header
التضامن الإسلامي باعتباره واجباً شرعياً

يواجه العرب والمسلمون في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، تحدياتٍ مختلفةً ناجمةً عن التحولات الكبرى التي تحيط بهم وتعملُ في مجتمعاتهم وأفكارهم ومصالحهم وعلاقاتهم بالعالم. وما عاد ممكناً القول إنّ تلك التحديات خارجية ومفروضة، لأنّ التغيير المستند إلى ثُنائية النهوض والتضامن، صار اليوم جزءًا من عملية البقاء، وضرورةً من أجل بلوغ الأهداف المنشودة المتمثلة في صَون الدين والأمة، والتأهُّل للمشاركة في سلام البشرية وأمنها ومستقبلها. وبذلك فإنّ القضايا العالقة، والمشكلات المتفاقمة، تُصبح عوائق تحولُ دون الانطلاق النهضوي والتضامُني، اللذين نحن في أشدّ الحاجة إليهما. إنّ المطلوبَ اليومَ وغداً القيام بمراجعةٍ للأفكار والممارسات التي تُخرجُ مرةً واحدةً من أهوال المرحلة الماضية التي لم تنقضٍ بعدُ آثارها وتداعياتها. وذلك لجهة الوقائع والأحداث والمآسي الموروثة من القرن العشرين المنقضي، ولجهة السَير في الآليات والأولويات التي تعيدُنا إلى التاريخ والحاضر، كما أخرجتنا العقود الماضية منهما. فليس من الأحاجي القول إنّ المشكلات والتحديات تواجهُ مرةً واحدةً عمليات النهوض، وإرادات التضامُن، وتُعيقُها. ولذلك كُلِّه اليومَ عِلّةٌ واحدةٌ هي المرارات والفصاميات التي داخلت الأخلاد والنفوس والتصرفات، وهي ناجمةٌ عن وجوه الفشل والقصور في مواجهة التحديات، ومصارحة النفس والآخر بالمراجعة الكاشفة والمغيِّرة. وقد نجم عن هذه المرارات والفصامات – التي كانت بالطبع سبباً مهماً في ضعف التضامُن- ظاهرتان اثنتان: إمّا التشبُّث بالوضع الراهن خشية المزيد من التردّي، وإمّا القول بالاندفاع القاطع أو حرق المراحل بحجة التصحيح الجذري او الإصلاح والتقدم السريع.
وهكذا فإنّ لدينا إذن حاجةً ملحةً للتضامُن من ضمن الوحدة باعتباره واجباً شرعياً، وباعتباره ضرورةً استراتيجيةً وحضارية. وقد تجمعت علينا ومن الداخل والخارج عوامل وعوائق وظواهر تحول دون التضامن والتوحد. ويكون علينا أن نجترح مخارجَ مـن  مآزق التشـرذم والفُرقة، فنحقِّق ما هو مقتضى الاعتقاد، وحـقّ الأمـة، وصَـون الديـن والدولـة. فلنبدأ بالثوابت أو الواجبات الشرعية، والأُخرى المترتبة عليها ودائماً في مسألة التوحُّد والتضامُن. ثم لننظر في العوائق والعقبات، لكي نعودَ بعدها لاستطلاع إمكانيات النهوض والتضامن أو النهوض بالتضامُن.
الثوابت والأركان
أولاً: ركن الوحدة والتضامُن:
يقول الله- سبحانه وتعالى-: {إنَّ هذه أُمتُكُمْ أمَّةً واحدةً وأنا ربُّكُم فاعبُدُونِ} (سورة الأنبياء: 92). والوحدةُ المعنيّةُ وَحدةُ الفكر والاعتقاد، ووحدة التوجُّه، ووحدةُ المصير. فليس بين المسلمين اختلافاتٌ كبرى في الأصول الاعتقادية، ولا في الشعور بالذات أو الثقافة أو الانتماء. ومع ذلك فهم يعانون من التفرقة الطائفية والإثنية، ويكادون يستنزفون قُواهُم الأساسية في شكوكٍ ونزاعاتٍ واتهاماتٍ وأعمالٍ متنافرة، تَسُدُّ عليهم آفاقَ التفكير المشترك، والتوجه المشترك، والتعاون من أجل البقاء. وقد قال- صلوات الله وسلامُهُ عليه: "كل المسلم على المسلم حرام دمُهُ ومالُهُ وعِرضُه". ولذلك فنحن نشعر بالاستنكار لما يجري من أعمال التفرقة والشرذمة والقتل باسم الدين، وتتجه النداءات إلى المنهمكين في النزاعات ألاّ يقعوا في وهاد الفِتنة أياً تكن الأسباب. فالفتنةُ غير الثورة وغير حركة التغيير، وهي خروجٌ على الدين وعلى العقل وعلى المصلحة، وإخلالٌ كبير بمعنى الأمة والجماعة، ولا يُقبل عليها بأي ذريعةٍ كانت، إلاّ المغرَّرُ بهم، والذاهبون إلى الهلاك في الدنيا والآخرة؛ أو لم يقل ابن آدم لأخيه في القرآن الكريم: { لئِن بَسَطتَ إلَيَّ يَدَكَ لتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسطٍ يَدِيَ إليكَ لأَقْتُلَكَ إنِّي أخاف الله رب العالمين}(سورة المائدة: 28). وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أنّ الدين الواحد داعية وحدةٍ وتضامُنٍ وبخاصةٍ بعد الضلال والانقسام، فقال عزَّ مِنْ قائل: { واعتصِموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم اعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً. وكنتم على شفا حفرةٍ من النار فأنقذكم منها. كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون}(سورة آل عمران:103). فالإيمان آيةٌ من آيات الله عزَّ وجلّ، ونعمةٌ من نِعَمه. وهو يؤدّي حكماً إلى تأليف القلوب، والاعتصام بحبل الله (أي الجماعة). والنتيجة الرئيسية هي التضامُنُ الداخلي، والتطلع إلى الخارج المستقبِل أو المتحدي برؤيةٍ واحدةٍ وإرادةٍ واحدة.
إنّ هذه المسائل كلَّها يوضحها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه في قوله الجامع: "مَثَّلُ المؤمنين في توادّهم وتراحُمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تَدَاعى له سائر الجسد بالحُمى والسهر". فقضايا المسلمين ومشكلاتهم تقتضي توحُّداً من حولها وسعياً حثيثاً للتصدي لها، وتضامناً يعين على تحقيقها، فكما أنّ الانقسام غيرُ جائزٍ؛ فغير الجائز أيضاً الإعراضُ عن العناية بقضايا الأمة والتضامُن من أجل تحقيقها. ولا يحسبنَّ أحدٌ منا أنّ دينه يَسْلَم، أو أنّ مصلحته تتحقق، في مواجهة إخوانه، أو بتجاهُل النوازل الواقعة بهم. وقد مَثَّلَ لنا رسولُ الله (ص) لهذه الجهة بمثل السفينة ذات الطبقتين التي يؤدِّي الخَرقُ فيها إلى هلاك سائر المسافرين على ظهرها، إيذاناً بالمسؤولية المشتركة تُجاه ما يحدُثُ بالأمة وعليها من شرور. وهكذا فالوحدة مطلبٌ قرآنيٌّ، ونبوي، وعمادُها أمران: الوعيُ بالقضايا والمشكلات، والعملُ من أجل التضامن في السّراء والضرّاء. وقد انعقدت مؤتمراتٌ كثيرةٌ طوال القرن العشرين للتقريب بين المذاهب الإسلامية. وإذا كان المرادُ بالمذاهب المدارس الفقهية المعروفة؛ فالذي أراهُ أنه لا حاجة للتقريب أو التوفيق بينها فهي تتضمن توافُقاتٍ وإجماعاتٍ واختلافاتٍ في الاجتهادات والعادات والأعراف ومناهج الفهم والإدراك والاستنباط. وقد كفّت منذ زمن طويلٍ عن أن تكونَ داعية فُرقة. وقد رأينا أساتذةً كباراً يستخدمون مناهج الفقه المقارن للإفادة من سائر المذاهب. وفي المجامع الفقهية عملٌ كثيرٌ وكبيرٌ على المدارس دونما تفرقةٍ أو تمييز.
