header
التاريخ والبحث التاريخي عند شكيب أرسلان
التصنيف: أوراق علمية
الموضوع:  علم التاريخ – شكيب أرسلان  
المصدر:  دراسة منشورة
التاريخ:   2007


ظل التاريخ ، والتاريخ الإسلامي على الخصوص ، هاجساً كبيراً  بين هواجس الأمير شكيب أرسلان (1869-1946) ،  ورُصفائه من النهضويين والإصلاحيين . وقد نما لديه بالتدريج ،وبخاصةٍ بعد غزو الإيطاليين لليبيا عام 1911 . – فقد سيطر عليه وقتَها إحساسان متناقضان ؛ الإحساس بهوان المسلمين والصرب على العالم ، بحيث طمعت فيهم حتى الدول الضعيفة في أوروبا مثل إيطاليا والعرب وبلغاريا واليونان . وقد دفعه هذا الإحساس للقيام ببحوثٍ تاريخيةٍ ممتدة عن نهوض العرب ، ثم عن انحطاطهم من وجهة نظره – والإحساس الآخَر إمكان القيام من طريق " الجامعة الإسلامية " و" الوحدة الإسلامية " بجهودٍ دفاعيةٍ منسَّقة وموفَّقة ، مثلما تعاونت السلطات العثمانية مع المقاومين المحليين في ليبيا ضد الغزو الإيطالي ، واستطاعت أن تحشد حركة تضامُنٍ كبرى في سائر أنحاء العالمين العربي والإسلامي من حول الجهاد الليبي (1) . والحقُّ أنّ الأمير شكيباً في هذا الوعي القوي بالتاريخ ، وطرائق توظيفه ، يشبه النهضويين الآخرين من مدرستي جمال الدين الأفغاني (قابله لأول مرة باسطنبول عام 1892) (2) ومحمد عبده ( قابله لأول مرةٍ ببيروت عام 1886 ) (3)؛ لكنه يتقدم عليهم دأَباً ومعرفةً ومتابعة . إذ منذ سقوط الدولة العثمانية ( عملياً عام 1918 ) انصرف للعمل الثقافي(4) . فحتى جهوده السياسية التي أثمرت ، كانت في أكثرها كتابية ؛ وإن يكن هو ومعاصروه قد اعتبروا أنّ حركة الاتصال الكثيفة بالقوى الكبرى ، والتي كانت دأْبه ودأْب أبناء جيله هي الأكثر جدوى وأهمية(5) . وأعني بتقدمه المعرفي ذلك التطور الذي طرأ على ميوله الأدبية . فإلى جانب عمله الإداري في شبابه ، كان يقرض الشعر ، كما أنه تعلم اللغة الفرنسية ، واطّلع فيما بعد على اللغات الألمانية والإيطالية والإنجليزية(6). وقد أذهلته ثقافة جمال الدين الفلسفية ، ومحمد عبده الفقهية ، ورشيد رضا الحديثية (7) ؛ أما هو فقد اتجه في سنوات الكهولة إلى الدراسات التاريخية والحضارية  ؛ من غير تجاهُلٍ للشعر والنثر الفني ، وهو ما أكسبه لقب " أمير البيان " . عرف لغاتٍ عدة إذن ؛ بخلاف أكثر النهضويين . وأقام مدةً طويلةً بأوروبا ( ما بين 1924و1946عملياً ) ، وعرف المستشرقين أشخاصاً وكتباً ومشروعات ، كما عرف الكتب العربية التي نشروها منذ منتصف القرن التاسع عشر . وعندما نقول إنه لا يختلف عن النهضويين في فهم التاريخ وطرائق توظيفه ؛ فإنما نقصدُ بذلك أمرين اثنين : ثُنائية الشرق والغرب ، وثُنائية النهوض والانحطاط . وتكادُ الثُنائيةُ الثانيةُ أن تفسِّر أو أنها موضوعةٌ لتفسير الثُنائية الأولى . فالانحطاطُ العربي والإسلامي ( ولذلك أسبابٌ يفصّلها شكيب أرسلان في الكثير من المناسبات ) هو الذي مكّن الغربَ في حقبة نهوضه من الاستيلاء على أكثر ديار العرب والمسلمين(8). وهذه الرؤيةُ للتاريخ كان من نتائجها لديه – بخلاف كثيرٍ من النهضويين والإصلاحيين من أقرانه – دعم الدولة العثمانية وتأييدها بكل سبيل حتى تواريها تماماً ؛ بما في ذلك منصب الخلافة عام 1924 . فهذا  الوعي القوي بوطأة التاريخ ، وتلك المـعرفة العميـقة بالعلاقات الدولية ، بسبب إقامته بأوروبا ، وصِلاته القوية برجالات الدولة العثمانية ( وبخاصةٍ أنور باشا الرجل الثاني في المثلث : طلعت – أنور – جمال ، والذي حكم الدولة العلية بين 1912و1918) (9)؛ أوصلته إلى قناعةٍ مؤداها أنَّ العثمانيين – رغم ضعفهم – هم السدّ الأخير أمام الطوفان الاستعماري الأوروبي . كانوا كذلك في حِقَبِ السطوة والقوة ، وهم يستطيعون أن يفعلوا الكثير اليومَ ؛ إن لم يكن في الإطار العسكري البحت ؛ ففي إطار جمع كلمة المسلمين تحت مظلة الشرعية العثمانية التاريخية ، لحماية البقية الباقية ،ومحاولة التماسُك والنهوض من جديد (10) . هكذا كانت للتاريخ وظيفةٌ عمليةٌ لدى الأمير شكيب بالإضافة للوظيفة التسويغية إذا صحَّ التعبير . فالانحطاط يعلّل الغَلَبة الأوروبية . والاعتصام بحبل الوحدة يُخرجُ  من وهدة الهزيمة والوَهَن .

