header
سياسات الدين في أزمنة التغيير

I
قرأتُ تعبير "سياسات الدين" لأول مرة في عنوان كتابٍ، عام 2003، والكتاب من تأليف الباحث المصري المعروف نبيل عبد الفتاح وهو بعنوان: "سياسات الأديان، الصراعات وضرورات الإصلاح". ثم صدر كتابٌ يحمل عنواناً مشابهاً للباحث الأميركيScott Heppard  عام 2007، وعنوانه: "سياسات الدين والدول العلمانية، نماذج مصر والهند والولايات المتحدة ". في الكتاب الأول يحاول نبيل عبد الفتاح أن يحلِّل كيفيات صنع القرار في المسائل الدينية بمصر أيام الرئيسيين السادات ومبارك. وهو يتحدث عن عدة مصادر أو مؤثّرات في صناعة القرار الديني في الأربعين عاماً الأخيرة، ومن بينها المؤسسات الدينية ذاتُها، والسلطات السياسية، والإعلام، والرأي العام المسلم والقبطي، والمحيط الدولي والإقليمي. وهو يحمِّل النظام السياسيَّ مسؤولياتٍ سواء لجهة الرهانات والخيارات، أو للجهات السياسية والاجتماعية. لكنه أيضاً يحمِّل المؤسسات الدينية الإسلامية والقبطية مسؤولياتٍ كبرى متعلقة بطبيعة الفكر الديني الذي ساد، وبالخضوع للقرار السياسي ولضغوط وسائل الإعلام والرأي العام. وهكذا فإنّ عبد الفتاح يعتبر أنّ هناك مشكلاتٍ كبيرةً أحدثت لأول مرةٍ توتراتٍ دينيةً في مصر في القرن العشرين، ويرى ضروراتٍ للإصلاح لمعالجة التوترات، ولتحديدٍ أوضح لعلائق المؤسسات الدينية بالسلطات السياسية.
أمّا أُطروحة سكوت هيبارد فهي مختلفة. فبعد مقدمةٍ خفيفةٍ عن علائق الدين بالسلطات السياسية في الأزمنة المعاصرة، ينصرف لتحليل أسباب ظهور الأُصوليات التي أحدثت توتراتٍ في البلدان الثلاثة: مصر والهند والولايات المتحدة. والدول الثلاث  فيما يرى هي دولٌ علمانية أوغير دينية. لكنّ النظام السياسي فيها ديمقراطياً كان أو غير ديمقراطي، على حدٍّ سواء،عمد أو عمدت أحزابٌ سياسيةٌ فيه إلى استخدام الحساسيات الدينية لزيادة شعبيتها من طريق إرضاء الجمهور المتدين. هكذا فعـل الحـزب الجمهـوري بالولايات المتحدة، وهكذا فعل حـزب المؤتمر الهنـدي وزعيمته أنـديرا غانـدي في فترتها الثانية. وهكذا فـعل الرئيـس أنور السادات بمصر في نظر الباحث الأميركي هيبارد أكثر من نبيل عبد الفتاح إذن يحمِّل النظام السياسيَّ في دولٍ ديمقراطيةٍ وعلمانيةٍ مثل الولايات المتحدة والهند، مسؤولية صعود اليمين الديني، بالسياسات التي اتخذتها وتتخذها الأحزاب السياسية في سياق التنافس، دون أن تقدّر العواقب التي تنجُمُ عن ذلك. لكنّ عبد الفتاح وهيبارد لا يُنكران أنه ومنذ الستينات والسبعينات من القرن الماضي ظهر زمنٌ أو ظهرت حقبةٌ يمكن تسميتُها أو تسميتُه بالزمن الديني أو الحقبة الدينية. وبذلك فإنّ الأنظمة أو الأحزاب السياسية تكونُ قد ركبت الموجة إذا صحَّ التعبير، ولم تصنعها. ومرةً أُخرى يرى عبد الفتّاح أنّ المؤسسات الدينية التقليدية ينبغي لها وعليها أن تُواجه تلك الاُصوليات التي تُهدِّدُ الدين والاستقرار الاجتماعي، أو تجعلهما موضع نزاع. بينما يرى هيبارد أنّ على السلطات السياسية ومن أجل الاستقرار وسلامة الحياتين السياسية والاجتماعية، أن تلتزم الحياد الصارم تُجاه الدين ومؤسساته، كما هو شأنُ العلمانيين الصادقين!
II
ما أعجبتني تعبيراتٌ مثل سياسة الدين أو إدارة الدين منذ بدأْتُ بقراءتها في الدراسات والمقالات أواخر السبعينات من القرن الماضي. لكنّ الواقعَ أنّ الدين أو الإسلام بدأ بالتفجر بين يدي السلطات والمؤسسات الدينية منذ السبعينات، وقد بلغ مع القاعدة والزرقاوي وداعش ذروة تفجره. والسؤال المُلحّ ليس منذ الآن، بل منذ أكثر من عقدين: لماذا هذا العنف كلُّه باسم الدين، وكيف يمكن التعامُلُ معه من جانب السلطات والمؤسسات الدينية بعد أن هدَّد الدين والمجتمعات والدول، ومن أين أتت الظاهرة، وما هي مآلاتها؟ وكلُّ هذه الأسئلة والاستشكالات، يمكن أن تُعالج وتوضَع تحت عنوان: سياسات الدين. ولذلك اضطُررت لاستخدام التعبير كما سيتبين من الفقرات الاستنتاجية في هذه المطالعة.
