header
النهضة العُمانية التجديد الفقهي والإصلاح الديني(*)
بدأ بعض المثقفين  والعاملين في مجالات الإصلاح التربوي والاجتماعي والسياسي والإعلام، في أواخر القرن التاسع عشر، وفي مصر وأسطنبول وبيروت وزنجبار والجزائر وتونس، يُطلقون على نشاطاتهم مصطلح النهضة( ). وكانوا يقصدون بذلك الإقبال على مواجهة التحديات الناجمة عن الاستعمار الغربي، بتجاوُز أزمنة الركود والتقليد، وصنع المؤسسات الحديثة. ويمكن جمع المتغيرات التي كان هؤلاء الرواد يسعَون للقيام بها تحت ثلاثة عناوين: تجديد مشروع الدولة، والتجديد في فقه الدين، والتجديد في المجال الثقافي والفكري والتربوي( ). وبالطبع، وكما صار معروفاً؛ فإنّ التجديد في مشروع الدولة أو الشأن السياسي، بدأ قبل ذلك، أي في النصف الأول من القرن التاسع عشر. لكنْ سُرعان ما  ظهر أنه كانت هناك حاجةٌ مُلِحةٌ للإصلاح التعليمي والتربوي، والتغيير الثقافي. كما كانت هناك حاجةٌ للتجديد الديني أو الإصلاح الديني. بيد أنه سُرعان ما ظهر أيضاً أنّ ملفَّ الإصلاح الديني شديد العُسْر لثلاثة أسباب: التقليد العريق لدى سائر أتباع المذاهب الإسلامية والذي ما كان معظم العلماء العاملين من ضمنه ومن ضمن آلياته على مدى قرون، مستعدين للتخلّي عنه. بحيث بدا أنّ أولئك الداعين للإصلاح والاجتهاد والتغيير في هذا المجال كأنما يريدون التلاؤم مع الاستعمار، وإضعاف المقاومة التي كان الوضع السائد يشكّلها أو يمثّلها وسط الهجمة الغربية( ). أما السبب الثاني لعُسْر الإصلاح الديني فيتمثل بأنّ الإصلاحيين ما كانوا يمتلكون الاستراتيجية الملائمة، إذا اكتفوا بالهجمة على التقليد والدعوة لفتح باب الاجتهاد. وما كان التقليد مستنداً إلى مصالح مستقرة وحسْب؛ بل كان قد صار في وعي الناس هو الدين نفسُه، بحيث بدا الهجوم على الصوفية مثلاً كأنه هجومٌ على الدين. وهذا فضلاً عن هالة القداسة التي كانت تحيط بالمذاهب الفقهية ومؤسِّسيها. وأما السبب الثالث، وهو أهمُّ الأسباب من وجهة نظري؛ فإنّ الفقهاء الإصلاحيين ما كانوا يملكون منهجاً للتغيير، باستثناء القول بتجاوُز التقاليد الفقهية والدينية إلى الكتاب والسنة مباشرةً، وفتح الباب على مصراعيه للاجتهاد استمداداً من الكتاب والسنة. لقد تطورت على مدى قرون مناهج وأساليب للاجتهاد الفقهي، وللاستنباط الفقهي، واشتهرت على مدى قرونٍ أيضاً الطريقةُ القياسية في الاجتهاد أو استنباط الأحكام. وفي القرن التاسع عشر، كان هذا المنهج الكلاسيكي العريق قد تجمَّد، وما بحث الإصلاحيون في إمكانيات فتحه أو تحريكه أو تجديده مثلاً، بل أرادوا الاستبدال به، عودةً للكتاب والسنة كأنهم يبدأون من جديد، دون أن يطوّروا طرائق وآليات أُخرى إلاّ إذا اعتبرنا انفتاحهم على مسألة مقاصد الشريعة منهجاً أو مَعْلَماً للفهم والتقدير لعلائق الدين بالواقع( ). والذي حدث أنّ الحملات على التقليد على مدى خمسين عاماً زعزعتْه بالفعل. لكنّ الذين حلُّوا محلَّ التقليد كانوا هم السلفيين والإحيائيين القُدامى والجدد. فالإصلاحيون ما كانوا فئةً واحدة، بل فئتان رئيسيتان: السلفيون الجدد والتحديثيون. وعندما تصدّع التقليد صعد السلفيون، وصعدت التيارات الإحيائية العقَدية أيضاً، وهؤلاء صاروا خليطاً من أمزجةٍ مختلفة فيها الإصلاحي التحديثي، وفيها المعْنيون بالهوية، وفيها ذوو الاهتمامات القانونية. وهذه الأمزجة جميعاً يحدوها همٌّ واحدٌ هو استعادةُ الشرعية في الدين والمجتمع والدولة. وهذا الميل الإحيائي العَقَدي هو أَصْلُ ما صار يُعرفُ بالإسلام السياسي( ).