لكنْ كما تقــدم الأمير شكيب على أقرانه في المعرفة الثقافية والتاريخية ، كانت لديه أخلاقُ الباحث وأدواتُه ومناهجُه . ففي كتبه التاريخية ما يدلُّ على القيام بأبحاثٍ تاريخيةٍ ممتدَّةٍ دونما هدفٍ ظاهرٍ أو مباشر . ولذلك أكاد أقول إنه إلى جانب جورجي زيدان صاحب " تاريخ التمدن الإسلامي " ؛ فإنّ الأمير شكيباً يقع بين أوائل المحترفين في التاريخ الثقافي العربي والإسلامي في العصور الحديثة .

الكتب التاريخية
أولاً : تاريـخ غزوات العـرب في فرنســا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط . وقد جمع فيه المؤلّف كلَّ الأخبار التي وقعت تحت يده من كتب التاريخ والجغرافيا العربية . ثم من البحوث التاريخية والأثرية الفرنسية . وهو لا يقتصر فيه على النقل والاقتباس من كتب المستشرقين ؛ بل يضيفُ لذلك ما ورد في كتب التاريخ العامّ ، وما شاهده في رحلاته وتحقيقاته (11) .

ثانياً : خلاصة تاريخ الأندلس ( إلى سقوطها ) . وهو كتابٌ موجزٌ نشره ذيلاً لروايةٍ ترجمها عام 1897 1930 . ويعتبر بمثابة مخططٍ لتاريخه الكبير عن الإسلام في الأندلس ، والذي توالت أجزاؤه بين 1936 و1939 .