لقد تنبَّه إلى الظواهر الجديدة الراديكالية في الإسلام المعاصر الباحثون الأجانب قبلنا. أذكر أنّ الأنثروبولوجي المشهور Ernst Gellner كتب مقالةً عن الإحيائية الإسلامية بالجزائر عام 1972. والإحياء الذي اكتشفه يشمل الصوفي والأصولي العنيف وغير العنيف. وفي العام 1973 كتب زبغنيو بريجنسكي- الذي صار مستشاراً للأمن القومي أيام الرئيس كارتر – عن إمكان استخدام "الحركات الدينية الجديدة في الإسلام" وهكذا سمّاها، في مُصارعة الشيوعية. وحتى قيام الثورة بإيران على الشاه؛ فإنّ الباحثين عندما كانوا يكتبون عن الإحيائيات أو الحركات أو الأصوليات، كانوا يقصدون بها الاتجاهات الدينية الجديدة لدى الشيعة والسنة. لكنْ بعد مقتل الرئيس السادات عام 1981، واستتباب الأمر لدولة ولاية الفقيه بإيران، ما عاد أحدٌ يتحدث عن الأُصوليات إلاّ في الإسلام السني. وتتخذ كلُّ الأُصوليات لنفسها منذ الثمانينات عنواناً أو عقيدةً سلفية. لكنّ كتاب الثورية الإسلامية الأول في نظر الباحثين هو كتاب سيد قطب: معالم في الطريق (1964)، وهو كان ثورياً لكنه لم يكن سلفياً. وأول التمردات العنيفة باسم إقامة الدولة الإسلامية، كان تمرد صالح سرية ومحاولته احتلال الكلية الفنية العسكرية بالقاهرة عام 1974، وسرية كان من حزب التحرير، ولم يكن سلفياً. لكنّ "جماعة المسلمين" التي نُبزت بلقب: "التكفير والهجرة" وقامت بقتل وزير الأوقاف المصري عام 1977، اعتبرت نفسها سلفيةً، وكذلك تنظيم الجهاد الذي قام بقتل الرئيس السادات. ولنتأمَّل بعد هذا الملمح الدالّ ملمحاً آخر. فالخروجُ على السلطات السياسية، اقترن في مصر بالذات، بتحدِّي المؤسَّسة الدينية، أي الأزهر، الذي كان وزير الأوقاف محمد حسين الذهبي أحدَ أعلامه. بينما حاولت السلفيات الجديدة بالمملكة تجنب الصدام المباشر بالسلطات في البداية، أمّا اصطدامها بالمؤسسة الدينية فتأخر إلى ما بعد النصف الثاني من التسعينات.
بعد أحداث جماعات العنف بمصر في السبعينات مباشرةً حدث تمرد جُهيمان العُتيبي بالمملكة 1979-1980، مضيفاً لحركات الإحياء الديني العنيف بُعداً جديداً هو البُعدْ المسياني أو النشوري. والبُعدُ المهدويُّ هذا ما كان وارداً كثيراً في الحركات الدينية السنية، بعكس الحركات الدينية الشيعية. ولذلك، أي لهذا الظهور أسبابه المختلفة والمستجدة والتي سأعودُ إليها في القسم الثاني من هذه المطالعة. ثم جاء "الجهاد الأفغاني" على مدى الثمانينات وما بعد، فكان حاسماً في مصائر الأصوليات السنية الصاعدة لعدة جهات: إحداث استنفار شامل في الإخوانيات والسلفيات الجديدة كلّها، واتخاذ المواجهة العنيفة بالسلاح أُسلوباً لمناضلة النظام العالمي بأقطابه جميعاً باسم الدفاع عن الإسلام، والاستماتة في سبيل الحصول على أرضٍ تُقامُ عليها الدولة البديلةُ أو الموعودة. ومن ضمن مقولة استعادة دار الإسلام هذه جرى الارتداد إلى الدواخل العربية والإسلامية بعد الهجمة على الولايات المتحدة مباشرةً. وبذلك اكتسب العنفيون الجدد هؤلاء كُلّ سِمات الانشقاق الديني من جهة- ومن جهةٍ ثانيةٍ ما عاد يمكن فهمُ المُجريات والتحركات من جانب حملة هذه الظاهرة من خلال الخطاب أو الخطابات التي ينادون بها، بل صارت هناك سايساتٌ دوليةٌ وإقليميةٌ هي التي تعمل بالاختراقات وإعادة التوجيه على التحكم بالتصرفات وأحياناً بالأفكار والأولويات. وفي حين حاولتُ في كتابي "سياسيات الإسلام المعاصر" الصادر عام 1997 أن أفهم الظاهرة الإسلامية وأصولها الفكرية، درسْتُ في كتابي: "الصراع على الإسلام" الصادر عام 2005، تطورات انفجار الظاهرة وتأثيرات السياسات الدولية فيها وعليها.
مسألةُ الأصوليات الانشقاقية في العقود الأخيرة، إشكاليةٌ بعيدةُ الغَور، وتعود إلى الثلث الأول من القرن التاسع عشر؛ عندما بدأ علماء الهند يتساءلون هل ما تزال الهند دار إسلام؟ وسط غلبة شركة الهند الشرقية البريطانية على سائر الشؤون في السلطة المغولية. وكانوا بذلك يستعيدون جدالاتٍ فقهيةً جرت عدة مراتٍ عندما صارت دار الإسلام تتناقص من أطرافها من الحروب الصليبية وإلى سقوط صقلية في أيدي النورمانديين فإلى سقوط الأندلس. وركائز الشرعية الإسلامية التاريخية في الزمن الإمبراطوري، كما هو معروفٌ الوحَدات الثلاث: وحدة الدار، ووحدة الأمة، ووحدة السلطة. وقد كانت الفتوى دائماً عندما تتهدد إحدى الوحدات أو تزول بضرورة الجهاد فإن تعذر أو صار متعذراً فبالهجرة من الدار التي صارت دار كفر إلى دار الإسلام. ولأنّ سلطان الهند المغولي ما عاد مستقلاً بالسيطرة على مملكته؛ فإنّ الشرعية فقدت أحد أركانها، ومن أجل ذلك توالت الفتاوى بالجهاد، وحدثت عشرات التمردات، إلى أنّ حدثت واقعةُ العام 1857م التي كانت نتاج تمردٍ شاملٍ شارك فيه السلطان أيضاً، بحيث سُحق عشراتُ الألوف بالمدافع البريطانية، فتكاثرت بعدها فتاوى الهجرة وظلّت تصدر حتى العام 1920. وإلى أين كان على الفلاّحين المساكين أن يهاجروا؟ إلى بلاد الأفغان، التي فشل الروس والبريطانيون في احتلالها! وخلال حوالي المائة عام ما وصل إلى دار الإسلام تلك غير آلافٍ قليلة، إذ كانت تتخطف معظمهم العصابات وقُطّاع الطرق، وهذا إن لم يموتوا جوعاً وعطشاً. وظلَّ هاجس الشرعية قوياً لدى فقهاء التقليد في أحداث الاستعمار الأوروبي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين: من الجزائر إلى السودان، إلى آسيا الوسطى، والبوسنة والهرسك، وبلاد البلقان .. وجزر الملايو ونواحي إفريقيا المسلمة التي قامت فيها خلافةٌ جهادية صارت دار هجرة، وأخيراً الهجوم الإيطالي على ليبيا عام 1911، والمسار دائماً: الجهاد فالمذابح ففتاوى الهجرة بحثاً عن الشرعية ودار الإسلام في بقاعٍ أُخرى.
