header
البلاء النازل بالدولة والدين!

قامت حركات التغيير عام 2011 بعدة دولٍ عربية، بعضها طالبت بالإصلاح، وبعضها الآخر طالبت بإسقاط النظام القائم. وفي كل الدول العربية التي حدثت فيها حراكاتٌ شبابية، توالت عليها ظاهرتان اجتمعتا أحياناً، أو انفردت إحداهما: ظاهرة الإسلام السياسي والجهادي، وظاهرة التدخل الميليشياوي الإيراني. ففي مصر وتونس ارتفعت أَسهم الإسلاميين السياسيين والجهاديين. وكذلك الأمر في ليبيا. أما في العراق وسورية واليمن فقد اجتمعت الظاهرتان: الميليشيات الجهادية، والميليشيات الإيرانية!

ماذا يريد الإسلاميون السياسيون والداعشيون؟ وماذا يريد الإيرانيون؟ أما الإسلاميون السياسيون الذين كانوا ممنوعين ومُلاحقين، فقد فتح لهم شبان حركات التغيير المجالَ العامّ على مصراعيه. وقد تقدموا بالفعل (بسبب تنظيماتهم القوية) باتجاه الوصول للسلطة، رغم أنهم امتلكوا ويمتلكون برنامجاً مختلفاً عما سعى إليه الشبان المدنيون أولئك. وأمّا الجهاديون، والذين كان قد مضى عليهم أكثر من عقدٍ وهم يصارعون الولايات المتحدة وحلفاءها؛ فقد ترددوا في البداية حول ماذا يفعلون. ثم لعبت عوامل عدة أدواراً في دفعهم للصدام بشباب الثورات، وبالقوى العسكرية. ومن تلك العوامل قتل الأميركيين لأُسامة بن لادن، والضعف الذي طرأ على السلطات الأمنية، بحيث رأى هؤلاء أنّ الفرصة سانحة. لكنْ كان هناك سببٌ ثالثٌ وهو اعتبارهم أنّ قيم ومبادئ الثورات تتناقض واعتقاداتهم بشأن الشرعية والشريعة والحاكمية والدولة الإسلامية والخلافة. وهكذا فقد أصدرت جماعاتٌ منهم في تونس وليبيا ومصر وسورية بياناتٍ في إدانة فكرة الديمقرطية، وأعلنت عن شنّ حروب على الديمقراطيين والعلمانيين المرتدين. وهذا الظهور الإسلامي المسلَّح وغير المسلَّح، ترك آثاراً فاجعةً على الثورات ومصائرها. فقد اضطر المصريون للجوء للجيش والعودة إليه خوفاً على الدولة والنظام من تغوُّل الإسلاميين إخواناً وجهاديين. وتراجعت حظوظ الإسلاميين التونسيين لكنها لم تنعدم – في حين وصلت ليبيا تحت وطأة الإسلاميين الجهاديين والتنظيميين إلى حالة اللادولة!

ماذا أراد الإيرانيون من وراء تدخلاتهم الميليشياوية؟ لقد أرادوا منع التغيير وإفشاله في العراق وسورية واليمن، ومن قبل في لبنان. وفي العراق وسورية واليمن، ولأنّ إيران تدخلت باسم التشيع، فقد ظهر الجهاديون باسم الإسلام السني، فاشتراك الطرفان السياسي/ الجهادي، والشيعي المتأيرن  في إفشال الحراك التغييري في البلدان الأربعة. ففي العراق، استيقطت روح التحدي لدى أهل المحافظات السنية الست، بسبب انطلاق الحراك التغييري العربي، فهبوا للقيام وعلى مدى أكثر من عامٍ بتظاهراتٍ سلمية حاشدة للمطالبة بالإنصاف، والخلاص من حكومة المالكي إن أمكن. لكنّ الإيرانيين والمالكي معاً تدخلوا لفضّ التظاهرات بالقوة دون تلبية أيٍّ من المطالب؛ فصارت البيئة مهيئةً لظهور القاعدة أو عودتها. وإذا كان السنة العراقيون الذين تعرضوا لضغوطٍ قاسيةٍ من المالكي وسليماني، قد وجدوا أنفسهم في أحضان المتطرفين أو العكس؛ فإنّ مصائب السوريين كانت أوضح وأفظع. فقد اجتمعت عليهم إلى جيش الأسد وميليشياته، الميليشيات الروسية والإيرانية والعراقية والأفغانية وميليشيا حزب الله المنشأةمن إيران. ولذلك، وبسب بتوحُّد العِلَل، ظهر المتطرفون في سورية وانطلقوا نحو العراق حيث انضمّ إليهم أُناسٌ مثلهم، فأقاموا الدولة الإسلامية، وأعلنوا الخلافة. وهم يقاتلون الآن السنة من خصومهم والأكراد والميليشيات الشيعية العراقية والإيرانية والطيران الأميركي! وفي أجواء كهذه في العراق، وفي سورية، من أين ستظهر خطوط السلامة السورية وحظوظ السوريين، الذين قُتل منهم رُبع المليون وأكثر، وسُجن ثلاثمائة ألف وأكثر،  وتهجَّر عشرة ملايين وأكثر بالداخل والخارج؟!