ثالثاً : الحُلَل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية . والكتاب صدر بين عامي 1936 و1939 في 3 مجلــدات ضــخمة . وهو كمــا ورد في العـنوان الفرعي : " مَعْلَمةٌ أندلسيةٌ تحيط بكل ما جاء عن ذلك الفردوس المفقود " . أما الإطار العـامُّ للكتاب فمأخوذٌ من ثلاثــة مؤلفاتٍ استشراقية هي : كتاب ليفي بروقنسال ، وكتاب دوزي ، وكتاب ستانلي لين بول . لكنّ المضامين والبحوث التفصيلية هي من إنجاز الأمير . وقد درس في الجزء الأول جغرافية الأندلس مستعيناً بالجغرافيين العرب في التفاصيل ، وبالمستشرقين في الإطار العامّ والتطورات الحديثة . أما في الجزء الثاني فقد اتبع خطةً جديدةً لا أعرفُ أحداً سبقه إليها ؛ وهي القيام بدراسةٍ حَضَرية من طريق دراسة مدن الأندلس في العصور الإسلامية ، ثم الاستطراد لذكر ريف المدينة أو رَبَضِها بعدها . وفي الجزء الثالث – وهو أضـخم الأجزاء – درس الأمير الجغرافية السياسية للأندلس ، وتطورات الحكم الإسلامي لمختلف الأقسام والولايات والإمارات والممالك ؛ مع عنايةٍ خاصةٍ بالحياة العلمية في شرق الأندلس على وجه الخصوص . وأنهى الكتاب بخاتمةٍ في سقوط الأندلس ، ورثاء الشعراء لبعض المدن (12) . وبسبب الاقتضاب بعد الإسهاب ، وبعض حديث الأمير شكيب ؛ كان هناك من انتظر جزءًا رابعاً لم يظهر ،ويبدو أنّ الأمير لم ينجزه .

البحوث التاريخية : ترد تلك البحوث في كتب غير تاريخيةٍ للأمير شكيب ، أو في مقالاتٍ في المجلات والصحف . وأهمُّ ما يمكن ذكرُهُ هنا : الارتسامات اللطاف  في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف (13) – وهي رحلةٌ للحج ضمّنها كثيراً من البحوث التاريخية ، وبعض الملاحظات الأثَرية .  

وحاضر الـعالم الإســلامي للمستشرق الأميركي لوثروب  ستودارد . وقد ترجمه عجاج نويهض ، وعلّق عليه الأمير شكيب تعليقاتٍ  ضافيةً ضاعفت حجم الكتاب ثلاث مرات . وفي بعض تلك التعليقات بحوثٌ تاريخيةٌ جديدةٌ فعلاً من بعض النواحي . ويحتوي الكتاب على آراء الأمير شكيب في الحضارة الإسلامية ومصائرها ، وإمكان تجددها . وقد عاد للموضوع نفسه بإيجاز في كتابه الصغير :  " لماذا تأخر المسلمون ، ولماذا تقدم غيرهم " .

وقد علّق على تاريخ ابن خلدون لطبعةٍ جديدةٍ بالقاهرة ، لكنها لم تكتمل  . ونشر نصاً لمجهول في انقضاء دولة بني نصر بغرناطه . كما حقّق كتاباً في مناقب الإمام الأوزاعي . وعلّق أخيراً تعليقات ذات طابع تاريخي أحياناً على كتاب شاتوبريان ، بعنوان : آخِر بني  سراج (14).

وهكذا يكون كتاب " الحلل السندسية " هو الإنجاز الرئيسي في مجال الدراسات التاريخية والحضارية . و تتلوه في الأهمية التعليقات على " حاضر العالَم الإسلامي"  .

                                            *         *          *          *

يقول الأمير شكيب في مقدمته على " الحُلَل السندسية " : " كل أمةٍ من الأمم تدرس تواريخ البشر أجمع ، إلا أنها تجعل تاريخ سلفها هو العلم المقدَّم ، والدرس المقدَّس .. لما في ذلك من وصل حديثٍ بقديم ، وربط آخر بأول ، وإعادة فرعٍ إلى أصل … مغزى التاريخ هو حفظ التسلسل ، ومنع التخلُّف ، وحث الأخلاف على متابعة الأسلاف .. " (15). وأرسلان يرى أنه ما دامت تلك سنة الأُمم ، فكيف بالعرب والمسلمين الذين يملكون تاريخاً وميراثاً من الأمجاد والعزّ الأشمّ . وهذه الأمجاد الشمّاء ، والتي يذكر لها الأمير وظيفة العبرة والاستحثاث للمعاصرين ؛ يذكر لها أيضاً وظيفةً أخرى هي من وجهة نظره وظيفة من وظائف الكتابة التاريخية : وصل الماضي بالحاضر أو الحاضر بالماضي الماجد . ولا شكَّ أنّ ذلك من عمل الوعي لا من عمل الحقائق التاريخية . فصورةُ الأمة عن التاريخ أو تاريخها الخاص هي التي تستمر في الوعي  ، وتهبُهُ قوةً ، وتحولُ دون أن يتحول الانحطاط إلى عقبةٍ كأداء .