وبالطبع ما كان هذا النمط في التفكير والتصرف أو ما ظلَّ سائداً. وفي ظلّ الاستعمار كما هو معروف، ظهرت حركاتُ مقاومةٍ وطنية وإسلامية هي التي حققت الاستقلال في النهاية. لكنْ برزت أيضاً حركاتٌ فكريةٌ صارعت التقليد الفقهي بسبب جموده من جهة، وللعودة إلى المنابع الصافية أو الكتاب والسنة. لقد انتشر شعار فتح باب الاجتهاد إما بتأثير الغزو الأوروبي، أو بتأثير السلفية الطالعة بنجد، وبعد ذلك باليمن والهند والمغرب. وفي النهاية، وفي الرُبع الأول من القرن العشرين تحطّم تقليد المذاهب الفقهية. وحصل فراقٌ بين إصلاحيي التحديث والسلفية المعتصمة بالكتاب والسنة. بيد أنّ مسألة الشرعية لم تجد حلاًّ في أذهان المتشددين إلاّ في دولة الملك عبد العزيز آل سعود. ولذا فإنه عندما ألغى مصطفى كمال الخلافة عام 1924، حدثت مناحاتٌ وتفجعات، وأين؟ في الأقطار التي ما كانت تحت السيطرة العثمانية مثل الهند ومصر والجزر الإندونيسية. والطريف أنّ السلفيين فقط لم يفجعهم زوال الخلافة الشكلية تلك، بسبب الشرعية المتحققة في ديارهم في دولة الملك عبد العزيز. وكانت للدول الوطنية الناشئة في حقبة ما بين الحربين وبعدها جماهيريةٌ جارفة في البداية. لكنّ القلّة المفجوعة بالاستعمار، والمنجذبة إلى فتاوى وأدبيات الجهاد والهجرة، والخائفة على الهوية من الهَول الغربي، والتي ما عادت تستطيع الاستناد إلى تقليدٍ دينيٍّ صلبٍ كان قد تحطّم تحت وطأة الحداثيات والإصلاحيات والسلفيات- هي التي انصرفت خارج المملكة العربية السعودية إلى إنشاء جمعياتٍ لصون الهوية، ومواجهة أخطار الحداثة، مثل الجمعية الشرعية، والإخوان المسلمين، والشبان المسلمين، والشبيبة الإسلامية في بلاد الشام، والجماعة الإسلامية بباكستان. وبحسب الكفاءة والشخصية القيادية، والقدرة على اجتذاب الشباب الغاضب أو الضائع، أقامت تنظيماتٍ صلبةً يحدوها وعيٌ واحدٌ ووحيد هو استعادةُ الشرعية التي صار زوال خلافة بني عثمان رمزاً ماثلاً لها. ولا ينبغي الاستخفافُ بأحداثٍ مثل ضياع فلسطين، وانفصال باكستان عن الهند، وتأثيرات ذلك في الوعي المتحفّز والمفجوع. فالإخوان المسلمون قاتلوا في فلسطين آتين من مصر وسورية. والذين دخلوا في "حركة الخلافة" من الهنود، وأصدروا فتاوى الجهاد والهجرة، عمل معظمهم على إقامة "الرابطة الإسلامية" التي كانت وراء الدعوة لانفصال المسلمين عن الهند بدولة خاصةٍ بهم بحجة أنه لا ولايةَ لغير المسلم على المسلم!  وكان ذلك فأْلاً سيئاً بشأن إمكانيات التعايش بين المسلمين وغيرهم بلا غالب أو مغلوب.
إنهزمت سبع دولٍ عربيةٍ خاضت الحرب في فلسطين. وضاع مليونان وأكثر على الطريق في ملحمة إقامة الدولة الباكستانية. وجاءت الضربة القاصمة في الوعي والواقع في الزمن الثاني للدولة الوطنية العربية والإسلامية.

III
لدينا إذن عدة ظواهر في القرنين التاسع عشر والعشرين، ولَّدت أحاسيس ضاربةً في الأعماق بفقد الشرعية الدينية في الاجتماع الإسلامي: من الاستعمار الذي انتهك الولاية والسيادة، وإلى التغريب الذي ولَّد مخاوفَ على الهوية، وإلى حركات التجديد الإصلاحي والسلفي التي ضربت التقليد الفقهي بما في ذلك فقه العيش، فإلى زوال النظام القديم الذي كانت الخلافة آخِر مظاهره الشكلية، فإلى الأحداث العاصفة في القرن العشرين وأهمُّها تأثيراً في الوعي ضياع فلسطين، وقيام دولة المسلمين المنفصلة في شبه القارة الهندية. وهما مشكلتان ما أمكن للدولة الوطنية في مرحلتها الأولى( 1920-1950) حلَّهما. وكُلُّ ذلك أدّى إلى ظهورٍ قويٍّ للحركات الإحيائية، حركات الهوية ذات الوعي الانفصالي. وفي البداية كان وعياً بضرورة الانفصال عن الخارج المُعادي بالمعاني الدينية والثقافية والإنسانية؛ ثم تطور إلى فصامٍ وانشقاقٍ بدواخل الأفراد والمجتمعات والدول في النصف الثاني من القرن العشرين.
قضى الصراع على فلسطين على الدولة الوطنية العربية في مرحلتها الأُولى. وقضى الانفصال الباكستاني على الدولة الوطنية في المجال الإسلامي في مرحلتها الأولى أيضاً. ومع ذلك فقد ظهرت آمالٌ كبارٌ لدى جمهورٍ واسعٍ في الدولة الوطنية العربية والإسلامية في زمنها الثاني، أي الزمن العسكري والأمني. وهو الزمن الذي ارتفعت فيه شعاراتُ الوحدة والحرية والتحرير والسيادة والتنمية والحياد الإيجابي. ففي ما بين العامين 1949و1972 ساد العسكريون العرب والمسلمون في أربعٍ وعشرين دولة في العالمين العربي والإسلامي. ثم تراجعت الآمالُ أو انقضَتْ في الدولة الوطنية العربية بهزيمة العام 1967، وفي الدولة الوطنية الإسلامية بهزيمة باكستان أمام الهند وقيام دولة بنغلادش عام 1972. وما سقطت أنظمة العسكريين العرب والمسلمين بزوال المشروعات وانكسارات الجيوش والأيديولوجيات؛ بل إنها تحولت إلى أنظمةٍ أمنيةٍ قامعة، انضوت في ترتيبات الحرب الباردة وصراعاتها وتجاذباتها ورهاناتها.
