقاد المسيحيين، والقرآن في اعتقاد المسلمين( ). فأهل السنة بالذات يعتقدون أنّ القرآن هو كلامُ الله القديم؛ الذي جاء في المأثور النبويّ عنه إنه لا تنقضي عجائبه! لكنّ هذا التناظرَ غائبٌ تماماً أو مغيَّبٌ أو من صنف اللامفكّر فيه (كما اعتاد محمد أركون أن يردّد) لدى الجداليين والمفسّرين المسلمين!
    على أنّ كل ما قدّمناه عن ظروف صعود الحركة الجدالية بين المسيحية والإسلام، والتي بدأها فيما يبدو يوحنا الدمشقي وتيودور أبو قُرّة؛ لا تجعل من الحقل الذي ازدهرت فيه واستمرت، واضحاً أو مقنعاً أو منطقياً. فالإسلام سرعان ما تحوّل إلى دولةٍ هائلة الاتساع والقوة. وأمة المؤمنين والمسلمين التي تحدّث عنها النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب المدينة، باعتبارها ((أمة واحدة من دون الناس))؛ وكانت تعدُّ وقتها حوالي الخمسة الآلاف نسمة، صار تعدادها منتصف القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، حوالي العشرين مليون نسمة: فلِمَ هذا الجدل الصاعق والخائف من المسيحية التي كانت دولتُها ما تزال تتراجعُ، ومجموعاتها في دار الإسلام تتضاءل عدداً وازدهاراً أمام تقدّم المسلمين، وتزايد أهميتهم السياسية والثقافية والحضارية؟
      لا يمكن الإجابةُ على هذا السؤال بشكلٍ وافٍ أو كامل. لكنّ جاذبية المسيحية في حيواتها الحانية، وسحر رهبانيتها وطقوسها؛ أمران لا يمكن إنكارُهُما، أو إنكارُ تأثيرهما في التراث العربي والوعي العربي. وقد كان للمسيحية ميراثٌ هائل من الكتابات والجماعات عندما ظهر الإسلام. وصحيحٌ أن دولتها ضعفت أمام الزحف الإسلامي لكنها لم تختفِ، وعادت لشيءٍ من القوة بعد القرن التاسع الميلادي. وقد أسهم المسيحيون في الحياة الثقافية والعلمية إسهامات بارزةً ترجمةً ونقلاً وإبداعاً. صحيحٌ أنّ ذلك كلّه ما كان كافياً لأن يبعثَ على الخوف أو التوجُّس؛ لكن ما كان من الممكن تجاهُلُهم بأيّ مقياس. ونحن نعلم انه رغم القطيعة الظاهرة في الجداليات فإنّ المسيحية أثّرت في سائر مناحي الحياة الدينية للمسلمين بما في ذلك الكلاميات والفقهيات والروحانيات؛ فضلاً على تأثيرها الذي لا ينكرُهُ أحدٌ في الحياة الثقافية بشكلٍ عام.