بيد أنّ المشكلةَ في هذا الأمر بالذات . فالوعي بالاتصال أو التواصُل التاريخي ، يتناقضُ مع وقائع الواقع الذي يشهد الاستيلاءَ الاستعماريّ على الأمة ومقدراتها . ولهذا تتخذ الكتابة التاريخية سبيلين لتجاوز الانقطاع : سبيل شرح أمجاد الماضي بإسهابٍ وبما يدفعُ على الشعور بالاعتزاز وبضرورة الاحتذاء والتقليد ، وسبيل عمل الترتيبات في الحاضر إن لم يكن لتقليد الماضي فلاكتشاف محاسنه وأمجاده للناشئة وصناّع القرار على الخصوص .

أما الانحطاط أو التراجع الحضاري في المدنية الإسلامية ، فله في نظر الأمير  ثلاث علل رئيسية : استيلاء الأعاجم على مواقع القرار في عالم الدولة الإسلامية ، والصراع على السلطة الذي أدَّى إلى التشرذُم ، وإعراض العرب والمسلمين عن الأعمال النافعة المتمثلة في المكتشفات الحديثة من جهة ، والتنظيم والمؤسسات من جهةٍ ثانية (16) . وهكذا فإنه على الرغم من البحوث العلمية التي أجراها شكيب أرسلان بنفسه ؛ بقيت لديه هذه المسلَّمة الموروثة عن المستشرقين في عصر الدولة القومية : الأجانب والأعاجم وغير الأُصلاء هم سببُ الداء . ولكي لا يحتجَّ  أحدٌ على الأمير بالقول إنّ شواهد التاريخ لا تؤيّده ، بدليل أمجاد المماليك والعثمانيين في صراعهم مع أوروبا والغرب من أجل وحدة الدولة وقوتها ، وبقاء دار الإسلام ، يذهب إلى أنّ الدين متأصّلٌ في العرب رسالةً وفهماً ودعوة بخلاف المسلمين الجدد – كما أنّ الدين يتطلب نشره واستتبابُهُ في العالَم وجود نخبةٍ تعرفُهُ معرفةً جيدةً ، وهو ما لم تستطع الدول المَسُودة من أعاجم إنفاذه . ولستُ على بينةٍ متى بدأت نزعةُ تعليل الانحطاط بالحضــور القوي للأجــانب . لكنّ كتاب فلهاوزن عن " الدولة العربية وسقوطها " والصادر عام 1901 يعتبر ثنائية العرب / العجم الداء الرئيس وراء سقوط الدولة الأُموية ؛ بل الضعف المستشري عبر العصور . ولا ينكر الأمير شكيب أهمية العامل القومي أو العصبية ، على الطريقة الخلدونية ؛ لكنه يرى أنّ " العصبية الجنسية " التي نشرها الغرب في الشرق كانت سبب البلاء ، والأساس في زعزعة استقرار الدولة العثمانية (17).

وما يقال في هذا العامل الأول ، يقال في العامل الثاني : الاستبداد ،  والصراع على السلطة باعتباره سبباً من أسباب التشرذم والانحطاط(18) . فالواقع أنّ هذا التعليل ليس من صنع الأمير شكيب أو زملائه النهضويين ؛ بل هو قديمٌ في اعتبار المسلمين وأفكارهم . فهناك عصرٌ ذهبيٌّ واحدٌ هو عصر الراشدين ، ثم تبدأ الأمور بالتردي والتراجع إلى حين حدوث الانحطاط . بيد أنّ المشكلة في هذا التصور تكمن في أنّ الصراع الدمويَّ على السلطة بدأ أيام الراشدين بالذات . ثم إنّ العرب لم ينفردوا بالصراع على السلطة ، بل كان شأنهم في ذلك شأن الأُمم الأخرى . ولم تتسبب الصراعاتُ لدى الأمم الأوروبية في انحطاطها ؛ بل إنها أسهمت في نهوضها . فالتنافُس أدى إلى الانطلاق واجتياح العالم ، وحصول الاكتشافات الجغرافية ، وبناء الجيوش ، وحصول الاختراعات العلمية والعسكرية . وعصر الراشدين خير شاهدٍ على ذلك . فعلى الرغم من الصراعات الدموية على السلطة ، استمرت الفتوحات بعد انقطاعٍ قصير ، وعادت للتزايد أيام الأُمويين ، أولئك الناس الذين بدأ بهم " المُلْك العضوض " (19) . فالرؤية الأخلاقية للتاريخ ليست بالضرورة رؤيةً صحيحةً أو تعكس حقائق ووقائع تاريخية.
                                                       *           *         *       *