وفي الزمن العسكري والأمني هذا حدثت على المستوى الديني ثلاثة أمور: الصحوة الإسلامية التي عنت سمتيةً صارمةً في العقائد والشعائر والعبادات واللباس والعادات الاجتماعية. وكأنما عنى ذلك تعويضاً عن الإحساس بالغربة والفُقدان ولواذاً بظواهر الدين وحرفياته أو ما اعتُبر كذلك. والأمرُ الثاني المتلازم مع ظاهرة الصحوة والسمتية، ظهور نظرية النظام الإسلامي الكامل الذي تعلوه رؤية الحاكمية، ويتفرع إلى أغصان عقائدية في النظام السياسي، والاقتصاد والاجتماع وصولاً إلى أدقّ التفاصيل. والنظام الكاملُ هذا يؤكّد على الانفصال عن نظام العالم، وعن نظام الدولة الوطنية المتفرع عنه. وذروتُه كما سبق القول الحاكمية، وقاعدتُه تطبيق الشريعة. وقد شارك في اصطناع النظام العقائدي هذا في مرحلته الحالية أو المعاصرة السلفيون الجدد في روحه الداخلي، والإخوان المسلمون في معالمه الظاهرة: الروح السلفي الجديد، والجسد الإخواني، يشكلان معاً النظام الإسلاميَّ الكامل الكفيل بإحقاق الشرعية الكاملة. ولا يظنَّنَّ أحدٌ أنّ في ذلك عودةً إلى التقليد، اي إلى التجربة التاريخية الإسلامية.  لقد توهَّم ذلك القوميون واليساريون فانصرفوا إلى اصطناع أُطروحاتٍ كاملةٍ في لعن التقليد والنعْي عليه، ومن القرآن إلى الشافعي وأحمد بن حنبل وأهل الحديث والغزالي والأشاعرة والوهّابية.. وما نجا من هجماتهم الشيخ محمد عبده الذي كان من كبار خصوم التقليد كما نعرف!
إنّ الشريعةُ هي الدين، والدعوة إلى تطبيقها وليس إلى إصلاح ما اختلَّ مَثَلاً، يعني أنّ المسلمين المعاصرين لا دين لهم. ثم إنّ النظام السياسي العقائدي المطلوب منه أن تكونَ مهمتُه الرئيسية تطبيق الشريعة، ما كان عند أهل السنة حنبليهم وأشعريهم ومعتزليهم من أركان الدين بما في ذلك الخلافة. فالإمامةُ عند أهل السنة مصلحيةٌ وتدبيريةٌ وليست من أُصول الدين. لقد حدثت تحت أبصار علمائنا ومثقفينا عمليةٌ ضخمةٌ لتحويل المفاهيم لا علاقة لها بالتجربة التاريخية، ولا بالتقليد. وآخِر تلك الخنزوانات إعلان قيام دولة الخلافة للمرة الثانية. فأمير المؤمنين الاول كما نعلم كان المُلاّ عُمر زعيم طالبان!
إنّ السؤال أو الاستشكال الذي يَعْرِضُ هنا لا يتعلق بالتحول الإخواني نحو رؤية الحاكمية، ونحو فكرة الانفصال أو الانشقاق. فلذلك أساسٌ في التحويلات المفهومية التي بدأت عند حسن البنا، وفي التأثر بفكر المودودي الفصامي- وأخيراً بالمواجهة التي خاضوها مع النظام السياسي المصري في عهديه الملكي والجمهوري. بل السؤال هنا عن التحول السلفي الجديد من مسألتين: مسألة العنف بالداخل الإسلامي، ومسألة الدولة فالخلافة. فالسلفيةُ بعامةٍ كانت تنبذ العنف الداخليَّ بقوة، وتنبذ تكتيكات مواجهة الحاكم بالقوة. ثم إنها شديدة الحرص على مثال " الجماعة" الواحدة. وقد كانت السلفيةُ عزيزةً بالمملكة، وما واجهت ولا ووجهت في أي مكانٍ حتى الثمانينات والتسعينات. ثم إنّ السلفية الوهابية على وجه الخصوص ما انجذبت للخلافة ولا للدولة العثمانية خلال قرنين وأكثر. وقد اعتبرت دولةَ الملك عبد العزيز مكتملةَ الشرعية. بل يقال إنّ الملك عبد العزيز ما استحسن الدخول في تحركات استعادة الخلافة عندما عُرضت عليه بعد العام 1924. ولذا فالذي أُرجِّحُهُ حصولُ تلاقُح متبادَلٍ بين الأجيال الجديدة من السلفيين الذين صاروا حركيين، وبين الإخوان. فالإخوان اتجهوا لتشددٍ عَقَدي سلفي تحت وطأة المواجهات، وتطورات الحرب الباردة، والسلفيون الجدد انجذبوا للنموذج المفترض للدولة الإسلامية الكاملة الذي اصطنعه الإخوان عبر ثلاثة عقود. أمّا العنف المدمِّر فيبقى صعب التفسير، وإن تكن التجربة الأفغانية (الناجحة) قد أثرت فيه كثيراً!
إنّ الأمر الثالث، أيها السادة، في مجال تشخيص الظاهرة الإسلامية، في زمن الدولة الوطنية العربية الميمونة هو: إنفجار الدين بأيدي السلطات والمؤسسات الدينية والعلماء والمثقفين والمجتمعات، وهو انفجارٌ- كما سبق القول- توالت فصوله منذ السبعينات بمصر، وإلى القاعدة، وطالبان أفغانستان، وطالبان باكستان، فإلى الزرقاوي وداعش! وقد صارت هذه الظاهرة المهولة تهديداً حقيقياً لديننا ولأمتنا ولدولنا ومجتمعاتنا!

IV
لنجمع الخيوط، ولنتجه إلى موضوع "سياسات الدين" قبل الاضطراب البادئ في السبعينات من القرن الماضي وبعده.