في سورية والعراق أراد الإيرانيون الاحتفاظ بالنظامين في البلدين، باعتبارهما ملحقين بطهران. وقد كانت الحجة في مطلع الحراك التغييري أنّ ذاك الحراك هو مؤامرة أميركية أو قطرية أو تركية..الخ، وأنه لا بد من الاحتفاظ بنظامي الممانعة! فلمّا ازدادت الضغوط على الأسد، واحتاج الإيرانيون لتحفيز الشيعة العرب  والأفغان للانضمام إلى الأسد في مقاتلة شعبه، قال نصر الله إنه لا بد من الذهاب إلى سورية لمقاتلة التفكيريين وحماية مراقد آل البيت! هكذا مرةً واحدة!  

وتتجلى النزعة العدوانية والطائفية في التدخل الإيراني باليمن لضرب حركة التغيير والغَلَبة، بنشر المذهبية القاتلة من طريق الحوثيين، ودعم حركة علي سالم البيض الداعية لفصل الجنوب عن الشمال! وما اكتفى الإيرانيون بذلك ( أي دعم الحوثيين وعلي سالم البيض)، بل أقاموا تحالفاً بين الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي ثار عليه التغييريون ونحَّوه عن السلطة بالمبادرة الخليجية المعروفة(2012)- وجماعة الجوثي؛ بحيث أمكن تحييد أقسام من الجيش وقوات الأمن، وتمكين الحوثيين من احتلال المدن!

لقد ظهر ثورانٌ ديني لدى السنة والشيعة في الستينات والسبعينات من القرن العشرين. وقد استطاع الأُ صوليون الشيعة الاستيلاء على السلطة بإيران، وقالوا بتصدير الثورة من طريق نشر تنظيمات شيعية مسلَّحة بالدول العربية المجاورة. وما استطاع الأصوليون السنة الوصول للسلطة  في  بلدٍ عربي أو إسلامي رئيسي ، فانفجروا في جهادياتٍ بدواخل البلدان، وضد الولايات المتحدة والغرب وروسيا. وكانت هناك مناوشات بين الأُصوليتين، لكنهما لم تصطدما إلاّ بعد أحداث "الربيع العربي"، حيث ظهر صراعهما على مناطق النفوذ في عدة بلدانٍ عربية.
لقد سعى الجهاديون السنة لإقامة دولةٍ أصولية سنيةٍ على شاكلة الدولة الشيعية التي أقامها الخمينيون. في حين تعددت أغراض إيران: من إنشاء دولة شيعية بالعراق، وإلى الغلبة والتخريب ومساومة الولايات المتحدة والعرب على سورية ولبنان واليمن والبحرين.. الخ. وهكذا شاع الخراب ويشيع في خمس بلدان عربية. وفيما عدا ليبيا؛ فإنّ الميليشيات الإيرانية هي صاحبة المسؤولية الأُولى في الفوضى والخراب الحاصل في تلك البلدان!

منذ قرابة الأربع سنوات إذن نسمع كل يومٍ عن أحداث القتل والتخريب في العراق وسورية ولبنان وليبيا واليمن . وقد بلغت هذه الظاهرة  الذروة الآن في الوصول إلى حالات اللادولة في أربع أو خمس أقطار عربية.  

لقد أدَّت الشعارات الدينية والطائفية إلى إعراض الناس عن التغيير وهمومه، وتطلُّب العودة للهدوء بأي ثمن. وإذا كانت الموجة الحالية قد انطلقت نتيجة أحداث القاعدة (2001)، وغزو أميركا للعراق (2003)؛ فإنّ الولايات المتحدة عادت أخيراً بعد طول تمنُّع للمساعدة في مصارعة الإرهاب!  

لا بُدَّ من اندفاعةٍ عربيةٍ ثانية أو ثالثة في سورية ولبنان واليمن وليبيا. ولا ينبغي الاستسلام لحصارات ورهائن ورهانات داعش والنصرة وحزب الله وميليشيا أبي الفضل العباس  وأنصار الشريعة وأنصار بيت المقدس!

بعد اليمن ما عاد التوهم جائزاً أو ممكناً. لا بد من الاستمرار في  مكافحة الأُصوليتين والإرهابين الداعشي والإيراني، إنقاذاً للدولة والدين، أو تمتدّ متاعب العرب في الأمرين  لآمادٍ متطاولة!

www.ridwanalsayyid.com
جريدة الشرق الاوسط في صفحة الرأي يوم الجمعة 19/12/2014



name country
تاريخ الاضافة 4/9/2020
الاسم:
البلد: أفغانستان
تاريخ الاضافة 4/9/2020
الاسم:
البلد: أفغانستان
تاريخ الاضافة 4/9/2020
الاسم:
البلد: أفغانستان