يذكر شكيب أرسلان في رسالته  : " لماذا تأخر المسلمون ، ولماذا تقدم غيرهم " تفصيلاتٍ تتركز في  : الجهل والعلم الناقص وفساد الأخلاق ، والصــراع على الدنــيا والســلطة ، وضياع الإسلام بـين الجامديــن والجاحدين (20) . والواقع أنّ ذلك كان هو الكتاب الثالث أو الرابع المؤلَّف أو المترجَم لدى النهضويين منذ مطلع القرن العشرين ، والذي يحاول تعليل أسباب التراجُع أو عِلَلَ غلبة أوروبا (21). والواضح أنّ هذه الطريقة في فهم الأمور تجعلُ الاستيلاءَ الأوروبيَّ نتيجةً للانحطاط وليس العكس . وهذه أُطروحةٌ تقيمُ فاصلاً أو فارقاً بين التفوق الحضاري والتفوق  أو الانتصار العسكري . فالمسلمون كانوا أكثر تقدماً من المغول ومن الصليبيين ومن الأسبان المشاركين في حرب الاسترداد . ومع ذلك فقد فشلوا أمامهم . ولا عِلّةَ لذلـك غــير التفــرق والصــراع علــى السلــطة ، وســوء إدارة الشأن العـــام ( الاستبداد ) في نظر الكواكبي ورشيد رضا وشكيب أرسلان . ويضيف بعض النهضويين عادةً ( ومنهم الأمير شكيب  ) : ابتعاد المســلمين عن الإسـلام الصحيح . ولذلك فالمطلوب في الأساس أمران : التوحُّد ، والإصلاح الإسلامي . ويُضاف إليه في القرن العشرين : اكتساب العلوم الحديثة إذ إنّ المسلمين تخلّفوا في مجالاتها (22). ولا خلافَ بين الإصلاحيين في هذه المسألة التي سعوا إليها جميعاً بشتى الوسائل أفراداً ودُولاً (23). وانصبَّ النضالُ على الأمرين الآخرين : الوحدة ، والإصلاح ، اللذين اختلفوا حولهما اختلافاً شديداً . فقد كان هـناك من قال ( الطهطاوي مثلاً بعد تجربته الباريسية ) إنه لا حـاجةَ للإصــلاح الديني ؛ بل للإصلاح الدنـــيوي بالترقّي في الصــناعة والــزراعــة والتـــجارة والتنظيــم (24) . والواقــع أن الأمـير شــكيباً ( بخلاف الشيخ محمد عبده وزميليه رشيد رضا والكواكبي ) هو في الأساس من رأي الطهطاوي ؛ إذ لم يكتب في حياته دراسةً دينيةً فقهيةً أو كلامية . وهو عندما يتحدث في هذا الكتيّب عن المشكلة الإسلامية يشبّهها بالمشكلة بين البروتستانت والكاثوليك ، أو تيار العقل وتيار النقل(25)، وما كان شيءٌ من ذلك داخلاً في تحليل زملائه القائلين بالإصلاح الديني . فخُلاصةُ الأمر بالنسبة له ولسائر النهضويين أنّ المشــكلة ليـســت في الإسلام بل هي في المسلمين . وهكـــذا فالذي يـــبقى من القضـايا الأساسيــة في النهوض قـــضية الوحـــدة التي أرادها شكــيب أرسـلان إسـلامـيةً من طـــريق " الجامــعة الإسلامية " التي تحقّــق التضــامُن بقيادة العثمانيين أو بالـشورى والإجماع ( فكرة المؤتمر ) . ثم عندما سقط العثمانيون أرادها عربيةً ، واعتبر الجامعة العربية بدايةً حسنة (26).