أما إذا كان المقصودُ بالمذاهب المسائل العقدية، مثل الاختلاف السني/ الشيعي؛ فإنه يعود للحضور بقوةٍ بسبب ما يفترق عليه المسلمون في الأمور السياسية والاقتصادية والاستراتيجية والقومية. فالصراع الحاصلُ اليوم في العراق والسودان والصومال ولبنان وسورية واليمن والبحرين ليس اختلافاً دينياً، ولا شيعياً/سنياً أو مسيحياً/إسلامياً، إنّما هو صراعٌ على السلطة باسم الدين والمذهب. ويحاول كلُّ فريقٍ أن يصل إلى الغَلَبة من طريق العصبية الدينية أو العِرْقية. هناك هجمةٌ للدولة القومية الإيرانية على مشارق العالم العربي والخليج من أجل النفوذ والسيطرة. وهي تستخدم التفرقة المذهبية من أجل ذلك. فإذا تعذر في هذا المعرِض الإصغاء لدواعي ودوافع الإيمان؛ فليكن الإصغاء لدواعي المصلحة في التضامن. وفي العالم دعواتٌ قويةٌ اليوم لتحكيم التشاور والموافقات بالدواخل، وقواعد النظام العالمي في العلائق مع الخارج. وما عاد ممكناً بلوغ أيّ أمرٍ بالقوة حتى في حالة الغَلَبة؛ لأنّ الاستقرار لن يتحقّق للغالب بالقوة إلاّ لأمدٍ محدودٍ وبخسائر وأعباءٍ كبرى. وما دامت المسائل مسائل صراعٍ على السلطة والنفوذ؛ فإنَّ الأُمم الكبرى أوجدت آلياتٍ لمعالجة قضايا الصراع هذه في المؤسسات الإقليمية والدولية. ولدى العرب والمسلمين مؤسساتهم الخاصة لذلك، كما أنّهم مشاركون في المؤسسات الأخرى الأوسع. وقد رأينا انتكاساً في الاتحاد الأوروبي الذي كان مضربَ المثل في التقدم التدريجي باتجاه الوحدة الكاملة. لكن ينبغي ألاّ يجعلَنا ذلك نعتقد أنّ التوحّد متعذر، لأنّ الاتحاد الأوروبي يمكن أن يتمهَّل لكنه لن يتفكك. لذلك يمكن العمل على تقوية مؤسسات التقارب العربي والإسلامي لتخفيف عمليات التنافُس والصراع. ولستُ هنا في معرض دراسة وسائل التوحيد السياسي والاقتصادي؛ بل أنا بصدد بيان أنّ التفرقة ما كانت في الغالب ذات أساسٍ ديني، وإن جرى استخدام الدين والمذهب بكثافة في السنوات الأخيرة. لكن رغم ذلك ينبغي الاهتمام لمنازع المتشدّدين في التكفير والتجريم والتجريح، ومنازع وأهواء العاملين باسم الدين أو المذهب إنما لمصالح قومية وإثنية. وهذه المنازع فضلاً عن ضآلة حجم المشاركين فيها، لا خروجَ من أذاها إلاّ بالكفّ عن لحس المبرد من طريق وعي الناس بأنّ الإسلام لا تستطيع احتكاره أية فئةٍ من فئاته. ثم إنّ الصراع على الدين يشرذمه ويقسّمه ويسيءُ إليه. وهذا الضرر يقع على الإسلام منذ ثلاثة عقودٍ وأكثر.
ثانياً: ركن الإصلاح والتجديد:
إن الواقع، والحقُّ يقال، أنّ المسلمين عملوا من أجل التغيير والاجتهاد في الدين والدنيا، أكثر مما عملوا من أجل التوحد والتضامُن في هذا العصر. ومع ذلك فقد اتخذ التغيير مساربَ ما خدمت الأهداف المنشودة أحياناً، كما أنَّ التجديد ظلَّ قاصراً  في أحيانٍ أُخرى. وقد أدَّى الخَطلُ والقصور معاً إلى ارتباكاتٍ كثيرةٍ باتجاه الغُلُو في المحافظة والجمود على القديم، او التطرف الذي يهجُر القديم، والمُتعارف عليه بين المسلمين وبين الناس بتاتاً، أو المراوحة بين هذا وذاك دونما منهجٍ يستند إلى وعيٍ بالوسطية الإسلامية الحافظة للدين، والمطوِّرة للمصالح على أساس التضامُن والتجدد. وهكذا فهناك ضرورة للاجتهاد باتجاه الإصلاح، وقد لخَّص الله – سبحانه وتعالى- دعوة النبيين على لسان أحدهم بالقول: {إنْ أُرِيدُ إلاَّ الإصلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} (سورة هود:88) وهذا التجديد المقصود لا يكون حقيقياً إلاّ إذا حدث بدوافع واحتياجاتٍ وإرادةٍ ذاتية:{ إنَّ الله لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنفُسِهِمْ}(سورة الرعد:11). فالتحرك باتجاه الإصلاح والصلاح ينطلق من الداخل، ويلتزم التوسُّط في الفكر والقول والعمل لكي يجتمع الناس من حوله، ذلك أنَّ " المنبتَّ- كما قال صلوات الله وسلامه عليه- لا أرضاً قَطَع ولا ظهراً أبقى". والتحرك الإصلاحيُّ أخيراً يلتزم في الوسيلة والهدف إخراجَ الأمة من الضعف إلى القوة، وتدبير الشأن العامّ  والخاصّ بما يُصلحُهُ، أي ما يُلائِمُ أوضاع المسلمين وآليات العالم الذي يعيشون فيه.
وكما يكونُ الإصلاحُ خروجاً من الجمود ومن التطرف؛ فإنه وبمنهجيته الوسطية يغيّرُ الوعيَ من طريق تغيير الواقع. وهذا معنى قوله – تعالى- : إنه سبحانه لا يُغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم. ولذلك يكون التجديدُ الدينيُّ والثقافيّ مُجْدياً بقدر ما يكونُ شاملاً، ومستنداً لاحتياجاتٍ جماعية. وعندما يكون شاملاً تكونُ له علاقةٌ قويةٌ بإعادة بناء الوحدة والتضامن. فالوسائل التقليدية في حفظ الوحدة ما عادت قادرةً على مواجهة المشكلات، والاتجاه للتشدد والتطرف بحجة تطهير الانتماء الإسلامي غُلُوٌّ وليس التغيير الذي حثَّ –سبحانه- المسلمين على اتخاذه نهجاً من أجل الإصلاح، والبناء المستمرّ والمتجدد للتضامُن غاياتٍ ووسائل.