لقد كانت هناك ثلاثةُ أنماطٍ من التعامُل مع الدين ومؤسساته قبل الانفجار: النمط الأول هو نمطُ الحفظ والاستتباع. بمعنى أنّ المؤسسات الدينية التي تتولى قيادة العبادات، والتعليم، والفتوى، والإرشاد العام، ما ضعُفت أو أُضعفت في الدول العربية الكبرى مثل المملكة العربية السعودية، ومصر، والمغرب. بل بالعكس فإنها تضخمت في أجهزتها ومعاهدها ومرافقها وقُدُراتها وإمكانياتها، وبدعم الدول والتنسيق معها. لكنّ الدول العربية القوية، حرصت أيضاً على الولاء الكامل من جانب تلك المؤسسات، وبخاصةٍ خلال حِقَب التوتُّر التي بدأت في الستينات وتفاقمت في السبعينات. وقد وصل هذا المطلب إلى حدود الاستتباع. وفي الوقت الذي أثار ذلك تملمُلاً في صفوف كبار رجالات المؤسسات وصغارهم؛ فإنه أحدث تخلخلاً في حجية المؤسسات تجاه فئات المجتمع الشابة، وتُجاه المتغربين من الفئات الاجتماعية. وقد أفادت الاتجاهات الحزبية الإسلامية من تناقُص الحجية فطرحت نفسها بديلاً. وظهرت للحزبيات مدارسها الخاصة، وأجهزة إفتائها الخاصة بل ومساجدها الخاصة.
أما النمط الثاني فهو نمطُ الإقصاء والإضعاف للمؤسسة الدينية ورجالاتها، وفرض رقابة شديدة على تحركها. وقد حدث ذلك في كل الدول ذات الأنظمة العسكرية والأمنية باستثناء مصر مع الأزهر. وكان العذر في ذلك عدم قدرة تلك المؤسسات على مجاراة  برامج الأنظمة التقدمية التحديثية والاشتراكية، أو أنها ذات توجُّهٍ رجعي غيرعصري، أو أنها تداخلت مع الحزبيات الدينية الجديدة. وقد أدَّى ذلك إلى بروز ظاهرة الخصخصة الدينية، بمعنى أنّ المجتمع صار يُنتج قياداته الدينية التي ما عادت تعملُ في العلن، كما أدَّى إلى إفادة الأصوليات والحزبيات من ضعف المؤسسة لتطرح البدائل أيضاً. وقد حاولت السلطات العسكرية والأمنية بعد ظهور الأُصوليات استرضاء رجالاتِ المؤسسة أو رجالاتٍ منها لمواجهة المتطرفين والعنف باسم الدين. لكنّ ذلك جاء بعد فوات الأوان لأنّ الجهات الجديدة كانت قد تمكّنت.
أما النمط الثالث من أنماط العلاقة بين السلطات والمؤسسة الدينية، فهو نمط الحياد الإيجابي أو السلبي. وهذا النموذج أو النمط عرفته عدة دولٍ عربيةٍ في الخليج وخارجه مثل موريتانيا ولبنان والأردن إلى حدٍ ما.
وقد لاحظت أنّ الإحيائيات والأصوليات كانت أعنف ما يكون في بلدان النمط الثاني، نمط إضعاف المؤسسة الدينية وتهميشها. في حين كانت الأصوليات متوسطة القوة في بلدان نمط الاستتباع. وكادت الأُصوليات أن لا تظهر في بلدان النمط الثالث، وهو النمط الذي عملت فيه المؤسسات الدينية القائمة بشكلٍ شبه طبيعي.
لكنّ هذا التشخيص الذي يتوخَّى الاستقراء والتصنيف من أجل الفهم لا يكون دقيقاً تماماً إلاّ إذا لاحظنا أنّ المؤسسة الدينية ذاتها ما كانت بالغة التوهُّج في فكرها وعملها، وبخاصةٍ في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة. فهي أمّا تمثّل التقليد القديم الذي كان قد تحطّم أو شارفَ وسط استنزافات الإصلاحيين والإحيائيين والأنظمة والثورانات الدينية المتنوعة، والعواصف التي أحاطت بنظرة العالم إلى الإسلام- أو بعض الأعراف الهشة غير المستقرة للعلاقة بين الدين والدولة. وقد اضطرت في المواجهات المفروضة عليها إلى المزايدة أحياناً بما لا تسمحُ به اعتدالياتُها ومهامُّها التوسطية. كما اضطُرَّت في أحيانٍ أُخرى إلى انكفاءٍ كئيبٍ كاد الناس معه ينسَون وجودَها. وقد قال لي شيخ الأزهر السابق في مناسبة: نحن نملكُ وظائفَ ومهامّ، أما الوظائف المتمثلة في العبادات والتعليم والإفتاء فنحن قائمون بها ولو في حدِّها الأدنى. وأمّا المهمات، فأحسبُ أننا لا نقومُ بشيئٍ فيها.
بين الطغيان والعنف باسم الدين، والهجمة الطائفية الإيرانية، والسياسات الدولية، يكونُ من العبث أو التجاوُز الحديث عن سياساتٍ للدين. لكنّ الانفجارَ الحاصلَ لا يُبقي مقالاً لقائل تفلسفاً أو انتقاداً. نعم، نحن محتاجون إلى سياساتٍ للدين ذات ثلاث ركائز أو معالم: إعادة بناء المؤسسات الدينية لكي تستطيع القيامَ بالوظائف وبالمهام، والتصدي النقدي والمستنير لعمليات تحويل المفاهيم، واستعادة العقل والرشاد إلى إدارة الشأن العام.
