header
الآداب السلطانية ومرايا الأُمراء
الآداب السلطانية ومرايا الأُمراء
والفكر السياسي الإسلامي
رضوان السيد


1.التجربة والعمل على الفكر السياسي الإسلامي الوسيط: بدأْتُ العمل على نصوص الفكر السياسي الإسلامي عام 1977. وكانت الفكرة بسيطة، وتتلخص في أنني أثناء عملي على أُطروحة الدكتوراه مع البروفسور جوزف فان أس بالمعهد الشرقي بجامعة توبنغن، ما وجدْتُ ما يمكن الرجوعُ إليه في أصول الفكر السياسي الإسلامي (تصورات الأمة والدولة والتفكير السياسي) غير ثلاثة مصادر: الأحكام السلطانية للمارودي، والسياسة الشرعية لابن تيمية، وفصول من المقدمة لابن خلدون. ولأنني كنتُ أفكر في كتابة تاريخٍ للفكر السياسي الإسلامي، فقد أقبلْتُ على جمع المخطوطات والرسائل ذات المنحى السياسي من المطبوع قديماً، وخلال سنتين بين عام 1975 وعام 1977 اجتمع لديَّ زُهاء الخمسين كتاباً و رسالةً مطبوعة أو مصوَّرة من مخطوط. وفاجأتني كثرة المؤلَّفات في مرايا الأُمراء أو ما صار يُعرف بالآداب السلطانية. كما فاجأتني مشكلةٌ اُخرى وهي: هل تُعتبر كتب الفارابي(-339هـ): آراء أهل المدينة الفاضلة، وفصول في المَدَني،وفصول منتزعة وغيرها، مؤلَّفاتٍ في فلسفة السياسية أم أنها جزءٌ من تقليدٍ فلسفيٍّ كلاسيكيٍّ لا يُعنى حقاً بالحكم وقضاياه. والمهمُّ أنني قررتُ التمهيد لمشروع تاريخ الفكر السياسي الإسلامي بنشر نصوصٍ مختارةٍ مما لم يُنْشَرْ من قبل، أو نُشِرَ نشراتٍ غير علمية. وهكذا وقع اختياري على حكاية "الأسد والغوّاص"، وهي حكايةٌ على ألسنة الحيوانات مثل كليلة ودمنة، والنمر والثعلب أو ثُعلة وعَفرة لسهل بن هارون، مع فروقٍ بارزةٍ في الإشكالية والتفاصيل؛ فأصدرتُها عام 1978، كما أصدرتُ "قوانين الوزارة وسياسة المُلْك" للماوردي عام 1979. وحتى العام 1993 كنتُ قد أصدرتُ سبعة نصوصٍ، تستند كلُّها إلى مقدماتٍ شارحة، وإحالاتٍ وحواشي واسعة، وفهارس فنية عديدة. وخلال هذه المدة، أي حوالي الخمسة عشر عاماً، كان مشروعُ تحقيق نصوص الفكر السياسي هذا قد استقلّ عن المشروع الأصلي المتعلق بتاريخ الفكر السياسي. إذ انصرفتُ منذ مطلع الثمانينات من القرن الماضي إلى العمل الدراسي على أساسٍ  آخر. فأصدرْتُ دراساتٍ جمعتُها في كتاب باسم: الأمة والجماعة والسلطة (1984)، باعتبار أنّ الدولة  في عالم الإسلام قامت على هذين المفهومين: مفهوم الأمة، ومفهوم الجماعة؛ وقد ارتبطت بهما رؤيةُ الخلافة أو نظريتُها أكثر مما ارتبطت بالسياسات العملية التي تُمثّلثها كتب مرايا الأُمراء أو  الآداب السلطانية. وبالفعل؛ فإنه منذ الثمانينات من القرن الماضي شغلتْني مسألتان: مسألة الوظيفة التي كانت لجنس مرايا الأُمراء، وأدّت إلى الإكثار من التأليف فيه في المجال الثقافي الإسلامي- ومسألة الإشكالية أو  الإشكاليات المتنوعة والمختلفة والتي كانت تحكم هذا النوع أو ذاك من أنواع التفكير في السلطة والدولة.