ما علاقةُ هذا كلّه بالتاريخ والدراسات التاريخية ؟ وماذا يبقى من دراسات أرسلان التاريخية ؟

كانت دراسات  الأمير شكيب التاريخية متقدمةً بمقاييس عصره ؛ من حيث المعارف التي تعرضُها ، ومن حيث المنهج الذي تتحرك فيه : منهج التحقيق التاريخي ، والجمع بين القراءة والاستكشاف (27). بيد أنّ غاياتها كانت أخلاقيةً ونهضويةً ؛ بمعنى أنه إلى جانب عرض المنجزات الحضارية المنافِسة للحضارة الأوروبية ، كان يؤكد في كلّ مناسبة على الانتصار عند الوحدة ، والهزيمة عند التفرق والتشرذم . وهكذا فإنّ الثنائية : شرق/ غرب - والتي حكمت كلَّ الفكر الإصلاحي ، حكمت الفكر التاريخي للأمير شكيب أرسلان أيضاً . فقد كنا حضارةً متقدمةً ،ونستطيع أن نكون كذلك اليوم ، إنما هذه المرة بمقاييس الحضارة الأوروبية . ثم إننا كنا دولةً واحدةً فأنشأنا إمبراطوريةً كبرى وحضارةً كبرى ، ونستطيع اليوم بالتوحُّد التخلُّص من النير الأوروبي ، والسَيْر مع الأوروبيين مَسيرَ الندّ مع الندّ .

تاريخٌ للنهوض والحضارة ، تاريخٌ للتقدم ، وغائيةٌ إرادويةٌ تربِطُ التقدم الحضاريّ بالقوة السياسية والعسكرية الموحَّدة . هكذا أراد الأمير شكيب أن تُفهم دراساتُهُ التاريخية ، وبخلاف السائد أيامه في العلاقات الدولية ، وفي النظر إلى العرب والمشرق والمسألة الشرقية  وصراع القوى الكبرى على النفوذ في  منطقتنا .

وهكذا فإنّ النظر إلى دراساته وبحوثه التاريخية بمنظار المناهج التاريخية ، يختلف عن النظر إلى المسائل ذاتِها بمنظار الوعي العربي والتطلع العربي . فإذا كان التاريخ درساً وعبرةً وتواصُلاً ؛ فإنّ  دراسات الأمير شكيب التاريخية تكون قد أسهمت في بناء الوعي التاريخي العربي المعاصر . وتبقى الأسئلة الشائكة السائدة حتى اليوم ، ليس في المنهج فقط ؛ بل وفي المضامين أيضاً ؛ من  مثل العلاقة بين التقدم الحضاري والقوة العسكرية والوحدة السياسية – ومن مثل العلاقة بين السلطة والمجتمع ،والدين والدولة في تاريخنا – ومن مثل موضوعة الانحطاط ؛ ذلك الانحطاط الذي استمرَّ زُهاء الألف عام حسبما يقول الكثيرون ، والذي لم نستطع الخروج من إساره إلى الآن لأسبابٍ مختلفة .