لقد شارك فقهاء ومفكرو وإعلاميو الإباضية في النهضة. بل ربما كان احدهم ( أبو نبهان الخروصي) هو الذي أعطاها هذا الاسم( ). وبالطبع فإنّ بيئاتهم تنوعت بتنوع حضور جماعاتهم بين الجزائر وشرق إفريقيا وعُمان. ويريد الأستاذ ويلكنسون( ) أن يقسّم زمن النهضة الإباضية إلى قسمين. المرحلة الأولى (1750-1850)، وهي مرحلة نهوض سياسي وتجاري وانتشار، والمرحلة الثانية (1850-1930) وهي مرحلة صعود فكري وفقهي وانخراط في الأجواء العربية والإسلامية العامة المعادية للاستعمار. والأستاذ ويلكنسون يسمّي المرحلة الثانية هذه مرحلة الإباضية الجديدة، أو الـ neo- Ibadism والتي تتميز بالتقارب الفكري والسياسي بين الإباضية والمذاهب الإسلامية الأُخرى وانفتاح بعضها على بعض. إنّ هذا التقارب فتح فضاءاتٍ في النشاط الصحفي، والنشر بالقاهرة، ومعالجة موضوعات متشابهة بطرائق متقاربة. وإذا كان هذا ديدنَ ممارسي النشاط الإعلامي والثقافي والسياسي في الصحف والمجلات( )؛ فإنّ العلماء مثل إطفيّش والسالمي تواصلوا أيضاً. ويخبرنا العلاّمة نور الدين السالمي، في "تحفة الأعيان"( ) عن حجته إلى مكة، ولقائه بعلماء المذاهب السنية، وجلْبه كتب الفقه والأصول من هناك( ). وإطفيِّش نشر في عدة بلدان، وترحَّل بين عدة بلدان. لكن ذلك كلَّه ما حوَّل الإباضية إلى سلفيين جُدُدٍ، ولا أدّى لديهم إلى حملةٍ تشبه الحملة الصاعقة على التقليد التي قادها الإصلاحيون السنة المتسلِّفون آنذاك، لا في الفقه ولا في العقائد. وإلاّ فكيف يهتم العلاّمة السالمي بالتأليف في خَلْق القرآن، وهو موضوعٌ خلافيٌّ قديمٌ جداً. والأمر ذاته يمكن قوله عن  إحياء فكرة الإمامة. فإمامةُ السلفيين هي إمامةُ الكتاب والسنة، بينما كانت الإمامة الصاعدة لدى الإباضية تذكّر بخصوصيتهم التقليدية التي ظهرت في القرن الثاني الهجري، وظلّت على مدى العصور ترتفع فكرتها أو تهبط إلى ان شهدت إحياءً آخَرَ أو متجدداً بعد منتصف القرن التاسع عشر، وعلى نهج الإمامة الإباضية الوسيطة، والتي تختلف عن الدولة الدينية الجديدة، دولة تطبيق الشريعة والإمامة والخلافة التي يحاول أُصوليو السنة والشيعة إقامتها منذ عقود( ).
لا أقصِدُ هنا إلى الاختلاف مع الأستاذ ويلكنسون وأمل غزال، بل أهدف لأمرٍ آخر تماماً، وهو تأمُّل مآلات النهضة والإصلاح لدى الاباضية، مقارنةً مع النهضة والإصلاح لدى أتباع المذاهب الفقهية السنية.
إنّ أهمَّ المؤلَّفات الفقهية الإباضية في مطالع القرن العشرين، أي زمن النهضة أو مرحلتها الثانية الأكثر ازدهاراً هي مؤلَّفات إطفيّش( شرح النيل) والعلاّمة السالمي الفقهية والأصولية وفتاويه. وفي ذلك الزمان، كان الإصلاحيون السنة التحديثيون والسلفيون يشنون هجومهم الأقوى على المذاهب الفقهية وتقاليدها. أمّا عالما الإباضية الكبيران؛ فإنهما أقبلا على ممارسة التأليف الفقهي بالطرائق التقليدية، بل وممارسة الاجتهاد بالطرائق التقليدية أيضاً. وما اقتصر الأمر على اطفيّش والسالمي، بل تناول ذلك أيضاً شيوخهما وزملاءهما وتلامذتهما. لقد أقبلوا على كتابة المتون في الفقه والأصول والعقائد نثراً وشعراً، كما أقبلواعلى شرحها، مكتشفين أو مستكشفين إمكانيات التقليد وفضائله. وهم عندما كانوا يفعلون ذلك، ما ترددوا في استخدام كل التراث الحديثي السني، وكل التراث الفقهي والأُصولي السني. وهذا في الوقت الذي كان فيه زعيم الإصلاح الإسلامي الشيخ محمد عبده يريد إخراج فقه المذاهب كلّه من الأزهر، ويعتبر شيوخ الأزهر بتقليديتهم خطراً على مستقبل الإسلام.