وما أعانتني الدراساتُ التي صدرت في الفكر السياسي الإسلامي فيما بين السبعينات والتسعينات.كانت هناك الدراسة القديمة جداً لـ Richter عن مرايا الأُمراء، ومقالة لـ Ann Lambton ، وكتاب Erwin Rosenthal، عن الفكر السياسي في الإسلام، ثم دراسة T. Nagel  المستفيضة عن الماوردي ثم عن إمام الحرمين الجُويني. وقد خطى Nagel بالفعل أبعد مما توصل إليه H. Gibb، لكنه ظلَّ أسير مقولة الوظيفة التبريرية، وما اهتمَّ لاختلاف فنون التأليف باختلاف الإشكالية.  وفي عام 1986 أصدر زميلُنا نصر عارف الآتي من عالم العلوم السياسية كتابه: التراث السياسي الإسلامي. وقد فهرسَ فيه لحوالي الثلاثمائة كتاب سياسي في العهود الكلاسيكية، لكنه ما اهتمَّ بالتصنيف إلى أجناسٍ أو تيارات، كما أنّ ذلك ما كان من مقاصده في الكتاب المذكور. لكنني أفدْتُ منه كثيراً، إذ تعرفْتُ على كتبٍ ونصوصٍ جديدة، اخترت خمسةً منها،وكلّفْتُ تباعاً خمسةً من طلابي بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية ببيروت، ومعهد المخطوطات بالقاهرة، بتحقيقها في أطاريحهم للماجستير.
في تسعينات القرن الماضي إذن أقبلْتُ على تفحُّص المسألتين: مسألة الإشكالية، ومسألة الوظيفة. ففي مجال الإشكالية صنَّفتُ التأليف في الفكر السياسي الإسلامي في أربعة تياراتٍ رئيسيةٍ تبعاً للإشكاليات التي حكمت كلَّ نوعٍ أو جنس:
أ.مؤلفات الفقهاء في الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية. وهي تنطلق من مسألة الشرعية. وهي تُقيمُها على التجربة التاريخية للأمة مع الخلافة ولجهتين: جهة ما قام به الصحابةُ بعد وفاة النبي من نصب رجلٍ على رأس الدولة سمَّوه "خليفة" أخذاً من القرآن، وتمييزاً عن أكاسرة الفرس وقياصرة الروم. ومستندُ هذا التنصيب الإجماع- وجهة وظائف هذا المنصب التي جمعها الماوردي في مهمتين: حراسة الدين وسياسة الدنيا. وكتب الفقه الدستوري، أو الـ Institutional Law ليست كثيرة، ومنها الأحكام السلطانية للماوردي، وتسهيل النظر له، والأحكام السلطانية لأبي يعلى، وغياث الأُمم للجويني، وتحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة، والسياسة الشرعية لابن تيمية. وأكثر دراساتي في "الأمة والجماعة والسلطة" (1984)، والجماعة والمجتمع والدولة (1997) تحاول ان تقرأ مذهب الفقهاء بالذات في الأمة والدولة والخلافة. كما أنني حققت نصين مع دراسات تقديمية في هذا النوع وهما: قوانين الوزارة، وتسهيل النظر.  