ولقد كنتُ أرى أنّ الصَلاح الديني ينبغي ويمكن أن يتقدم على الصلاح والإصلاح السياسي. وفي الكتيِّب الذي أصدرتُه في مايو عام 2004 بعنوان: "مقالة في الإصلاح السياسي العربي" كنتُ ما أزالُ أرى ذلك؛ باعتبار أنّ الديكتاتوريات العربية لن تزول ما دام الأميركيون حاضرين بالمنطقة بعسكرهم ودبلوماسيتهم، وسياساتهم غيرالحسّاسة تُجاه مصالح الناس. لكنني اليومَ ، بل ومنذ سنتين صرتُ إلى الرأي الذي ما أزال عليه  إلى اليوم: الإصلاح السياسي ينبغي أن يتقدم على إصلاح الشأن الديني، أو أنّ الإصلاح السياسي وبخاصةٍ في دول الأمنيات والعسكريات هو الذي يجعل الإصلاح الدينيَّ ممكناً . وما أقصِدُهُ أنّ أحد أهمّ أسباب هذا الافتتان بالدولة الدينية في العقود الثلاثة الأخيرة، هو الفشل الذريعُ الذي عانت منه الدولةُ الوطنيةُ العربيةُ في زمنها الثاني، زمن الأنظمة العسكرية والأمنية. فالناس ينشئون دولاً لصَون المصالح الخاصة والعامة. لكنّ الأنظمة الطغيانية والفاسدة في دولٍ عربيةٍ رئيسية فشلت في صون المصالح والكرامة الوطنية، كما فشلت في تحسين عيش الناس واحترام حقوقهم وإنسانيتهم. ووسط طغيان السمتيات الدينية التي اتخذت طابعاً شعائرياً غلاّباً، وبروز رؤية الحاكمية وتطبيق الشريعة، والبنوك اللاربوية، ومثالات العدالة الراشدة؛ كلُّ ذلك أحدث لدى الجمهور تطلعات للاستبدال بالدولة الوطنية الفاشلة في زمن القتل والطائفيات والهزائم أمام إسرائيل- دولةً دينيةً بحثوا عنها في إيران وأفغانستان وحتى في جُزُر القُمُر! ولذا فإنّ الذي رأيتُه في كتابي الأخير:" أزمنة التغيير، الدين والدولة والإسلام السياسي"(2014) أنّ أول الطريق للإصلاح الإسلامي، يكونُ بتصحيح مسار الدولة الوطنية، كما طالبت حركات التغيير العربية(2011-2012) قبل أن يستولي العنف المسلَّح عليها من الأنظمة والإيرانيين والمتطرفين. إنّ إقامة الأنظمة الحافظة لأمن الناس ومصالحهم، تُجدِّدُ الوعي الإيجابي بالدولة والنظام، وتصرف الشبان عن التطلع للدولة الموهومة التي كانت فصاميةً وصارت قاتلةً باسم الدين الذي تدّعي العمل على إحقاق عدالته ووحدته واستقامته!  
ولن أُطيلَ في هذا المجال، لأنه بالتأكيد مجالٌ عامٌّ، ومثارٌ للتفكير والعمل هذه الأيام من جانب آلافٍ من أهل العمل السياسي والفكري في العالم العربي. ويتحدث كثيرون هذه الأيام أيضاً عن مواصفات الدولة الوطنية العربية الموعودة، ومن ذلك أنها ينبغي أن تكونَ دولةً مدنيةً أو علمانيةً، - والقصد التأكيد على لا دينيتها. وبالفعل فإنّ الدولة تعمل على إدارة الشأن العام، أو أنها كما حدّد الفقهاء الحنابلةُ السياسة العادلة أو الشرعية-:  القيام على الأمر بما يصلحه بحيث يكونُ حالُ الناس أو الرعايا أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد. وهي ليست دينيةً، بمعنى أنها لا تملكُ نظامَ عصمةٍ وحُرمةٍ مثل العقائد أو العبادات أو الأخلاقيات. لكنني لا أفهمُ الاشتراطات التي عاد المثقفون وعاد مفكرو الأقليات والحداثيات لاصطناعها. نحن جزءٌ من العالم المعاصر، وأقرب في تجربتنا التاريخية والحديثة إلى بعض التجارب السياسية السائدة فيه. وتجارب الدول ذات الأنظمة الدينية أو شبه الدينية مثل إسرائيل وإيران، ليست قريبةً من مثالاتنا أو تجاربنا القديمة والحديثة. وقد ذهب الأزهر في وثيقته عن مستقبل نظام الحكم في مصر(11 يونيو، 2011) إلى القول بالدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية، وذكر تفصيلاتٍ كثيرةً في معنى كل مفرد، وانتهى إلى أنّ الدولة  الموصوفة بهذه السِمات، ليس فيها ما يخالف القضايا الكلية المستخلصة من النصوص الشرعية القطعية الثبوت والدلالة، بوصفها المعبِّرة عن الفهم الصحيح للدين. نحن بأشدّ الحاجة إلى النظام السياسي الذي يعيد الاحترام والثقة لفكرة الدولة، لكي لا يظلَّ الناسُ مهجوسين أو ضائعين بين الطغيانيات والداعشيات والإيرانيات والفوضى الضاربة لكلّ خُلُقٍ أو أمنٍ أوحُرمةٍ أودين. وكما سبق القول، ولأنّ الدولة همُّ الناس جميعاً وليست شأننا وحدنا؛ فلننتقل إلى ما يمكننا فعلُهُ نحن أهل العلم والدين في أُمورٍ نحن الأَولى من غيرنا في القدرةعلى القيام بها.