ولكي لا أبقى في حيِّز العموميات أودُّ أن أتأمل " طلعة الشمس، شرح شمس الأصول"( ) للسالمي في أربعة أمور: ترتيب الكتاب، وعمله على الإجماع والقياس، واهتمامه بالتراث الحديثي والفقهي. أما الأمر الرابع فهو اجتهاداته ضمن المذهب، وبالمقارنة مع المذاهب الأُخرى.
يبدأ السالمي الكتاب بالبحث في الأدلة الشرعية وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس( ). وضمن مباحث ركن الكتاب الأول، يدرس مثل الأُصوليين الآخرين النهي والمطلق والمقيَّد والعام والخاص والمشترك والتخصيص والمحكم والمتشابه. ثم ينصرف لدراسة المباحث اللغوية المعروفة عند الأُصوليين وأولها الحقيقة والمجاز، وتنتهي مباحث الركن بفصلٍ طويلٍ عن النسخ. وفي ركن السنة، يدرس أقسام الحديث وأنواعه، وحكم شرع مَنْ قبلنا، وحجية مذهب الصحابي. وفي الركن الثالث يدرس الإجماع وأنواعه(قولي وسكوتي). ثم يصل إلى ركن القياس فيطيل فيه وبخاصةٍ في مباحث العلة. وهو يعبتر" الاستدلال" ركناً خامساً، ويضع تحته مباحث الأدلة الفرعية مثل الاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة، وتعارُض الأدلة. أمّا بعد ذلك فإنه ينغمس في بحوث الحكم الوضعي والتكليفي. والحديث عن المحكوم به والمحكوم عليه( ). وبخلاف الأُصوليين الآخرين فإنه يعقد خاتمةً في الاجتهاد، شروطاً ومواصفات، واحتمال خلوّ بعض الزمان من مجتهد، وعندها يجوز تقليد الميِّت( )!
وفي المسألة الثانية: الإجماع والقياس. فإنه يعقد للإجماع فصلاً وازناً وينصر أدلة مشروعيته ووقوعه. ويلفت الانتباه إلى أنّ القياس مثبتٌ للحكم وليس كاشفاً له وحسْب. وهو بذلك لا يختلف في مسلكه هذا عن بقية المؤلفين في الأصول.
أما المسألة الثالثة؛ المتعلقة بالحديث النبوي، والتراث الفقهي فإنه يستشهد بالصحاح الستة دونما حرجٍ أو تردد. في حين يُطيلُ في مباحث العلة في القياس، شأن الأًصوليين الآخرين. إنما اللافت أنه يمر على "المصالح المرسلة" مروراً سريعاً، دون أن ينسى الاستشهاد بآراء المثبتين والنافين، وقد استشهد السالمي بزُهاء الستمائة حديثٍ وأثر في مقارباته.
أما الاستشهاد بالفقهاء الآخرين فحدِّث ولا حرج. وهو يسلك في ذلك أحد مسلكين. إما أن يذكر المذاهب، وإما أن يذكر علماءَ أفراداً في شتى المذاهب. وفي ثلثي المسائل والحالات، فإنّ الشيخ يوافق على آراء المذاهب والأفراد بعد نقاش. أما الثلث الثالث فهو فيه مجتهدٌ مستقل. ويتميز الشيخ بذكْر مصادره بدقة، وهو يستحضر الموروث الفقهي الإباضي كلّه، ومعظم المتداوَل بين العلماء من تراث المذاهب الأُخرى بما في ذلك الزيدية( ).
وهو لا يبدو متردداً إزاء الاجتهاد، شأن علماء عصره من المذاهب الأُخرى. وليست عنده عقدةٌ في الموافقة أو المخالفة لما لا يقتنع به. وهذا ظاهرٌ على خير نحوٍ في فتاويه. فحتى في الفتوى يذكر آراء مختلفةً للإباضية وغيرهم، وهو يوافق الإباضية في حوالى الستين بالمائة من الحالات. والمذاهب الاُخرى بمقدار عشرين بالمائة على وجه التقريب، وتبدو استقلاليته في عشرين بالمائة من الحالات. والملاحظُ أنّ الحالات الجديدة في الفتوى قليلةٌ عنده، لكنه في الجديد أو الطارئ يبقى غالباً مستقلاً بالفتوى عن تراث المذهب، وعن الفقهاء الآخرين. وقد  تابعتُهُ في مسائل حسّاسة مثل التحسين والتقبيح، ومثل خبر الواحد، فوجدْتُ أنه يقول بالتحسين والتقبيح الشرعيين( )، كما يعتبر خبر الواحد حجة، وأنه يوجب العمل دون العلم( ).