ب. مدرسةُ أو كتب الفلاسفة في التفكير السياسي وما التحق بها من كتب الاخلاق. وهي تستندُ في تصورها لمسألة الدولة أو المدينة لخليطٍ من تصورات أفلاطون وأرسطو وتلامذة فكريهما. وإشكاليةُ هذا التقليد الفلسفي تحقيقُ السعادة في المدينة الفاضلة أو الكاملة. وأبرز أمثلة هذا النوع من التأليف كتب الفارابي: أراء أهل المدينة الفاضلة، وفصول في المدني، وفصول منتزعة، وفصول عند ابن سينا في الشفاء والنجاة، وشرح ابن رشد لجمهورية أفلاطون، والسعادة والإسعاد للعامري وبعض المؤلَّفات الأخلاقية المُشابهة. وقد درستُ هذا النوع من الفلسفة السياسية في بحوثٍ مثل العقل والدولة، وابن سينا والفكر السياسي، وابن رشد والتفكير السياسي.
هـ. مدرسة المتكلمين أو كتب المتكلمين وفصولهم في الإمامة. وربما كان الشيعة الزيدية أولَ من ألَّف في ذلك، ثم تبعهم شيعةٌ آخرون، ومعتزلة، وإباضية- إلى أن أفْضى الأمر إلى الأشاعرة. وهؤلاء جميعاً يعتبرون السلطة جزءًا من الاعتقاد. أمّا الأشاعرة، فهم يجعلون الفصل الخاصَّ بالإمامة في آخِر كتبهم الكلامية. ويقولون في أوله إنّ الإمامة ليست من الاعتقاديات أو  التعبديات، بل هي من المصحليات. لكنهم ينفقون صفحاتٍ كثيرةً في الربط بين صحة العقيدة، والقول بشرعية الخلافة الراشدة. وما كتبتُ بعد في هذا النوع من اللاهوت السياسي.
د. مدرسة مرايا الأُمراء والآداب السلطانية ونصائح الملوك. والكتابةُ فيها هي الأقدم. فأُولى الرسائل والتوجهات التي نعرفُها لهذه الناحية تعود للعصر الأُموي، من مثل رسائل أرسطو المنحولة إلى الإسكندر، ورسائل عبد الحميد بن يحيى الصادرة عن الديوان الأُموي. وإشكاليةُ هذا الجنس الأدبي: استقرارُ المُلْك واستمراره. ويستند هذا الجنس إلى موروث كلاسيكي أصولُهُ يونانية( هيللينية) وهندية وفارسية. وهو يظهر بثلاثة أشكال: شكل الرسالة أو العهد الذي يتركُهُ الملك لوليّ عهده وفيه نصائحُ سياسيةٌ في طرائق التعامُل مع الطبقات الاجتماعية لكي يستمر المُلك ويخلُد- وشكل الحكاية على ألسنة الحيوانات مثل  كليلة ودمنة وثعلة وعفرة، والأسد والغواص- وشكل الكتاب المقسَّم على الأبواب من عشرين إلى مائتين، من مثل: فضل الملوك، عدل الملوك، كتمان سر الملك، المسلك في الحربب، التعامل مع الجند..الخ. وقد نشرتُ حتى الآن خمسة نصوص في الآدابيات السلطانية هذه، كما نشر تلامذتي عدة نصوصٍ كلفتثهم بتحقيقها في أطاريحهم. وقد درسْتُ هذا النوع من المؤلفات في مقالتي: الكاتب والسلطان في الدولة الإسلامية، كما درستُه بالتفصيل في مقدمات النصوص المحقَّقة.