وربطُ التغيير بالإصلاح ليس ربطاً ذهنياً أو نظرياً. فهناك التغيير الثوريُّ والمدمِّر، وهناك التغيير الهادىء والمعمِّر. والذي جرى عندنا في العقود الستة الأخيرة محاولاتٌ للتغيير الراديكالي، زادت من القطائع سواءً من جهة المسيطرين أو من جهة الإسلاميين واليساريين. وقد كابرنا عندما طولبنا بالإصلاح الديني بعد الحادي عشر من سبتمبر عام 2001؛ بحجة أنّ المراد بنا أن نغيّر ديننا، أو لأنَّ التغيير لا يكونُ من الخارج. وأنا على يقينٍ أنّ الأزمة الراهنة ليست ناجمةً عن الراديكالية الدينية، بل إنّ تلك الراديكالية إحدى نتائجها. فللأزمة الراهنة سببان: استخدام الإحيائية الإسلامية في العقود الماضية من جانب أطراف الحرب الباردة. والسبب الثاني وجوهُ القصور والفشل في تجربة الدولة الوطنية في العالم العربي، مما أدى إلى تضييق المجال السياسي وخروج ذوي الحساسية الدينية من الشباب إلى الهوامش. ولذا فإنّ العلاجَ للثوران الديني يكونُ بالإصلاح في إدارة الشأن العامّ وتجديد الاعتبار للمؤسسة الدينية من طريق الاستقلال والتجديد والتحول إلى قوةٍ من قوى المجتمع المدني لا تتبعُ الأنظمة استتباعاً، ولا تخرجُ عليها استبدالاً لنفسها بها. فالإصلاح الدينيُّ والسياسي ضروريان، لكي يتكاتفا  وينسجما، وليس من أجل استقواء أحدهما على الآخر أو إلغاء أحدهما لصالح الآخَر. فالتغيير بالإصلاح، والإصلاحُ بالتغيير وفي الوعي قبل الواقع. ولذا فقد جاءت اتجاهات التغيير العربية على غير المتوقّع. إذ لم تأت من جانب الإسلاميين، ولا من جانب رجال الأعمال الصاعدين، ولا من جانب العسكريين الانقلابيين. بل جاءت من جانب الشباب الذين ظهر لديهم وعيٌ جديدٌ.
ثالثاً: ركن الدعوة إلى الكلمة السواء:
إنّنا نعني بالمشاركة الإقبال على الإسهام الإيجابي للوصول إلى شراكةٍ مؤثرةٍ تُخرج العرب والمسلمين من الاستضعاف وضآلة الفعالية في عالم الأفكار، وفي عوالم التكنولوجيا، كما في عالم السياسات. وتُخرجُهُم من جهةٍ أُخرى من توجهات الانعزال واستقطابات المؤامرة والولاء والبراء. فالواقع أنه لا علة لانجراحات الوعي هذه غير الاستضعاف والإحساس بالحصار. فالقرآنُ الكريم يُحدّد مهمةَ المؤمنين تُجاه أنفسِهم وتُجاه العالم بأنها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وأساسُها الإيمانُ بالله: { تأمُرُونَ بالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بالله}. والأمر هنا كما نعلم جميعاً ليس معناه الفرض بالقوة، بل هو الدعوة إلى الكلمة السواء: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلاّ الله، ولا نشرك به شيئاً، ولا يتخذ بعضُنا بعضاً أرباباً من دون الله. فإنّ تولَّوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}(سورة آل عمران: 63). والمعروفُ أخلاقٌ وممارساتٌ، وكذلك المنكر المنهيُّ عنه أخلاقاً وأعمالاً، تخرجُ على دواعي ودوافع المألوف والمحمود من الله والناس. وهذا معنى الفكرة الكبرى التي تحملُها الأُمَمُ في المراحل الحاسمة من التاريخ، فتتحدد من خلالها مواقعُها الحاضرةُ والمستقبلية. والواقعُ أنّ الغيابَ عن المشاركة في تحديد المعروف في عالم الأفكار والسياسات، يؤدي إلى الانقماع في شِباكِ المنكَر دينياً وبشَرياً. كما يؤدي إلى التخبط في تكتيكات الدفاع عن الذات والهوية.
والإسلام يُشرِّع وسائل للدفاع ومكافحة الحصار. لكنه يؤسّس لمشروعٍ عالمي يعيد بناء الإنسان، وتجديد التركيبة الاجتماعية/ الثقافية التي سادت في القديم. وقد ظلّ المشروع يطوِّر من تقنياته وأدواته حتى مشارف القرن التاسع عشر الميلادي. ومنذ ذلك الحين تراوحت أفكارُ المسلمين وأساليبهم للتعامل مع متغيرات العالم بين الاقتباس ومحاولات التماثل، أو المجابهة والتقاطع، أو اليأس والانعكاف على الذات. وكان ذلك كلُّه تعبيراً عن ردود أفعالٍ قاصرة من جهة، ومعطِّلة للمشروع الإسلامي العالمي من جهةٍ ثانية.
إنّ المطلوب والمرغوبَ اليومَ، والذي يُخرجُ من الضعف والاستضعاف هو حَمل الرسالة الإسلامية العالمية من جديد، وتقديم الفكرة الكبرى من جديد، والعمل الجادّ من أجل الشراكة التي تضعُ شأننا العامّ والكبير في أيدينا، وتُخرجُ العالم من الخوف منا، كما تُخرجُنا من خوف العالم واستهدافه. فالتجديد الثقافي والفكري الإسلامي، والتكتل العربي والإسلامي، والسوق العربية والإسلامية؛ كلُّ تلك وسائل ناجعةٌ لبلوغ أُفُق المشاركة، كما فعلت الأُمم والشعوب الكبرى وتفعل. وهذا الهجوم الإنسانيُّ والإنتاجيُّ والثقافيُّ هو خيرُ وسائل الدفاع، وهو الذي يجدد الهوية والانتماء، ويقوّي الوحدة والتضامن. فالهوية المزدهرةُ هي التي تحيا وتقْوى بالعمل في العالم ومعه وليس في مواجهته. وقد جَرَّبْنا ممارسات التبعية والاستتباع فكانت مأساوية، وجربنا ممارسات المواجهة والتطرف فكانت مأساويةً أيضاً.
وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد خاضت عدةُ دولٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ تجربة تعريب مناهج التعليم الحديثة، أو كتابتها وتعليمها بلغاتها الوطنية. وبعد عدة عقودٍ جرى الإعلانُ بوسائلَ مختلفةٍ عن فشل هذه التجربة، وعن العودة للّغتين الإنجليزية والفرنسية في الحقول العلمية البحتة والتطبيقية. وما كان ذلك إلاّ لأنّ العربَ والمسلمين، ما شاركوا في القرنين الأخيرين في صناعة المعرفة والمعروف في العالم، ولذلك ما كان من حقّهم أو ما كان بُوسعِهِمْ البلوغُ بلغاتهم القومية درجة النديّة لغياب المشاركة الفاعلة والبنّاءة. ونعرفُ من تجربة النهوض في القرن التاسع عشر أنه جرى التركيز على تقوية الجيش، وقد كان ذلك مفيداً لمحاولة الحفاظ على الاستقلال والسيادة. لكنه لم يكن كافياً، بدليل أنّ بلداننا جميعاً تقريباً جرى غزوُها واحتلالُها. وقد استنتج الإسلاميون من ذلك أنّ التغريب شرٌّ كلُّه. وما كان ذلك فهم اليابانيين والصينيين والهنود خلال القرن العشرين. فقد انهزموا في ساحات الوغى، لكنهم طوَّروا بقوة الدولة إمكانياتهم العلمية والمدنية. وأكبر فخارٍ للصين خلال أكثر من عقد أنّ نسبة النموّ الاقتصادي فيها تتراوح بين 10و12 بالمائة، وأنها استطاعت خلال ثلاثين عاماً من الاندفاع النهضوي، إخراجَ 400 مليون من مواطنيها من تحت خطّ الفقر والعَوَز.