     ويبقى أمرٌ أرى أنه الأشدّ أهميةً وخطراً في تعليل ما نحن بصدد دراسته واستكناهه؛ لأنه متعلّق برؤية الإسلام لنفسه، ودوره في العالم، ومكانته في التاريخ القُدسي والملحمي للديانات ولبني البشر. فقد وضع القرآن والنبيُّ نفسيهما في سياق الميراث الكتابي والنبوي الإبراهيمي واعتبرا نفسيهما استمراراً وإكمالاً للديانتين الإبراهيميتين السابقتين. وبذلك كان الإسلام بحاجة منذ البداية لاعترافٍ من جانب أهل الكتاب، لكي يعتبروا قرآنه كتاباً مثل كتبهم، ورسولاً نبياً مثل أنبيائهم. وتأرجح العلاقات مع يهود المدينة دليلٌ واضحٌ على توتر العلاقة بسبب مسألة الاعتراف. وكذا الأمر في مسألة المباهلة مع نصارى نجران في آخر حياة النبيّ. وقد ظلّ ذلك كلّه حاضراً في وعي المسلمين ولاوعيهم حتى بعد أن صاروا أمةً ضخمةً وإمبراطوريةً ضخمة. وقد نشأ أدبٌ ضخم لديهم حول النبي والنبوة ينصبُّ كلّه على الدفاع عن نبيّهم ونبوته: نشأت مؤلفات الشمائل، ثم مؤلفات الخصائص، ثم مؤلفات المعجزات. وقد ضاقوا ذرعاً بتردد اليهود والمسيحيين في هذا الاعتراف رغم اعترافهم هم دينياً بالدينين السابقين بشكلٍ شبه كامل. وتدلُّ المحاورات المسيحية والإسلامية الأولى على جدّية المسألة وخطورتها بالنسبة للمسلمين؛ من أقصوصة المباهلة، وإلى حديث سعيد بن عامر مع رجل الدين المسيحي، وجداليات يوحنا الدمشقي وتيودور أبو قرّة، ومقابلات طيموثاوس، ومجالس المأمون، ورسالة الهاشمي إلى الكندي. وهي كلُّها أحداثٌ وأقاصيص تتطلب اعترافاً متبادلاً ما تحقق إلاّ في أحيان قليلة وتحت وطأة الإرغام بالقول إنّ محمداّ سلك في طريق الأنبياء، أو أنه نبيٌّ مبعوثٌ للعرب. ومن هنا ذلك البُعد الأسطوري والقصصي في كتب الشمائل والفضائل والخصائص النبوية: من الراهب بحيرا وإلى اعتراف الأحبار والرهبان، وبشارات العرّافين والكُهان، ومعجزات النبي محمد التي لا تقلُّ شأناً عن معجزات المسيح. ونحن نعرف أن النقض الأشدّ للمسيحية المتمثّل في محاولة القاضي عبد الجبار عنوانه: تثبيت دلائل النبوة – وملخّصه:    ما دمتم لا تعترفون بنا فنحن لن نعترف بكم! وقد ظلت هذه القضية إشكاليةً ومعقَّدة في السايكولوجيا الإسلامية إلى اليوم. لقد خفّفت من حدَّتها متغيرات المجمع الفاتيكاني الثاني، ومسالك البابا يوحنا بولس الثاني، لكنها عادت إلى الالتهاب منذ التسعينات من القرن الماضي، وظهرت خلال العقد الأخير بوضوح في الإسلاموفوبيا الواسعة الانتشار في الوجتمعات الأوروبية.

خاتمة
     يقول البروفسور عادل تيودور خوري في خاتمةٍ لدراسته الضخمة عن الجدل البيزنطي ضدّ الإسلام؛ في تقويم مسارات ذاك الجدل ونهاياته( ): ((إنهم لاهوتيون مسيحيون غرباء عن عالم الإسلام الثقافي، غير متعودين على مقولاته الدينية، يصرون على فهم القرآن حسب عالمهم الذاتي، وعلى ضوء آفاقهم اللاهوتية الخاصة...)). وهو حكمٌ يشاركه في إصداره الباحث التونسي عبد المجيد الشرفي لكن على الجدل الإسلامي ضد المسيحية. ولذا فإنّ قراءة الجدل الإسلامي ضدّ المسيحية، ينبغي أن تكون قراءةً تجاوزيةً مثل قراءتنا لسائر التراث العربي الإسلامي: الاستيعاب النقدي، والتجاوز، وليس إحياء التُراث.
     يقول أبو الحسن العامري في إحدى تأملاته لعلاقة الدين بالدولة عند الساسانيين والمسلمين( ): المُلْكُ بالدين يبقى، والدين بالمُلْك يقوى!
     لكن التجربة التاريخية الإسلامية تُثبت أنّ الدين دعم المُلْك؛ في حين ما أثّر ذهاب المُلْك على قوة الدين. فالأحرى بنا أن نُصغي لتأمليةٍ أخرى من تأمليات العامري تقول( ): إنّ الحقّ متاحٌ لمن أراد وأحبّ أن ينطق به...وعلى السبيل إلى الله أعلامٌ ظاهرةٌ وشواهد واضحة. ولن يعجز عن الوصول إلى الحق من سعى بصدق نيةٍ في طلبه!

name country