2. الآداب السلطانية والفكر السياسي الإسلامي: تقوم فلسفةُ مرايا الأُمراء أو الآداب السلطانية على موروثين، أحدُهُما هيلليني والآخَر فارسي. أما المقولة الرئيسيةُ في الموروث الهيلليني، فهي تلك التي تردُ في"سر الأسرار" المنحول والمنسوب لأرسطو، وهي تتحدث عن موقع السلطة والدولة في تصورٍ كوني، هذا نصُّه: "العالمُ بستانٌ سياجُهُ الدولة. والدولةُ سلطانٌ تحميه السُنّة. والسنةُ سياسةٌ يسوسُها الملك. والملكُ راعٍ يعضِدُهُ الجيش. والجيش أعوانٌ يكفُلُهُمُ المال. والمالُ رِزْقٌ تجمعُهُ الرعية. والرعيةُ عبيدٌ يجمعُهُمُ العدل. والعدلُ مألوفٌ وبه صلاح العالم". وقد سُمّي هذا الشكل دَورياً، ومنهم من سمّاه ثُمانياً. وقد بلغ من سلطانه في المجال الإسلامي أنّ ابن خلدون لم يستطع تجاوُزَهُ، لكنه اعتبره غير  بُرهاني، بينما جاءت مقولتُهُ في الدولة مبرهنة، وهو يعني بذلك أنه استطاع الاستشهاد عليها من  التجارب: العربية، والبربرية، والتركية. ويؤولُ هذا التصور في الحقيقة إلى أربعة عناصر: أنّ الدولة سياج، أي حماية للمجتمع- وأنها تُدارُ بالسنة، أي بالأعراف المستقرة- وأنّ السلطان هو الذي يُشرف على هذه الإدارة- وأنّ إشرافَهُ ينبغي أن يتّسم بالعدل، الذي هو صلاحُ العالم، أي سبب استقراره وبقائه.
وأمّا المقولة الفارسية أو  الإيرانية القديمة فقد وردت في العهد المنسوب لأردشير بن بابك( 227-241م) وكتبه لوليّ عهده سابور؛ ونصُّها: إعلم أنّ المُلْك والدين أخَوان تَوأمان لا قِوام لأحدهما إلاّ بصاحبه. لأنّ الدين أُسُّ المُلْك وعمادُه، ثم صار المُلْكُ بعدُ حارسَ الدين.. وأعلموا أنه لن يجتمع رئيسٌ في الدين مُسِرٌّ، ورئيسٌ في المُلْك معلِن في مملكةٍ واحدةٍ قطّ إلا انتزع الرئيسُ في الدين ما في يد الرئيس في المُلْك؛ فانّ الدين أُسٌّ والمُلْك عماد، وصاحبُ الأُسّ أَولى بجميع البنيان من صاحب العِماد..". إنّ هذه المقولة تتكرر أيضاً ليس في كتب نصائح الملوك وحسْب؛ بل وفي الكتب الأخلاقية، وكُتُب المناقب. وهي تقولُ بالتلازُم بين الدين والدولة، وحاجة المُلوك إلى الدين أو إلى كهنته لدعم عروشهم. ويمكن فهمُ العبارة الثانية التي تُحذّر من اضطراب العلاقة، باعتبارها استحثاثاً للملك لكي يظلَّ على علاقةٍ طيبةٍ برجال الدين، أو باعتبارها تحذيراً للملك من رجال الدين، والطلب إليه أن لا يمكّنهم من أسباب القوة خشية أن يثوروا عليه ويُزعزعوا عرشه. وعلى فرض صحة "العهد" الذي يبدو  أنه مكتوبٌ من جانب أحد رجال الإدارة الشاهانية في القرن الخامس وليس الثالث؛ فإنه ربما كان يشير إلى الاضطراب الذي أحدثه كارتير رئيس الكهنة في عهد كسرى أنوشروان، أو إلى الخلاف مع المانوية.