لقد بتنا نعرفُ اليومَ أنّ الضعفاء لا حسابَ لهم؛ بيد أنّ القوة التي لها حسابٌ في عالم اليوم هي قوةُ العمل والعطاء وخدمة النّاس، والعمل على تحسين شروط حياتهم وتأهيلهم وتمكينهم من المشاركة في صنع المستقبل الآخر مع العالَم وليس في مواجهته. إنّ الدعوة إلى الكلمة السواء، تعني دعوةً للمشاركة وكما تقتضي تلك الدعوة أن نكون موحَّدين متضامنين؛ فإنها تعني أن نكون متأهّلين للعطاء والأخذ، واجتراح الجديد والمتقدم والمُقْنع.

رابعاً: قضية التضامن بين أهل الدعوة وأصحاب القرار:
لقد انهمكت طلائع من شبابنا في العقود الأربعة الماضية باسم الإسلام في صراعٍ مع الأنظمة السياسية السائدة. وضاعت في جولات الكرّ والفرّ حياة وحريات ومواهبُ مئات الألوف من سائر الفئات في مجتمعاتنا ودُوَلِنا. وقد نبعت إرادة المواجهة وممارساتها في الأصل من الوعي القائل بوجود خطرٍ ماحقٍ على الإسلام آتٍ من جهة الغرب والمتغربين. وكان المُرادُ صَونَ الهوية من هذا المرض المستشري، من طريق التربية والتحصين والاعتصام بالأصول الأولى. ثمّ تطوّر الأمر إلى رؤيةٍ تقول: إنّ الإسلام أُخرج من الدولة، وهو يوشك أن يَخرُجَ من المجتمع إن لم يتمَّ الاستيلاء على الأمر السياسي لإعادة فرض الشريعة، وإقامة الدولة الإسلامية. وبذلك صار الصدامُ بين الجماعات الإسلامية والأنظمة القائمة أمراً لا مَفرَّ منه. وقد استنزف ذلك الصراعُ الطويل الأمد، خلال الحرب الباردة وبعدها، طاقاتٍ كبرى من طاقات الأمّة، كما سبق القول، وتسَبَّب في تناقُضاتٍ ومشاعر منقسمة في دواخل الأفراد، وبينهم وبين الدول والكيانات. والحقيقة أنّ دُولَنا وأنظمتنا تحتاج إلى الإصلاح والتطوير باتجاه صون المصالح الوطنية والقومية، وتحسين شروط حياة الناس. ولا شك أنّ هذا هو ما ينبغي التركيزُ عليه، وما قامت حركات التغيير من أجله، وليس الادعاء بأنّ الإسلام مُهدَّدٌ، وأنّه لا بد من إسقاط المؤامرة عليه وعلينا بالاتجاه لِمُصادمة العالم، أو اللجوء للعنف والانتحاريات. ولذلك لا داعيَ للاصطدام بالدولة، وإضعاف فكرتها، واستنزاف طاقاتها، بحجة تنكُّرها للإسلام، وضرورة فرضه عليها. فمشكلاتنا بالداخل ومع الخارج مشكلاتٌ اقتصاديةٌ وسياسيةٌ واستراتيجيةٌ، وليست مشكلاتٍ دينية. ولذا لا بد من الاتجاه لإصلاح إدارة الشأن العام بحيث يقوم حكمٌ صالحٌ دعت إليه حركات التغيير العربية قبل صعود تيار الإسلام السياسي من جديد. فصلاحُ إدارة الشأن العام يمهّد السبيل لإصلاحٍ دينيٍّ يُنهي النزاع بين الدّين والدولة، وهو النزاع الذي أحدثه ذاك الوعي المغلوط، وتلك الممارسات العشوائية، ومن جانب طُغاة العسكر والأمن، وانشقاقيات الإسلاميين. فلا مصلحة لأحدٍ منا بإضعاف فكرة الدولة في أوساطنا، ولا بزعم خروج الإسلام من مجتمعاتنا ودُوَلنا، وضرورة عودته أو إعادته بالقوة أو بالحُسنى. فالإسلام في حالة نهوض، ونحن نبلُغُ خُمس سكان العالم اليوم، والأمر إلى زيادة. والمطلوب تصحيحُ تجربتنا السياسية، وتقوية الدولة وفكرتها للتمكن من صَون المصالح، وليس العكس. وها هي ذي الأُمَمُ العزيزةُ والقويةُ اليومَ تعتمدُ على الأنظمة القوية، والتي تتجمع في تكتلاتٍ إقليميةٍ لتشاركَ في العالم بقوة؛ فتحمي بذلك مصالح مجتمعاتها، وتطوّرها نحو الاتجاه الأفضل. ورغم الظواهر المشكلة بعد الثورات، ووجوه الوعي المتشظّي،؛ فإنّ مشروع الدولة القوية، والحكم الصالح، يظلُّ الضمانة الأقوى لإصلاح علاقة الدين بالدولة، وتحقق المستقبل الآمن الناهض والمزدهر.
إننا نطمحُ لعلاقةٍ وثيقةٍ وفُضْلى بين مؤسساتنا الدينية، وأهل الدعوة الوسطية من جهة، وبيئات القرار السياسي من جهةٍ ثانية. ولا عُذْر لأي طرفٍ في استدامة الصراع إمّا بوهم الدفاع عن الإسلام، أو بوعي الحفاظ على السلطة وتأبيدها. وهناك مسؤولياتٌ كبرى تقع على عواتقنا جميعًا إذا استمرت علائق الشك والتشكيك والملاحقة والتحريض والتعريض والابتزاز بين مَنْ يعتبرون أنفسهم ممثلين للإسلام، والآخرين الذين يعتبرون أنّ سلطتهم مهدَّدة بسبب هجمات أولئك الكلامية أو الانتحارية.