إنّ ما أقصِدهُ بذلك: نقد التحويلات الهائلة للمفاهيم الدينية، والتي أدخلت الدين في خضمّ الصراع على السلطة، عندما أدخلتْه في بطن الدولة. بدأ الأمر في السبعينات بالتحويل الهائل في مفهوم الجهاد وممارسته. بحيث صار "الجهاد في سبيل الله" أداةً في الصراع السياسي الداخلي، يتقدمه التكفير وإحلال الدم، ويتلوه القتل والخراب والفتنة والإرهاب. وكان هذا الأمر بداية الانشقاق العقدي والفقهي عن جماعة المسلمين. وإذا كان بعض هؤلاء المنشقّين والفِرَقيين قد ادّعوا السلفية؛ فإنّ آخرين من غيرهم كانوا قد قالوا بحتمية الحلّ الإسلامي. وحتميةُ الحلّ الإسلامي، كانت تحاول لسوء الحظّ والفهم مواجهة حتمية الحلّ الاشتراكي. والإسلام دينُ الأمة، والاشتراكية أيديولوجيا سياسية واقتصادية. وقد جرى التنظير للنظام الإسلامي من قبل  بآياتٍ قرآنيةٍ وأحاديث، وبرؤية الحاكمية. لكنّ "الحتمية" تعني اتجاهاً للصراع، واعتبار عدم تطبيق الشريعة وإقامة الدولة إهمالاً للواجب الديني. وما كانت للفتوى في موروثنا الفقهي هذه القوة. لأنه كانت هناك تقاليد عامة غالبة، تُضعِفُ من تأثيرات فتاوى الأفراد. ولنتذكَّر اجتهادات شيخ الإسلام ابن تيمية والمقاومة التي واجهتْها حتى من جانب فقهاء المذهب الحنبلي، بسبب رسوخ التقاليد المذهبية. أمّا في عقدي السبعينات والثمانينات؛ فإنّ التقليد المذهبي كان قد سقط اعتباره منذ مدةٍ طويلة. ولذلك أمكن للشادين من العلم الديني أن يتحولوا إلى مجتهدين ومفتين حتّى لو نال ذلك من ثوابت الدين والجماعة وفقه العيش. وكما سبق القول؛ فإنّ الشريعة هي الدين ذاتُه بعقائده وعباداته وأخلاقه ومعاملاته. وعندما يقال ومن جانب علماء كبار(وإن لم يكونوا كثيرين ) بحتمية الحلّ الإسلامي، أي بالمصير إلى تطبيق الشريعة من طريق إقامة الدولة الإسلامية؛ فإنّ ذلك يعني تغييراً هائلاً في ثوابت الدين ومفاهيمه الأساسية، خروجاً على عصمة الجماعة، وإدخالاً  للدين بشكلٍ مباشرٍ في عمليات الصراع على السلطة. لقد أردْتُ بطبعي المشاكس عام 1994 فيما أذكر التصدّي لصاحب الحتمية الإسلامية عندما كان جالساً في أحد المؤتمرات إلى جانب كبيرٍ من أهل الدولة المضيفة، وهو يتحدث عن واجب مُناصحة ولي الأمر، فقلتُ له عندما جاء دوري في الكلام: لكنك تقول يا سيدي في صفحة 146 من كتابكم عن حتمية الحلّ الإسلامي، إنّ مناصحة أولياء الأمور ما عادت تكفي أو تُجزئ، وإنه لا بد من أداء الواجب النضالي والجهادي! وما تلعثم  الرجل ولا تردَّد، بل قال: خاب سعيك يا رجل لا تُحدثْ فتنة، فالفقرة التي ذكرتَها تعود للطبعة الثامنة والعشرين، والكتاب الآن في نشرته الخامسة والأربعين، وقد حذفْتُ الفقرة منه!
لقد صارت الشريعةُ حاكمية، وصارت واجبة التطبيق، وعلى الفتيان الذين آمنوا بربهم وزادهم الله هدىً واجبُ تطبيقها ليسودَ أَمْرُ الله. وكيف يكونُ ذلك؟ بالمجاهدة، ولو أدّى ذلك إلى قتال العالم كُلِّه، لأنه قتالٌ عن الدين وإحقاقِه بعد أن تكالب عليه الأعداء، وتركه معتنقوه جهلاً  أو غفلةً أو كفراً. وهذا معنى التحويل الهائل والدخول في علميات الصراع على السلطة، باعتبار النظام السياسي ركناً من أركان الدين، ولا بد من الاستيلاء عليه لتطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية! ماعادت مهمةُ النظام السياسي إدارة الشأن العام، بل صارت مهمتُه الرئيسية إعادة الدين إلى المجتمع، وبالطبع فإنّ الدين يملك نظاماً سياسياً عادلاً ومعصوماً. وقد افترق شبانٌ في السجون وخارجها عن الإخوان، ومارسوا الانشقاق علناً كما سبق القول. لكنّ الرؤية واحدة. وبسبب التلاؤمات التي أحدثوها، وبسبب عدم الإقبال على العنف، كسبوا شعبيةً حتى في أوساط الفئات الوسطى المتدينة التي كانت تكره الفساد في الدولة. بيد أنّ هذه الأوساط المعروفة بالاعتدال هي التي ذهبت للإخوان وليسوا هم الذين أَتَوا إليها. وقد ظلُّوا طويلاً تحت سقف النظام، لكنهم كانوا يعودون في الانتخابات إلى شعاري تطبيق الشريعة، والإسلام هو الحلّ. وبهذين الشعارين اكتسحوا الانتخابات بعد ثورة يناير عام 2011. وما فشلوا في إدارة الدولة المصرية بسبب إقدامهم على تطبيق الشريعة، بل بسبب بعدم كفاءتهم. بيد أنّ عمليات "تحويل المفاهم" صارت من الثوابت. وكانت بين أسباب اندلاع الإسلام الجهادي من جديد، واستعلاء العنف من جديد، وصولاً لخلافة أبي بكر البغدادي، بعد خلافة المُلاّ عمر!
كيف نخرج بديننا ودولتنا من عمليات تحويل المفاهيم، وإدخال الدين في بطن الدولة والنظام السياسي؟ المثقفون العرب كباراً وصغاراً فشلوا في هذه المهمة، ليس بسبب قلة معرفتهم بالإسلام، بل بسبب سوء فهمهم للظاهرة الإسلامية. فهم اعتبروا كلَّ دعاوى الإحيائيين الحزبيين عودةً للتقليد المفوَّت والرجعي. ولذلك أقبلواعلى إنتاج أُطروحات ضخمة في نقض التقليد، كما أقبل بعضهم على تأويل القرآن تأويلاً تقدمياً ليحرموا الإخوان والجهاديين من إساءة استعماله. فلا بُدَّ  إذن من الاعتماد على العلماء الوسطيين الذين يعرفون الإسلام جيداً، والذين يرون في إدخال الإسلام في بطن الدولة خطراً على الدين. وقد صمد كثيرون من العلماء في وجه الأُصوليات والتحويلات. لكنّ كثيرين منهم أيضاً سقطوا في المُزايدات مع الإسلاميين. وفي كلّ الأحوال ما حصلوا على ثقة الجمهور، الذي ظلَّ سلبياً في معظمه على أيّ حال، رغم ضغوط الأنظمة والمتطرفين على حدٍ سواء. ولذلك لا بد من العودة للمحاولة بعد أن صار الجهاديون هؤلاء خطراً على الدين. وإذا كانت المواجهة الأمنية ضروريةً أمس واليوم وغداً حفظاً للمجتمعات والدول؛ فإنّ هذه الهبَّات والهَيعات ستظلُّ واردةً في المستقبل بسبب عمليات تحويل المفاهيم بالذات. ولنتذكَّر أنه حتى أولئك الذين أنكروا على البغدادي خلافته، قالوا إنّ إنكارهم يعود لعدم انطباق شروط البيعة عليه، وليس لأنّ الخلافة ليست ركناً من أركان الدين! ولذلك أيضاً وأيضاً لا بد من مواجهة عمليات تشويه المفاهيم وتحويرها أو تظلّ المجتمعات عرضةً للانقسام والتشرذم، ونوشك أن لا نصلّي معاً، وأن يظلَّ قسمٌ من شبابنا (مهما بلغ صِغَرُه) يعتبر الدولة والشأن السياسيَّ أمراً دينياً واجب التحقيق. وإذا صار اعتبار الإمامة أو رئاسة الدولة شأناً دينياً لا يستطيع المسلم أن يتخطّاه؛ فلننظر ماذا يحلُّ بديننا وشأننا السياسي إذا وصل للسلطة مُرشدٌ أو مرشَّحٌ لحزبٍ ديني، يعتقد أنه مكلَّفٌ بتطبيق الشريعة، ويعبترأنّ مخالفيه عصاةٌ أو مرتدُّون يجب قتالُهُمْ!