لقد شاعت منذ أكثر من خمسين عاماً الفكرة التي تقول إنّ صراعاً نشِب في أوساط كُتّاب الديوان أواسط أيام الأُمويين على النموذج، وهل يكون الموروث اليوناني(= البيزنطي؟) أم الإيراني. ويتابع هؤلاء قائلين إنّ تقاليد المُلْك وآيينه انتصر  في مجالها النموذج الإيراني، بينما تقدم النموذج اليوناني في المسائل الفلسفية والفكرية. ولستُ على بينةٍ كم كان كلٌّ من النموذجين واضحاً في أذهان رجال المُلْك وكتّاب الديوان. ذلك أنّ الكتب والرسائل في الإدارة تُعنى بالخراج والشؤون المالية، وهي تُفيدُ في المسائل التقنية من الفرس كما من البيزنطيين بحسب المناطق. أمّا كتب مرايا الأُمراء أو نصائح الملوك، فإنها توردُ مقتبساتٍ ودثائر كثيرة من المترجمات في القرنين الثاني والثالث عن اليونانية والفارسية. ونحن متأكدون بالنسبة للنقول حتى القرن الخامس، أنها في الأكثر عن سر الأسرار، وعمّا عُرف بالأفلاطونيات،وكلُّها منحولاتٌ هيللينية- أو  عن كتب التاج المترجمة عن الفارسية. ويُخيَّلُ إليَّ أنّ مواريث كُتّاب الديوان كانت فارسيةٌ في الأغلب؛ إنما منذ القرن الرابع الهجري فإنّ الأخلاقيات الهيللينية صارت شديدة التأثير في أوساط الكُتّاب وذوي الثقافة الديوانية. أمّا بعد ذلك فإنّ عملية الأسلمة مضت قُدُماً بحيث تراجعت الاقتباساتُ عن الهيللينيات والفارسيات، وتغيرت أحياناً الإشكاليات؛ لكنّ البُنى ما تغيرت كثيراً، أي أنها ظلّت كتباً ذات فصول، أو رسائل وعهوداً وعلى قِلّةٍ حكايات على ألسنة الحيوانات. وقد  لاحظتُ انه في زمن الحروب الصليبية بالذات أُدخلت على الآداب السلطانية فصولٌ في الجهاد، وفصولٌ في الشريعة والسياسة. ثم في الزمن المملوكي تحولت مرايا الأُمراء أو نصائح الملوك تقريباً إلى كتب تعليمية، فيها تقديمٌ أحياناً في فضل السلطان، وأحياناً أُخرى بدون تقديم.
ولنعُدْ إلى التصورات الثلاثة الرئيسية: نظرية الدولة، وعلاقة الدين بالدولة، والعدالة. نظرية الدولة بحسب سرّ الأسرار تعتبر السُنّة أو  العُرف عمادَ الاستقرار والاستمرار. هي تريد التذكير بالطبع بالقوانين أو النواميس عند أفلاطون، إنما لا علاقة لها بها في الحقيقة. وهناك إشاراتٌ خفيفةٌ إلى فكرة الحرية، مثل القول إنّ الإسكندر كان يريد أن يكونَ ملكاً على الأحرار. إنما عند المُضيّ إلى التفاصيل يعود التصوُّر طبقياً، أي أنّ العدالة المطلوبة من الملك إنما هي باتّباع السنة في معاملة كُلّ طبقةٍ بما يلائم طبيعتها. وهذا واضحٌ أكثر في المقتبسات أو المأثورات عن الفارسية. وقد تسلَّل هذا التصور إلى كتب النصائح والأخلاق ذات النزوع الإسلامي، إنما بصيغة العامة والخاصة. لكن كان هناك من رفض هذا التصور مثل العامري في الإعلام بمناقب الإسلام، عندما قال إنّ هذه النزعة ترفضها النفوس الأبية، وقد أقبل الناسُ على الإسلام لأنه يرفض تقاليد كهذه. إنما ما معنى تلك العبارات التي تَرِدُ في كتب النصائح والأخلاق أنَّ السلطان