لدينا تجربةٌ وسيطةٌ في الانسجام بين الدّين والدولة، أو بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية. وهي تجربةٌ قائمةٌ على تقسيم العمل، وليس على الفصل بين الدين والدولة. وحتى مقولة ابن خلدون: إنّ الدولةَ عندنا أساسُها العصبيةُ المستندةُ إلى دعوةٍ دينية، ليست كما تؤخذ على ظاهرها. ففي العصبيات الدولتية المغاربية، ما تولى الفقيهُ القائمُ بالدعوة الشأن السياسي، بل عهد به إلى غيره. ولذلك فإنّ فكرة الحاكمية عند إحيائيي أهل السنة، وفكرة ولاية الفقيه عند الأصوليين الشيعة، مقولتان انشقاقيتان، تظلمان الدولة والدّين، والدين أكثر من الدولة. فالإسلام والحمدُ لله في ازدهارٍ وانتشار، ولا خوفَ عليه ولا على زوالِه أو ضَعفه. أما الضعيفُ فهو فكرةُ الدولة الوطنية التي ما تفتأ تتقاتلُ مع شعبها من جهة، ومع الإحيائية الإسلامية من جهة ثانية، بعد أن ضعُفت المؤسسةُ الدينية حتى كادت تزول في بعض الدول والبلدان، وادّعت عدة أطراف المرجعية الإسلامية ولأسبابٍ مضلِّلة هي تطبيق الشريعة! ليس من الحقّ في شيءٍ ضرب الدولة أو إزاحتها لصالح الإسلاميين أو دُعاة المجتمع المدني بحجة فشلها وإعاقتها للتطور والتطوير. ففي سائر أنحاء العالم قادت الدولةُ وتقودُ النهوضَ الاقتصاديَّ والسياسي، ولا بد أن تكونَ لها الوظائفُ نفسُها في مجالنا. فلتستعدْ فكرةُ الدولة احترامها وازدهارها بصيرورتها من طريق حركات التغيير  والتطوير والترشيد الانضباط دولةَ الحكم الصالح، وأنا واثق أنه لن يأتي منها خوفٌ أو تغولٌ على الإسلام!
معوقات التضامن وعقباته
تعمدتُ عندما استعرضتُ ثوابت الوحدة وأركانها، الإشارة إلى الظواهر الشاذّة والخارجة في حاضر الأمة والمجتمعات على مقولتي الوحدة والتضامُن، والتي تفرّق كلمة المسلمين، وتشكّل عقبةً أوعقباتٍ في سُبُل النهوض والتلاؤم مع المستجدات، وصُنع الحاضر الآخَر، والمستقبل الواعد. ولأننا في مؤتمرٍ لأهل العلم والرأْي، فسأعمدُ إلى استعراض المشكلات في التفكير الديني، والممارسة الدينية أو الممارسات باسم الدين، والتي أحدثت انشقاقاتٍ وتشرذُماتٍ حالت وتحول دون تحقيق الأمرين الأساسيَّين: مقتضيات الوحدة التي فرضها القرآن الكريم وفي طليعتها التضامن الداخلي، والعلاقات داخل الأمة- والأمر الآخَر: تجديد دعوة ورسالة الكلمة السواء تُجاه الآخَر الديني والعالمي واستناداً مرةً أُخرى إلى الوحدة والتضامُن.
أُولى عقبات الوحدة والتضامُن: الانقسامُ الحاصلُ داخل الدين، والناجمُ عن الحركات الجهادية، والأُخرى الحزبية والتنظيمية. والأصل في ذلك الانقسام أو الانشقاق يعودُ إلى القرن التاسع عشر الميلادي عندما ظهرت مقولة أو ثُنائية الجهاد أو الهجرة. وقد استند القائلون بذلك إلى أنّ الدار ما عادت دار إسلامٍ، بسبب استيلاء المستعمرين على الهند، وفيما بعد على الجزائر وآسيا الوسطى، والبوسنة، وأرخبيل الجزر الإندونيسية، وأنحاء مختلفة من إفريقيا ووصولاً للسودان، وأخيراً إلى ليبيا عام 1911، فزوال الخلافة من تركيا عام 1924. وعندما بدأ قيام ما صار يُعرف بالدولة الوطنية في حقبة ما بين الحربين العالميتين من طريق الحركات الاستقلالية، ما اطمأنّ ذوو الذهنية الدينية إلى الشرعية أو الشرعيات الجديدة. لكنهم انقسموا إلى قسمين: قسم استكان إلى نموذج دولة الملك عبد العزيز آل سعود وحكم الكتاب والسنة فيها، وقسمٌ آخَر خارج المملكة، وفي شتّى أنحاء العالَم الإسلامي اتجه إلى إنشاء الجمعيات وجماعات الهوية الدينية باعتبارها البؤرَ الباقية للشرعية الإسلامية في المجتمعات. ومع التطورات السلبية التي حدثت في تجربتي الدولة الوطنية العربية والإسلامية، أي تجربة ما قبل باكستان وما بعدها، وتجربة ما قبل ضياع فلسطين وما بعدها، تصاعدت شعبيةُ هذه السمْيتات الدينية خلال ثلاثة عقود وباتجاهين مرةً أُخرى: الاتجاه الحزبي والتنظيمي، والاتجاه الجهادي. الاتجاه الأول وفي باكستان ومصر على وجه الخصوص، ثم في بقية أنحاء العالمين العربي والإسلامي، انصرف إلى إنشاء أحزاب للشرعية الإسلامية البديلة للدولة الوطنية وبخاصة في مرحلتها العسكرية والأمنية عند العرب وفي العالم الإسلامي. وأحزاب الهوية هذه اكتملت لديها في الستينات والسبعينات من القرن الماضي ومن طريق تحويل المفاهيم، والتنظيم العقائدي- رؤيةُ الدولة الإسلامية التي تستعيد الشرعية من طريق "تطبيق الشريعة" في الدولة والمجتمع. أمّا الاتجاه الآخَر فقد عادت جهادياتُه للانفجار في سبعينات القرن الماضي في مصر وسورية ثم في سائر الأنحاء. وانضمت إلى الجهاديين بعضُ شرائح وأفراد السلفيين الجدد خارج المملكة أولاً ثم بداخلها أيضاً.
إنّ خطورة الانشقاق باسم الجهاد تمثّلت وتتمثّل في استحلال الدم بالداخل، وتهديد الاستقرار والوحدة، وفي الصيرورة إلى مواجهة العالم، مما جعل من الإسلام مشكلةً عالمية. أمّا الاتجاه الحزبي والتنظيمي فخطورتُهُ تبدو في تغيير الوظائف الرمزية والتعبدية والأخلاقية للدين، وتركُّز غائية الدين أومقاصد الشريعة في إقامة الدولة التي لا تُستعاد الشرعية العميقةُ لاجتماعنا الديني والسياسي بزعمهم إلاّ بها.