إنّ هذا يعني أنّ فقهاء النهضة العُمانية ما تنكّروا للتقليد، بل إنهم فتحوه على مصراعيه للاجتهاد الذي لم يقفَلْ بابُهُ عندهم عبر العصور. وقد استعانوا في فتْحه أو استمرار فتحه بالمورايث الفقهية والأُصولية للمذاهب الأُخرى. بيد أنّ السالمي ما تعرض مباشرةً لمسألة الاجتهاد وعلاقتها بالتقليد، مصرِّحاً بذلك إلاّ في مسألتين. يقرر السالمي في العلاقة بين المجتهد والعامي أو العوام كما يقول( ): " إنّ كون الخطأ غير مأمون في أقوال المجتهدين مُسَلَّمٌ في غير الظنيات. أما في الظنيات فالصوابُ أنّ جميع أقوال المجتهدين صواب"! ومن الصعب الإيجاب على العامي الاجتهاد في الظنيات. أما في القطعيات فالأمر صعبٌ أيضاً، لكنْ قد لا يكون هناك مناصٌ من الاتباع. وهو يقول في جواز تقليد العوام للعلماء: " تواتر إجماع السلف على ترك نكير تقليد العوام للعلماء من غير مانعٍ لهم من الإنكار..". وهكذا فإنّ للفقيه والمفتي دوراً كبيراً لدى السالمي، واطفيِّش. بيد أنّ ذلك مشروطٌ بالشروط القديمة للاجتهاد، والتي توارث علماءُ المذهب التربّي عليها وبلوغها. ولذلك ما نشأ لديهم تأزُّمٌ شديد نتيجة انقفال التقليد، أوالافتراق بين الفقهاء والعامة أو بين المفتي والجمهور.
ماذا يعني هذا كلُّه؟
إنّ لاختلاف الأمر لدى الإباضية في القرن العشرين؟ هناك عدة أساب: أولها: أنّ  التقاليد الفقهية الإباضية كانت أوسع وأكثر رحابة، وأكثر إصغاءً على مدى التاريخ لدعوات وضرورات التجدد والانفتاح. وثانيها أنّ الجماعة الإباضية ظهرت في أوساطها الدولة منذ زمنٍ مبكّرٍ، فبقيت فكرة الدولة باعتبارها حاكماً وضابطاً قوياً، بحيث – ورغم الصراع بين الإمامة والسلطنة- تبادلت الحفظ والتضامُن مع الدين والمذهب. وثالثها أنّ الجماعة الإباضية صغيرةٌ نسبياً، وفي أزمنة الشدة والخطر فإنّ الجماعات الصغيرة تتماسك وتحرص على صَون النفس والمجال.
يُطْلِعُنا هذا العرضُ الموجزُ إذن على حقيقة أنّ "النهضة" كانت حالةً  أو دعوةً إسلاميةً عامة. وهي واجهت في مرحلتها الثانية التحدي الاستعماري العسكري والديني والثقافي، وتطورت وتغيرت استجابةً له. لقد واجهت سائر المجتمعات الإسلامية بطرائق متشابهة ظاهراً، لكنّ النتائج أو المآلات جاءت مختلفة. وأقصِدُ بالاختلاف مسألة التقليد الفقهي أو الاتجاه الرئيسي أو الـ Main Stream، فبسبب الاستعمار والحداثة وقع التقليد الديني العَقَدي والفقهي لدى السنة والشيعة تحت ضغوطٍ شديدةٍ فحصلت فيه تصدعاتٌ أدَّت في النصف الثاني من القرن العشرين إلى انزياحه بقوةٍ عن ساحات وبيئات الاعتبار والحجية لدى الجمهور. فقد تراجع اعتبار المذاهب الفقهية السنية، وظهرت من خلال تشققات التقليد الأصوليات الجهادية والسياسية. أما لدى الشيعة فقد تراجع تيار اعتزال النظام السياسي والمسالمة والتقية لصالح الإمامة وولاية الفقيه الجديد أو حجيته المطلقة. أمّا لدى الإباضية؛ فإنّ النهضة شهدت انفتاحاً للتقليد اتسم بالتواصُل والتلاؤم، واستخدام علم الأُصول الكلاسيكي في الاجتهاد بطرائق ناجعة. وهكذا فإنّ المذهب ما شهد حتى مطالع القرن الحادي والعشرين تصدُّعاً في التقليد واستمراريته، ولا في العلاقات بين المفتي والجمهور( ). ولذلك فإنه حتى تيار استعادة الإمامة ما لبث طويلاً، وما كان عنيفاً في ظهوره، ولا كان انتشاره واسعاً.





name country