ظلّ الله في الأرض، وأنّ طاعته واجبةٌ في كلّ حالٍ لضرورة ذلك لبقاء المجتمع وأمنه. ويذكر Madelung أن المتغلِّبين الذين صاروا سلاطين في القرن الخامس، كانوا يتلقبون بالشاهنشاه أيام الصفّاريين والبويهيين والسامانيين والغزنويين. وفي سيرة الماوردي(-450هـ) أنه اعترض على تلقيب أحد البويهيين نفسه: ملك الملوك! وقد اقتضى منعُهُ عن ذلك إيرادَ أثّرٍ ضعيفٍ في أنّه لا أذلّ ممن لقّب نفسَهُ ملك الأملاك! من المؤكَّد أنّ المتغلِّبين ما كانوا يعرفون شيئاً عن تقاليد المُلْك الفارسي القديم، وأنّ كُتّاب الديوان أو  المثقفين هم الذين أَوحَوا إليهم بذلك. وما استقرّت هذه الألقاب، كما لم تستقرّ الطاعة على أساسٍ منها؛ وبخاصةٍ أنّ أشدَّهم جبروتاً كان مضطراً لتقبيل رجل الخليفة الضعيف عندما تقعُ عليه عينه، رغم أنه كان يستطيع قتلَهُ حين يشاء. ولكُتّاب مرايا الأُمراء موقفٌ أيضاً، وقد تنوعوا بعد القرن الرابع وما عادوا في الأكثر من كُتّاب الديوان. إذ إنهم يعتبرون السُنّة- أي الأعراف المأثورة – هي عماد الاستقرار والاستمرار. وكلُّ هذا التعظيم ليس له معنى غير مفارقة السنة أو  أعراف الناس وما اعتادوه، وهو مُصادمٌ للذوق العام. إنما الأهمُّ هو  أنه لا يُعينُ  على الاستقرار أو  الاستمرار. فالمُلك – كما يقول كاتب الأسد والغواص- حيلةٌ أو  جبلةٌ وسعادة. وليس من الحيلة في شيئٍ الإمعان في إذلال الناس واضطهادهم في الدين أو الدنيا. وهذا بالنسبة لمهمات السلطة ووظائفها واعتماد الاستقرار على التوازن والتلاؤم بحسب الأعراف من جهة، ومقاييس العدالة من جهةٍ ثانية. ثم إنّ هناك عاملاً آخر بالغَ الأهمية لدى كُتّاب مرايا الأُمراء والنصائح وهو نظرتُهُم الخفيّة إلى السلطة والسلطان. فالسلطة أمرٌ كريهٌ وقاسٍ لكنه ضروريٌّ لأمن المجتمع وحمايته، أمّا أصحاب السلطة فهم في الغالب قوةٌ مجرَّدةٌ وعمياء في أكثر الأحيان؛ وبخاصةٍ في مجال الإسراع إلى استخدام العنف ضد الرعية أو ضد الأعداء. ويرى كُتّاب المرايا أنفُسَهُم مكلَّفين بإدخال التعقُّل إلى سلوك صاحب القوة: مع الرعايا بحُسْن السياسة، ومع الأعداء باستخدام الحيلة وليس القوة. وبقدْر ما يكونُ كاتبُ النصائح طَموحاً إلى منصب المستشار أو  الوزير بجانب الملك، بقدر ما يشعر أنه يُجازفُ بحياته بسبب الطبع غير المنضبط لأهل السلطان. ولدينا موقفان من السلطة والسلطان، أحدهما يمثّله كُتّاب مرايا الأُمراء، وهو المغامرةُ بالاقتراب منه بدعوى التعقيل من أجل الصالح العامّ الذي هو في نظرهم صالحُ السلطان أيضاً. والموقفُ الآخر، وهو موقفُ ذوي الثقافة الدينية الزُهدية أو بعضهم، وهو يرى ضرورة الابتعاد عن صاحب السلطة مهما كان صالحاً، لأنّ في القُرب منه مفسدةً للدين. ويرى ابنُ قتيبة(-276هـ) أنّ هذا الموقف السلبيَّ من السلطة والسلطان عربيٌّ قديمٌ وسابقٌ على الإسلام، فهناك الكلمة السائرة: السلطان ذو عُدْوانٍ (أو عَدَواتٍ)وتٌدرأ.