إنّ بؤرةَ هذا الوعي الصَحَوي إذن هي زوالُ الشرعية الإسلامية الكلاسيكية، وعدمُ نجاح الدولة الوطنية الجديدة في استعادتها، وبخاصةٍ في مرحلتها الثانية الممتدة لخمسةعقودٍ من الأنظمة العسكرية والأمنية. إنما أين هي الشرعية الدينية والسياسية، وهل هي في الجماعة والمجتمع، اللذين يحتضنان الدين ويتبادلان معه السكينة والطمأنينة، أم هي في التنظيم القائد والمرشد؟! لقد وضع الحزبيون الإسلاميون الشريعة في مواجهة الجماعة، والتنظيم في مواجهة الدولة. وبذلك ظهرت للمرة الأولى في الإسلام السني مسألة فقد الشرعية، وتزعْزُع الدين، وضرورة استعادة سيطرته من طريق الدولة. وما حدث ذلك في الإسلام السني وحسْب؛ بل وفي الإسلام الشيعي أيضاً. فصحيحٌ أنّ الإمامة ركنٌ من أركان الدين عند الإمامية، لكنّ إقامة الدولة مؤجَّلةٌ لحين ظهور الغائب المنتظَر. والفقيه هو حارسُ هذا الانتظار، والوكيل عنه في الشأن الديني والحسبي فقط لحين ظهوره. وكما فقدت الدولة  الوطنية شعبيتها وشرعيتها في مرحلتها العسكرية والأمنية عند السنة، فكذلك حدث في إيران. ولذا فإنّ الثورة الشعبية على حكم الشاه، انتهت بإقامة دولة "الولي الفقيه" الحاضرة وغير المنتظِرة لأحدٍ ولا لشيئ. ففي كلتا الحالتين، هناك تحويلٌ لطبيعة الدين أو المذهب، وهذا هو أساسُ الانقسام الذي نعاني منه اليوم، وسط اصطراع الشرعيات والمشروعيات. وهو انقسامٌ عميقٌ لانه باسم الدين أو بداخل الدين. وقد ترتبت وتترتب على ذلك في الوعي والواقع آثارٌ عميقةٌ وباقية لزمنٍ طويل. هل تتغير طبيعةُ الدين، فيصبح الإسلام ديناً سياسياً أو مسيَّساً، بمعنى أنه لا يتحقق إلاّ بقيام دولةٍ تقول بتطبيق شريعته بحسب المفهوم الجديد للشريعة وللدين؟! الله سبحانه وتعالى يقول:{اليومَ أكملتُ لكم دينكم، وأتممتُ عليكم نعمتي، ورضيتُ لكم الإسلامَ دينا}(سورة المائدة: 3)،والحزبيون والجهاديون يقولون لنا: بل إنّ دينكم زال أو تضاءل، ولا بُدّ من استعادته وإحقاقه بالقوة وأو بالاستيلاء على السلطة!
إنّ تصرفات الجهاديين، وتحويلات المفاهيم لدى الحزبيين، كلُّ ذلك يحولُ دون الوحدة، فضلاً عن تحقيق نتائجها في التضامُن، وإرسال الرسالة الأُخرى إلى عالم اليوم والغد، وهوعالم المسلمين، كما هو عالَم أهل الديانات الأُخرى، والحضارات الأُخرى.
العائق الثاني أو العقبة الثانية: التحويل التعبُّدي والقيمي. لقد ذكرتُ التحويل المفهومي بداخل الدين في علاقته بالدولة والعالم باعتباره عاملاً أو عائقاً أول، أما العائق الثاني في وجه الوحدة والتضامُن فهو التحويل القيمي، المتمثل باستعلاء ثقافة بل عقيدة الولاء والبراء بداخل الإسلام المعاصر. أما التحويل المفهومي فسوؤه بادٍ في تسييس الدين أو وضْعه في خدمة فئةٍ أو فئاتٍ في صراعها على السلطة باسمه. بيد أنّ التحويل القيمي والتعبدي (وإنْ لم ينتشر انتشار التحويل المفهومي)؛ فإنه يعيد المسألة إلى النزاعات الكلامية على الإيمان وعلائقه بالعمل في القرنين الثاني والثالث للهجرة. هذا النزاع المدمِّر أنهاهُ أهل السنة وإمامُهُم في عصره أحمد بن حنبل(241هـ) عندما قال تبعاً لشيوخه إنه لا يُكفَّر مؤمنٌ بذنب، والمؤمنون، على ظاهر العدالة. والصلاةُ وراء كلّ إمام، والجهادُ مع كلّ أمير. وليس من المفيد هنا العودة إلى نقاشات وتفسيرات الولاء والبراء في القرآن والسنة، فقد صارت معروفةً منذ تجدُّد الجدال حولها عندما انتشرت ظاهرة التكفير من جديد خلال العقود الأربعة الماضية. لاحظ الأنثروبولوجي المعروف إرنست غلنر في كتابه: مجتمع مسلم(1977) أنّ الأرثوذكسية الإسلامية، وهو يقصد بها أهل السنة أو أهل الاتجاه الرئيسي أو السائد في الإسلام، مختلفة عن الأرثوذكسيات في الديانات الأُخرى التوحيدية وغير التوحيدية. فالأرثوذكسية في العادة تكون شديدة التدقيق في المسائل التعبدية، وكثيرة الشعائر، وكثيرة الاهتمام باللباس والهيئة. وبسبب تدقيقاتها وشعائرياتها وإدخالها أصغر التفاصيل في الاعتقاد؛ فإنّ الانشقاقات عنها تتكاثر للهروب من الشعائرية والطهورية الشديدة والشكلية، فتكون الفِرَق المنشقّة عن الأرثوذكسية اليهودية أو الكاثوليكية أو البوذية أكثر تحرراً ورحابة، وأقلّ شعائرية. وهذا كلُّه باستثناء أهل السنة، لأنهم الأرحب والأوسع والأكثر تقبلاً للتمايُز والاختلاف، ولذلك فقد صاروا الكثرة الكاثرة بين المسلمين، وقلّت الانشقاقاتُ عنهم. إنّ هذا كلَّه يوشكُ أن يُصبح غير صحيح، بسبب الشعائريات المقسِّمة والسمْتيات الخانقة التي تظهر في كلِّ مكان، وفي المسائل العقدية، كما في العبادات، ورسوم الهيئة والسمْت. ولذلك كان هناك من المراقبين من قال في الثمانينات من القرن الماضي إنّ الإسلام التقليديَّ بصورته المعروفة انتهى إلى غير رجعةٍ وهناك اليوم ثلاث فِرَق إسلامية سنية هي: السلفيون، والصوفية، والإخوان المسلمون.
وعلى أيّ حال؛ فإنه مع التكفير أو الانعزال أو الهجرة أو الجهاديات؛ لا يمكن بالطبع تصور التوحُّد أو التضامن. وهذا فضلاً عن تصور استمرار أو سواد فكرة "جماعة المسلمين" التي كان أهل السنة في شتى عصورهم شديدي الاعتزاز بها باعتبارها أساس الشرعية.
أمّا العقبة الثالثة في وجه التوحد والتضامُن فتتمثل في الانقسام الشيعي-السني المتصاعد والمتفاقم. لقد ذكرتُ من قبل أنّ الدولة القومية الإيرانية قبضت على رأس المذهب أو عنقه، ثم أطلقته لنشر مناطق النفوذ لإيران في العالمين العربي والإسلامي. وكنتُ أقصِدُ بذلك أنّ للمُشكل الشيعي/السني الحاصل أسباباً سياسيةً واستراتيجية. لكنْ لماذا نخبّئ رأسنا في الرمال؟ ما كان من الممكن استخدام المذهب الشيعي أو التشيع في الصراع الدائر لولا التحويلات المفهومية الكبيرة التي تمت فيه، مثلما تمَّ نظيرٌ لها أو نظائر في الإسلام السني. إنّ التنافر بين السلفية والشيعة قديم. بيد أنّ متشددي السلفية ما استطاعوا إقناع الجمهور السني أو قسم منه بضرورات العداء أو الحرب. وكذلك الأمر مع متشددي الشيعة، الذين ما استطاعوا من قبل إقناع جمهورهم بمصارعة السنة. وعندما كان شيئٌ من ذلك يحدث؛ فإنّ المتعدي كان يلقى جزاءهُ من جماعته قبل الآخرين. ثم كانت ولاية الفقيه، وكانت السلفية الجهادية، فما عادت الحرب مستبعَددةً، وإنما متى تقع. وها هي قد وقعت الآن، بطرائق تشيبُ لهولها الوِلْدان. وإن اعتبرتم هذا التعبير إنشائياً ومُبالِغاً، فألقوا نظرةً على ما يحدث في سورية والعراق وباكستان وأفغانستان واليمن ولبنان!