ويبقى أمر المؤسسة الدينية، وواجبها ومسؤوليتها في القيام بوظائفها ومهماتها على نحوٍ يعيد الشبانَ إليها، وتعود هي إليهم. قلنا إنّ المؤسسات الدينية تملك في معظم الدول الإسلامية، وفي ديار الاغتراب أربع  وظائف هي: قيادة العبادات، والتعليم الديني، والفتوى، والإرشاد العام. أمّا مهماتُها فتتجاوزُ ذلك إلى تمثيل الدين الإسلامي في العالم، وتجاه الديانات الأُخرى. والمؤسسات الدينيةُ اليوم على ثلاثة أنواع: قسمٌ ما تزال بنيته سليمة، وقسمٌ تخلخلت بنيتُه، ونال منها الكلل أو الجمود. وقسمٌ  ثالثٌ لم يعد موجوداً بسبب الاضطهاد أو القصور الذاتي.  وفي الحالات كلّها، لا بُدَّ من إعادة البناء للإقدار على ممارسة الوظائف والمهامّ. وإعادة البناء هذه تكونُ بالجَهد الذاتي، وبالنهوض، وبإدراك الأخطار الواقعة بالدين والمجتمع. وقد كانت مؤسساتُنا الدينية مستقلةً لاعتمادها على الأوقاف، ووجوه الخير والبرّ التي يقدّمها المجتمع. وما عاد شيئٌ من ذلك قائماً، أو من تلك القسمة بين أرباب السيوف، وأرباب الأقلام. وهكذا لا بد أن تتلاقى الإرادات والقدرات بين الدول والمجتمعات لاحتضان الدين ومؤسساته، وتمكين رجالاته من أداء أدوارهم التي لا غنى للمجتمعات والدول عنها. وفي المدى المنظور لا بد أن تتحول المؤسسات الدينية إلى هيئاتٍ كبرى أو قوةٍ كبرى من قوى المجتمعات المدنية، لا تُعادي السلطات كما لا تتبع لها. فبصراحة إنّ الإدارة المشتركة للشأن الديني بين النظام السياسي والمؤسسات الدينية لم تنجح . والطرفان مسؤولان. ومسؤوليتنا نحن أهل العلم الديني الآن أكبر وأَوجع؛ إذ كيف تطورت هذه العملية الضخمة من تحويل المفاهيم عبرعقودٍ وعقود دون أن يكون هناك اهتمامٌ حقيقي بالنقد والمتابعة والتصحيح ورفض الغلو والتشويه والتكفير والجهاديات العشوائية. إنه أمرٌ إلهيٌّ استجبنا له نحن أمة أهل العلم، ويكون علينا القيام  بمقتضياته: { ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلـحون}. وهكذا يكون على مؤسساتنا الإصرار علـى أداء وظائفها ومهامِّها التي نـذرت نفسها لها، وبطرائـق جديدة ما دامـت القـديمة قـد فشـلت أو أفلست. لقد قـال الماوردي(-450هـ) في "الأحكام السلطانية" عن الإمامة إنها موضوعةٌ لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا. فالدين يُحرَسُ، ومعنى حراسته- كما قال المارودي أيضاً-: حفظ الدين على أصوله المستقرة. وهذا نضالٌ بالداخل والخارج يحتاج إلى الحزم والفهم والانضباط من جانب السلطات، وإلى انتهاج الاعتدال والوسطية، كما يحتاج للروح النهضوي في البرامج التربوية والتعليمية، وفي الإعلام، والخطاب الديني؛ وهذه جميعاً أمورٌ هي من شأن أمة أهل العلم والدعوة للخير والمعروف.
نحن نعلم أن الجهاديين بمصر بدأوا أعمالهم المشينة بقتل وزير الأوقاف المصري، الشيخ محمد حسين الذهبي. وقد عادوا إلى خِصلة قتل رجال الدين الذين قاوموا تطرفهم في سورية في عهد خلافة البغدادي. وقد قُتل عدد من العلماء على أيدي السلطات أو الميليشيات بلبنان وسورية والعراق أيضاً. فمهمةُ رجل العلم الديني خطِرةٌ وصعبة. لكنّ فيها صوناً لديننا ومجتمعاتنا عن مزالق التطرف والفوضى. وقد كان الإمام علي(رضي الله عنه) يعجب من يقظة الخائن، وغفلة المُحِقّ. ويعجب من جراءة أهل الباطل على باطلهم، وتخاذُل أهل الحق عن المطالبة بحقهم!
إنّ مؤسساتنا الدينية ينبغي أن تتحول إلى ورشة عملٍ في تغيير البرامج، وفي التخطيط للدعوة وتجديدها في المساجد، وفي رؤيةٍ أُخرى للعلائف بين المؤسسات وتبادل الخبرات، وفي الإفادة من التجارب السابقة، ومن ضمنها تجربة العقود  الماضية مع السلطات. ثم ماذا ترى المؤسسة في مسائل العيش الوطني، والحوار الإسلامي- المسيحي البادئ قبل سبعين عاماً. وقد طُرحت مبادراتٌ في هذا الشأن آخِرها مبادرة الملك عبد الله بن عبد  العزيز  لحوار الأديان والثقافات؛ فكيف يمكن فهمها والإفادة منها؟ لقد صار كثيرون من أهلنا يخافون من ديننا، فكيف بالأجانب؟ نحن لا نريد أن نخيف العالم، ولا أن نخاف منه.
نحن محتاجون للمعرفة، ومحتاجون للشجاعة؛ ومحتاجون قبل ذلك وبعده للاحتساب: {وإنه لذكرٌ لك ولقومك وسوف تُسألون}.  


--------------
(*) محاضرة أُلقيت بمركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية، بالرياض، بتاريخ 14/9/2014.


name country