header
التفكير بالدولة، والتفكير بالأمة والقراءة الأُخرى

خلال مقابلة مع قناة "العربية" ذكرتُ لسائلي أحمد الزين صاحب البرنامج  المعروف أنني بصدد تأليف كتاب عن التفكير بالدولة في الأزمنة العربية الوسيطة. وقاطعني المقابل سائلاً: لماذا هذا الهُجاس بالدولة، أو لماذا تفكر كل يومٍ فيها؟ هل لافتقار العرب اليها؟! وتنبهتُ بالفعل إلى هذا الاهتمام في كتاباتي القديمة والجديدة. في الكتابات القديمة هناك كتابي الأول: الأمة والجماعة والسلطة، وكتابي الثاني: الجماعة والمجتمع والدولة. وهناك سلسلة نشرات نصوص الفكر السياسي الإسلامي الوسيط من الأسد والغواص، وإلى قوانين الوزارة وتسهيل النظر للماوردي، فإلى الإمارة والوزارة للمرادي، والجوهر النفيس في سياسة الرئيس، وتحفة التُرك. الخ. وفي كتابات القرن الحادي والعشرين، هناك الإسلام السياسي، والعرب والإيرانيون، والإصلاح السياسي العربي. وهذه النشرات والكتابات جميعاً تُعنى بمدارس واتجاهات وطرائق التفكير بالسلطة والدولة في الأزمنة الكلاسيكية، والأخرى الحديثة والمعاصرة. ولذا فإنّ سؤال الأستاذ أحمد الزين يستحق البحث بوعيٍ وعندي وعند غيري. ولستُ أريد هنا متابعة هذا السؤال لأنه يحتاج إلى تأملٍ أطْول وأعمق.
إنّ ما أُريدُ النظر فيه هنا، يتصل بالإشكاليات المعاصرة للدول وتفككها في المجال العربي. وكانت رؤيتي التي عملْتُ عليها طوال أكثر من ثلاثين عاماً أنّ الدولة ضرورةٌ لا مخرج منها لكل جماعةٍ سياسية. وهي دائماً صناعة نخبةٍ واعية. لكنها عندما تقوم تتعلق قوتها ويتعلق استمرارها بمدى القدرة على الوفاء بحماية المجتمع من الخارج، والإدارة العادلة بالداخل. والدولة تتبع في ذلك أحد سبيلين: سبيل تشكيل الأمة من حولها لحياطتها وتأكيد شرعيتها، أو الاستناد إلى فئةٍ غالبةٍ أو متغلِّبةٍ بالداخل من أجل فرض السيطرة، التي تظل مقبولةً نوعاً ما ما دامت الدولة تتصدى لأعداء الخارج. وكانت النتيجة الأولية التي أفدتُها من دراساتي عن الدولة الكلاسيكية في عالم العرب والمسلمين، أنّ رسول الله(ص) والنخبة من حوله أقامت الدولة على أساس العصبية العربية ( بحسب ابن خلدون: دعوة + عصبية). وفي زمن الراشدين ظلَّ التعامل مع هذه العصبية واسعاً وسياسياً إلى أنّ قُتل عثمان على يد المعارضين؛ فبرزت الحاجة للاستناد إلى العصبية بالمعنى الضيّق، وقد نجح في ذلك الأمويون أكثر من الإمام علي. بيد أنّ الصراع على السلطة بين نخبتي العصبية والقرابة (وكلا الأمرين أيديولوجيا تغطية) أفضى إلى انتصار عصبية القرابة. وبعد العصر العباسي الأول، وبسبب الصراع على السلطة بين شيعة علي وشيعة بني العبّاس، استنغنى العباسيون عن كل العصبية العربية، واستعانوا للحماية والنُصرة بجنودٍ محترفين من الخارج، فانفصلت الدعوة الدينية عن العصبيات من أي نوع، واحتضنت فكرة الأمة(الدينية). وهكذا ما بقيت للدولة شرعية ذاتية غير الحماية تجاه الخارج!
لقد أطلْتُ في المقاربة الكلاسيكية بعض الشيئ لأُوضح عللَ الافتراق بين الأمة والدولة في الزمن القديم. أما في الأزمنة الحديثة؛ فإنّ الحركات الوطنية اكتسبت شعبيةً زاخرةً لنضالها ضد الاستعمار، ولعملها على تنمية الخدمات العامة للمجتمعات. بيد أنها واجهت في مرحلتها الأُولى الواعدة مشكلات ما أمكن لهاحلَّها سواء مع الاستعمار، أو مع استعمار الصهاينة لفلسطين. ولذلك، ورغم شعبيتها المشهودة، زالت بسرعة لصالح العسكريين والأمنيين، الذين استناموا تدريجياً لعصبيةٍ غالبة، حكمت بالقوة، في مقابل الخدمات الأساسية، والحماية من الخارج. ثم تبين أنه لا حماية من الخارج، وتراجعت القدرةعلى الخدمات الداخلية، بسبب الفساد وأعباء الارتباط بالسوق العالمية. وأمام تفاقُم هذين العاملين، ازدادت الغربة بين أنظمة الغلبة الفئوية، والجمهور العام، للجوء المسرف للعنف والإرغام والتوريث. كانت الغلبة تستند في زمن الحرب الباردة إلى أحد المعسكرين. وبعد الحرب الباردة إلى تبعيةٍ من طبقتين: طبقة القوة الإقليمية، وطبقة القوة الأَوحد. وكان هذا هو الوضع حتى العام 2011، حين تمرد الجمهور على العنف والخوف. وأرادت القوة الأعظم تغيير الفئة الحاكمة لصالح الإسلاميين السياسيين؛ في حين أرادت القوى الإقليمية استمرار الوضع على ما هو عليه أو المجيء بقوى تصون مصالحها ومناطق نفوذها التي ربَّتْها في ظل سطوة القوة الأعظم. إيران أرات إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل العام 2010 في سورية والعراق ولبنان، وتركيا أرادت الحصول على شيئ في سورية، وتصحيح التوازنات لصالحها في العراق.
إنّ التفكك الظاهر في الدول والمجتمعات اليوم يعود لاختراقات الإسلام السياسي في المجتمعات. وغربة السلطات عن المجتمعات. وتدخل القوى الإقليمية والدولية.

www.ridwanalsayyid.com



name country