إنّ الذي يحدث فظيعٌ بالفعل. بيد أنّ الأفظَع منه هو التسليمُ به وعدمُ الاستنكار. بل إنّ هناك علماء من الطرفين خاضوا في هذه الدماء المحرَّمة، في حين غلب الصمتُ والتجاهُلُ على الكثرة الساحقة. وبالله وتالله، كيف يمكن الحديث عن التوحُّد والتضامُن وسط هذه الأجواء والبيئات الدموية القاتلة والمشرذِمة؟!
والعقبة الرابعة أو العائق الرابع، ونحن ما نزال في عقابيل الثقافة الدينية الجديدة وفصامياتها، وهي فصامية الفُسطاطَين المعروفة. وهي ناجمةٌ – كما سبق القول- عن المرارات المتراكمة من جانب الغرب، ونظامه السائد قيماً وممارساتٍ في عالم اليوم. وقد أحدثت هذه الفصاميةُ انشقاقاً ما يزالُ يتفاقمُ بداخل الإسلام أو على حفافيه، كما أنها غيَّرت رؤية العالم للإسلام السني على وجه الخصوص، وربطتْه بالإرهاب. وأمامنا عملٌ كثيرٌ وكبيرٌ ليس لتغيير رؤية العالم للإسلام ومخاطره عليه فقط؛ بل ولتغيير رؤية أو رؤى جمهورنا نحن، في السُبُل الأجدى للتعامُل مع هذا العالم، والمقاربة الأُخرى لفقه العيش فيه.
لماذا بلغ الأمر بعشرات الأُلوف من شبان أمةٍ ينتمي إليها خُمس سكّان العالم، أنّ يُقدموا على تفجير أنفسهم ليس بأهل الحرب، وفُسطاط العدوان مثلاً؛ بل وفي ديارهم هم، وبين أهليهم؟ نستطيع بالطبع إيراد قائمةٍ بالغة الطول بالمظالم الواقعة على المسلمين والإسلام خلال قرنين وأكثر. وهي مظالم تُعمي البصر والبصيرة. إنما من جهةٍ أُخرى، مَن الذي بوسعه أن  يتحمل المسؤوليات عن الأهوال النازلة بنا وبعلائقنا بالعالم، وقدرتنا على العيش فيه، نتيجةً لمظالم النظام العالمي، ونتيجةً لردود أفعال شبانٍ منا على تلك المظالم؟! قلتُ مرةً إنها الرؤيةُ السوداء للعالَم في مرآة الهوية. وقد لا يكون صحيحاً ولا ممكناً طرْحُ سؤال المسؤولية عن ذلك كلِّه، لكنه في النهاية سؤال الدين والأخلاق وإنسانيـة الإنسان، علينا وعلى غيرنا. أو لم يقل عزَّ وجلّ { كلُّ أمرئٍ بما كسب رهين}(سورة الطور: 21).
والإشكالية أو التساؤل الخامس الذي يستحقُّ الطرح، والذي يتعلق بالإمكانيات، كما يتعلق بالمسؤوليات، ويتعلق أولاً وآخِراً بعنوان هذه المقالة، أي الواجب الشرعي، والضرورة الحضارية. الشبكات المسلّحة اليوم في الأعمّ الأغلب شبكاتُ قتلٍ وجريمةٍ منظَّمة أوغير منظَّمة. وبعضها مصنوع، او مُعادٌ توجيهه. كما انّ بعضَها تابعٌ لدولةٍ مثل التنظيمات الشيعية. إنما لنعُدْ إلى أُصول الظاهرة، أعني ظاهرة العنف والانتحاريات. قلت إنّ الوحدة فريضةٌ، والمسالمة فريضة، لكنّ الدفاع عن الدين والأمة( كما استقرّ في وعي أولئك الشبان) واجبٌ أيضاً. لقد استقرَّ في خَلَد أولئك المستقتلين أنه ينبغي عليهم القيامُ بهذا الواجب أو يكونون مرتكبين للمعصية. وهذا وعيٌ مضلَّل، إنما يتشارك في المسؤولية عنه أربابُ الشأن العامّ، وأهل العلم والدين باعتبار أنّ دوافعَ هؤلاء دينية الطابع أو الدافع. والذي أراه بعد تأمُّلٍ لظاهرتي الجهاديات والحزبيات على مدى الثلاثين عاماً الماضية، أن حزبيات الشرعية الدينية كانت ستظهر على أيّ حال، أمّا الجهاديات باعتبارها نهجاً في الدفاع والردع والتضامُن، فربما لم تظهر لولا حرب فلسطين، وحرب العام 1967، وضعف المؤسسات الدينية والتعليمية.
إنّ المسؤوليات عن الوحدة والتضامُن مشتركة. ولذا فإنّ المسؤوليات عن الاختلالات مشتركةٌ أيضاً.
المؤسسات الدينية ومسؤولياتُ الوحدة والتضامُن:
لنُعِدْ قراءة آيات الاعتصام والوحدة والتضامُن. قال تعالى:{ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا واذكروا نعمةَ الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا. وكنتم على شفا حفرةٍ من النار فأنقذكم منها. كذلك يبين الله لكم آياتِه لعلّكم تهتدون. ولتكن منكم أمةٌ يدعون  إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون. ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البيِّنات، وأولئك لهم عذابٌ عظيم} (سورة آل عمران: 102-105). لقد كثر الجدال قديماً وحديثاً في مسألة المؤسسة الدينية عند أهل السنة. ولا شكّ أنها مختلفةٌ عن المؤسسات في الديانات الأُخرى، فهي ليست مقدَّسةً، ولا تملكُ عصمةً من أيّ نوع. إنما الذي لا شكَّ فيه أيضاً أنها امتلكت عبر العصور وظائف ومهماتٍ محدَّدة في قيادة العبادات، والتعليم، والفتوى، والقضاء، والإرشاد العام. وقد لقيت عَنَتاً في الأزمنة الحديثة والمعاصرة، ومن عدة جوانب أو جهات: من الإصلاحيين والسلفيين، ومن الحركات والاحزاب الدينية، ومن السلطات في الدولة الوطنية في حقبتها العسكرية والأمنية. فالاصلاحيون والسلفيون حملوا على تقاليدها المذهبية، ودعَوا إلى فتح باب الاجتهاد، وإلى هجران الأعراف البدْعية الموروثة من أزمنة الانحطاط. والدعوة هذه حق، لكنْ ماذا تملكُ تلك المؤسساتُ من أجل الاستمرار غير التقليد العريق للمذاهب الأربعة؟ وهكذا فإنها أُصيبت بزعزعةٍ شديدةٍ ما خرجت منها باتجاه التجديد إلاّ وواجهت تحديين آخرين: تحدي ظهور حركاتٍ دينيةٍ لا تعترفُ بمرجعيتها، لأنها تمتلك تصوراً آخر لترتيبات الشرعية وعلائق الدين بالمجتمع والدولة. وتحدي الدولة الوطنية الجديدة التي رأت في المؤسساتت الدينية عقبات أمام التحديث. ولذا فإنّ الدول الحديثة في عالم الإسلام سلكت إزاء المؤسسات الدينية أحد ثلاثة مسالك: إمّا الحياد الودود أو المتجهم، أو الحفظ والتقوية والاستتباع، أو الإضعاف إلى حدود الإلغاء. ولو تأملْنا مصائر الأُصوليات في ضوء مسالك الدول تجاه المؤسسات الدينية لوجدْنا أنّ الإحيائيات هذه ظلت ضعيفة في دول الحياد الودود تجاه المؤسسة، وصارت عنيفةً في دول الجفاء والقطيعة، وتوسطت حركياتها بين العنف والاستيعاب في دول الحفظ والاستتباع.