إنما لا بُدَّ من القول إنّ الموقف من سلطة الخلافة وسلطانها مختلفٌ عن الموقف من السلطات الأُخرى، وفي المرحلتين: مرحلة قوة الخلافة، ومراحل ضعفها وتهافُتِها. وهذا الأمر ليس قاصراً على كُتّاب الأحكام السلطانية، بل يشملُ أيضاً كُتّاب نصائح الملوك. فقد كانت النظرةُ في الكتابات الواصلة إلينا على الأقلّ أنّ الخلافة رحمةٌ للناس وللأمة. وعندما ضعُفت ظهرت فكرة التقابُل بين الشريعة والسياسة. والشريعةُ بيد إمارة المؤمنين، والسياسة هي سُنّة المتغلِّبين والطامحين والطامعين. ولذا فإنّ مقولة عهد أردشير الدينُ والمُلْك أَخَوَان..الخ كَثُرَ استعمالها لدى كُتّاب النصائح بعد القرن الخامس، وكأنما هي دعوةٌ لإصلاح العلائق بين الدين ( أي الخلافة) والدولة ( أي السلاطين الجدُدُ)- وهو الأمر الذي حاوله الماوردي في الأحكام السلطانية، وفي تسهيل النظر. وعارضه إمامُ الحرمين الجُويني (-478هـ) في غياث الأُمم، لأنه كان يرى أنّ الشريعة بيد الفقهاء وليست بيد الخليفة. أمَّا أمير المؤمنين فينبغي أن تتوافر فيه الكفايةُ والشوكة؛ فإن لم يتحقق ذلك فإنّ الخلافة التاريخية تفقد معناها، ويمكن للفقهاء أن يتآلفوا مع صاحب الشوكة الجديد، باعتبار أن شروط  تحقق الشرعية قد تغيرت وما عاد التاريخ الراشدي كافياً. وما أخذ السلاجقة والمماليك برأْي إمام الحرمين، وأبقوا على الخلافة الرمزية وأخذوا هم" سياسة الدنيا" بشكلٍ كامل. لكنّ الفقهاء استقلُّوا بالفعل بالشأن الديني؛ إنما بصيغةٍ لا علاقة لها بالفعل بمقولة أردشير.
إنما وفي نظرةٍ إلى الوراء إذا لم يكن ما استقرت عليه الأمور في العلاقة بين أرباب السيف، وأهل الفقه والكلام مُشبهاً ولو من بعيدٍ لمقولة أردشير، فهل كانت مُواجهةُ المأمون مع أهل الحديث اتّباعاً لنصيحة أردشير بضرب الرئيس في الدين قبل تمرده؟ الأستاذ  Steppat في تحليله لرسالة الخميس المأمونية في الكتاب الاحتفالي لإحسان عبّاس، يذهب إلى أنّ المأمون كان يريد جمع السلطتين الدينية والدنيوية بيده، وقد خشي من أهل الحديث والفقه، أكثر مما خشي من أصدقائه من المتكلمين المعتزلة والزيدية. لقد فشل المأمون إذن في ضرب المحدّثين والفقهاء الذين كان الجاحظ(-255هـ) يسميهم النابتة. وحصل تقسيمٌ للعمل بعد ذلك في ظلّ السلطة المرجعية للخلافة، وربما كان ذلك بين أسباب بقائها الطويل وإن بشكلٍ رمزي.
ويبقى في الخاتمة سؤالان: ماذا كانت وظيفة أو وظائف النوع المسمَّى مرايا الأُمراء؟ والسؤال الآخر  المستجد: من المسؤول عمّا صار يُعرف بثقافة الاستبداد؟ يبدو لي بعد العمل على الجنس المعروف بمرايا الأُمراء ونصائح الملوك والآداب السطانية لحوالي الثلاثين عاماً أنه كان في أصله عملاً من جانب كُتّاب الديوان على صورتهم ومهامِّهم عندما كانت الدولةُ تتحول إلى إمبراطورية، وهم يشاركون – إلى جانب فئاتٍ أُخرى عديدة- في رسم صورتها عن نفسها ومهامِّها بما يتلاءمُ وثقافتَهم ومطامحَهُم. أمّا بعد القرن الرابع فقد صار جزءًا من الأدبيات السردية. ثم اكتسب مهامَّ تعليميةً وإرشاديةً على أثر ظهور الشلالات التركية. في المرحلة الأولى إذن استند هذا الجنسُ إلى المواريث الهيللينية والفارسية. وفي المرحلة الثانية دخلت عليه مسائل كلامية وفقهية.وفي المرحلة الثالثة، مرحلة أو حقبة السلطنات التركية فقد وظائفه ذات الطبيعة السياسية لصالح الوعظ والإرشاد والتعليم.