ولستُ هنا في معرِض تقييم سياسات الدول تجاه الجهات والمؤسسات الدينية. بل الذي أُريدُ الوصولَ إليه أنّ الحركات الإسلامية المسيَّسة وغير المسيَّسة أوصلت الأمور إلى الاشتباك بين الدين والدولة، وبين الإسلام والعالم. ومع هاتين الظاهرتين لا يتصور التضامن او التوحد. ولا أرى مخرجاً من هذا الاشتباك إلاّ بالعودة مبدئياً إلى المؤسسات الدينية العريقة البنية، والقائمة على الوظائف الأساسية، والماضية إلى المهمات المستجدة. والذي يدفعُني لذلك النموذج الذي طرحه الأزهر في السنوات الأخيرة بمصر. فهو نموذج واعد، لأنه يُنهي الاشتباك بين الدين والنظام السياسي الذي فاقمته العنفيات، وفاقمة الإسلام السياسي، كما أنه يُسهم في إحداث مصالحةٍ وسكينةٍ بين الفئات الاجتماعية. وإذا تجددت دعوتُه فقد يُسهمُ أيضاً إلى جانب استنقاذ الوحدة والتضامُن، في استشراف رؤيةٍ معقولةٍ ووسطيةٍ للعلاقة مع العالم.
سمعتُ شيخ الأزهر السابق طنطاوي يقول: يمتلك الأزهر وظائف ومهمات، أما الوظائف فنحن ما نزال نقوم بها إلى حدٍ مقبول، وأمّا المهمات فقد حيل بيننا وبينها، ولأسبابٍ بعضُها يتعلقُ بنا، وبعضُها خارجٌ عن إرادتنا. فلنعُدْ إلى الوظائف: قيادة العبادات، والتعليم، والفتوى، والإرشاد العام. إنّ المؤسسات الدينية ما تزال تقومُ بهذه الوظائف على نحوٍ جامعٍ يُسهمُ في حفظ الوحدة الدينية، والوحدة الاجتماعية. وقد تدخلت الأحزاب وتدخل الدعاةُ الجُدُد في الفتاوى، لكنّ معظم الناس ما يزالون يميلون لتعليم أبنائهم وتربيتهم لدى جهاتٍ غير حزبية. كما أنهم يقصدون أهل الفتوى المعتمدين والمشهورين بحُسْن السُمْعة وعمق المعرفة في الأمور التي تهمهم في دينهم ودنياهم. ومهمة الدعوة أو الإرشاد العامّ شديدة الأهمية لجهتي الداخل والخارج. ففي الداخل هناك الحرصُ غير المتحزّب على الوسطية ورفض الغُلُوّ والتطرف والعنف. ومع الخارج هناك الحرص على التكافؤ والسلمية ومقتضيات المقاصد الشرعية في حفظ الدين والأمة، وإظهار الوجه السمْح والعريق للإسلام.
إنّ الذي نراه جميعاً أنّ الوحدة فريضةٌ دينية. والتضامُن المترتب عليها كذلك. لكنّ التضامن يقتضي أيضاً المبادرة واجتراح وسائل وأساليب لذلك، وفي الداخل وتجاه الخارج. وهذا معنى الضرورة الحضارية. هناك اضطرابٌ شديدٌ في مسألة الوحدة. وقد أفضى ذلك إلى اضطرابٍ أشدّ، وقصور ظاهر، في قضايا التضامن. ومن الطبيعي أن تلعب الدول والمنظمات الإسلامية أدواراً بارزةً في مسألة التضامُن بالذات. لكنّ الاضطراب الديني والاستراتيجي في المجال العربي بالذات يعيد الأمور إلى نقطة البداية. لقد كان الأمر خوفاً على الدين، وقد صار الآن خوفاً منه. كما كان الأمر خوفاً من الدولة، وهو الآن خوفٌ عليها. وبين هذين القطبين: الخوف من، والخوف على، نحن محتاجون أشدّ الحاجة لاستعادة السكينة في المجتمعات، والثقة بالدين، وبالأمة. الدين بإخراجه من مواطن التنازُع والتغالُب لتستعيد المجتمعات  به سكينتها ووحدتَها. والأمة بسواد أنظمة الحكم الصالح فيها لتستقلّ بإدارة الشأن العام بالكفاية والمسؤولية.
أيها السادة، أيها الإخوة
لقد أردتُ الحديث عن ضرورات التضامن وواجباته وجهوده، لكنني وجدتُ نفسي أتحدث كلَّ الوقت عن عوائقه ومزالقه وعقباته. فلنُخْرِجْ ديننا من مواطن النزاع لنستعيد به ومعه وحدتَنا وتضامُننا. ونحن العرب أَولى الناس بذلك. فالله سبحانه وتعالى يقول:{ وإنه لَذكْرٌ لك ولقومك وسوف تُسألون} (سورة الزخرف: 44). إنه إذن ذكْرٌ وشرفٌ ومسؤولية. ونحن نواجه دفعةً واحدةً قضايا وجودية كبرى، تتعلق برؤية الذات والدور والعالم. والتلاقي والتشاور والمصارحة، كلُّ ذلك ضروريٌّ للتفكير في المشكلات، وضروريٌّ للتشخيص الصحيح، وضروريٌّ  أخيراً وبالتكافل والتضامُن للتصدي الناجح لقضايا الحاضر والمستقبل.
التضامُنُ إذن واجبٌ شرعيٌّ لتحقيق معنى الدين ومقتضياته، وهو ضرورةٌ حضاريةٌ للتوجه إلى العالم. لكنّ المشكلات تراكبت وتعقّدت بحيث تهددت الوحدةُ ذاتُها التي ينتج عنها التضامُن حُكماً. هناك اليوم تشققاتٌ وانشقاقاتٌ بداخل الإسلام. وهناك اشتباكٌ بين الدين والدولة. وهناك علاقاتٌ سيئةٌ بالعالم. فلا بد من إعادة بناء الوحدة لتعود للجماعة والمجتمعات سويتُها وتضامُنُها. وهذان الأمران لا سبيلَ إليهما إلاّ من طريق مؤسَّساتِنا الدينية. المؤسساتُ الدينيةُ التي يجب أن تتأهَّل لأداء وظائفِها في التعليم والفتوى والإرشاد العامّ، وأن ترتفع إلى أُفُق النهوض بالمهامّ التي كلفنا الله سبحانه وتعالى بها في خاتمة آيات الاعتصام حيث قال: ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهَون عن المنكَر وأولئك هم المفلحون.


----------
(*) محاضرة أُلقيت بمؤتمر التضامن الإسلامي الذي أقامته رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، 2-4/3/2014م.

name country