أمّا السؤالُ الآخر، سؤالُ الاستبداد وثقافته، فهو سؤالٌ مستحيلُ الطرح وآتٍ من الخارج البعيد، وهو أيديولوجيا لا معنى لها، مثل الأيديولوجيا التي سادت في السنوات الأخيرة، والتي تعتبر الأشعرية السُنية السببَ الرئيسيَّ في انحطاط المسلمين والإسلام!
******
لقد  بدأ مشروعي في العمل على نشر المخطوطات السياسية لخدمة هدفٍ أوسع هو كتابةُ تاريخٍ للفكر الإسلامي الوسيط. وأرى الآن وبعد ثلاثين عاماً أنني قد نشرتُ مع تلامذتي وزملائي زُهاء العشرة نصوص، وهناك أربعة أو خمسة نصوصٍ ما تزال تستحقُّ النشر. وأودُّ أن أُشيد بأعمال الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد في هذا المجال، كما يعمل عز الدين العلاّم في دراسة الآداب السلطانية بدون مسبقاتٍ أيديولوجية. وكان D. Gutas قد اقترح عليّ قبل سنواتٍ أن نشترك في عمل Corpos للآداب السلطانية على الشكل الذي قام به هو لنصوص الحكمة الكلاسيكية. لقد انصرفتُ أو كِدْتُ منذ صدور كتابي عام 1997 بعنوان: " الجماعة والمجتمع والدولة" عن تيار مرايا الأُمراء ونصائح الملوك إلى التيار الرئيسي للخلافة والدولة والأحكام السلطانية، واستجدّت لديَّ اهتماماتٌ في السنوات الأخيرة بأعمال أهل اللاهوت السياسي أو  علماء الكلام. لكنّ جنس الآداب السلطانية شديد الإغراء، واسمعوا هذه القصة من نشرتي الأُولى لحكاية "الأسد والغواص" (1978 ، ص 39): إختصم اثنان في شاةٍ فمرَّ بهما إبليس في صورة رجل فاحتكما إليه فقال لهما: إقطعوها نصفين، فلم يرضيا. فقال: عندي حلٌّ لكما لكنْ إحلفا على قَبوله، ففعلا. فقال: أنا أحكم أن آخُذَها وحدي اجتناباً للمجاذبة والخلاف. فلم يستطيعا إلاّ القبول! إنها الحيلةُ والسعادةُ إذن، وقد عرفناهما لحكّامنا على مدى العقود الخمسة الماضية، وها هم يلجأون الآن إلى الحيلة والحَيْل، لكنهم يتساقطون رغم شدَّة حَيلهم، ولذا فالذي يبدو أنّ السعادة فارقتْهم:
فيا دارَها بالخَيف إنّ مزارَها قريبٌ،ولكنْ دون ذلك أهوالُ

www.ridwanalsayyid.com
بحث ألقي في ورشة العمل بعنوان: نحو تاريخ للنظرية
السياسية في المجال الإسلامي /بالمعهد الألماني
للأبحاث الشرقية ببيروت، 20-21/ 2012.

name country
تاريخ الاضافة 12/10/2014
الاسم: إبراهيم الدويري
البلد: موريتانيا
بارك الله في جهدك وقلمك وقرطاسك، نعم القلم والجهد، أمد الله عمرك!!