الحواشي

(1) قارن برؤية الأمير شكيب أرسلان للغزو الإيطالي ، والجهاد الليبي ، مع ذكرياته الشخصية ؛ في حواشيه وتعليقاته على حاضر العالم الإسلامي 2/64-128،129-135،136-137،138-139،140-165،398-407، 3/374،376-385،397-398،396-408. وانظر عن دوره في الجهاد الليبي ؛ ظاهر محكد صكر الحسناوي : شكيب أرسلان ، الدور السياسي الخفي ، دار الساقي ،2002 ، ص  ص 159-170 .- وسامي الدهان : شكيب أرسلان ، من رواد الوحدة العربية ، 1963 ، ص 68 .
(2) قارن بحاضر العالم الإسلامي 2/289-303.
(3) حاضر العالم الإسلامي 2/283.
(4) يرى الحسناوي ( شكيب أرسلان ، مرجع سابق ، ص 175 ) أنّ شكيب أرسلان ما انصرف عن العمل السياسي إلى العمل العلمي إلاّ بعد واقعته مع موسوليني أوساط الثلاثينات . لكنّ ذلك لا يبدو صحيحاً .
(5) كتاب الحسناوي السالف الذكر مخصَّصٌ لعلاقات الأمير أرسلان بالقوى الكبرى ، وأعماله السياسية مع العثمانيين ، ومع حركات التحرر العربية في المشرق والمغرب .
(6) له ديوان شعر ، كما نشر ديوان أخيه نسيب أرسلان ، وحقق رسائل ونصوصاً أدبية ؛ قارن بشكيب أرسلان : سيرة ذاتية ، دار الطليعة ، بيروت 1969 ، ص ص 25-34 ، وسعود المولى : شكيب أرسلان ، مختارات نقـدية في اللغة والأدب والتاريخ ، دار الكلمة ببيروت ، 1982 ، ص ص 233 –242 . وقد قام سامي الدهان في : الأمير شكيب أرسلان ، حياته وآثاره ، 1976 . ص ص 193وما بعدها بتلخيص مضامين آثار شكيب أرسلان .
(7) تقديره لجمال الدين في حاضر العالم الإسلامي 2/289-303 ، ولمحمد عبده 2/283، ولرشيد رضا 2/284-286 . وقارن بكتابه الكبير عن علاقته مع رشيد رضا ومراسلاته معه ؛ شكيب أرسلان : السيد رشيد رضا وإخاء أربعين عاماً .  مطبعة ابن زيدون بدمشق 1937 .  
(8) أنظر عن رؤيته لظهور الإسلام ، والمدنية الإسلامية ، وتطورات النهوض والانحطاط : حاضر العالم الإسلامي 1/24وما بعدها : الفتح العربي ، 1/31وما بعدها : البعثة المحمدية ،1/43: السيرة النبوية ( قراءة نقدية لكتاب أميل درمنغهام : حياة محمد ) ، و1/106وما بعدها : الحضارة الإسلامية ، 1/128وما بعدها : المدنية العربية ، و1/137وما بعدها : الحركة العلمية في الحضارة العربية ، و1/259وما بعدها : في اليقظة الإسلامية ، و1/287 وما بعدها : الجامعة الإسلامية .
(9) حاضر العالم الإسلامي 4/364-395 : الشهيد أنور باشا ورفقاؤه . وانظر عن دوره في العصر العثماني ؛ الحسناوي : شكيب أرسلان ، مرجع سابق ، ص ص 53-98 .
(10) حاضر العالم الإسلامي 1/287-328 : في الجامعة الإسلامية ، و4/71-156: ف العصبية الجنسية ( القومية ) .
(11) طُبع بمطبعة عيسى البابي الحلبي بمصر عام 1930 – وفيه فصولٌ أيضاً عن الأندلس ، مما يدل على اهتمامٍ مستمرٍ لدى أرسلان بها قبل كتابه الكبير عنها .
(12) الحلل السندسية .. بقلم الأمير شكيب أرسلان ، من أعضاء المجتمع العلمي العربي ( بدمشق ) . الجزء الأول 1936 . طُبع بمصر لحساب كتبي مغربي اسمه محمد المهدي الحبابي ( فاس) . والجزء الثاني 1936 أيضاً لحساب الناشر نفسه . والجزء الثالث 1939 دونما ذكرٍ للناشر المغربي ، وعليه لقب الأمير شكيب الجديد :ر ئيس المجمع الـعلمي العربي في سوريـة . والمعروف أنّ الأمير لم يتسلم هذا المنصب ، لأنه لم يرد الخضوع للفرنسيين المنتدبين بسورية .
(13) طُبع الكتاب بمطبعة المنار بتصحيح وتحرير السيد محمد رشيد رضا صديق الأمير شكيب (1350هـ ) . وكانت علاقتهما بالملك عبد العزيز قد صارت وثيقـــةً يومَـــها مذ شــاركاه رأيه في مـــسألة الخلافة ، وطهورية المذهــب الوهــابي ونهضويته ؛ وقارن بالارتسامات اللطاف ، مرجع سابق ، ص 303 : إشراف الحجاز على العمران بشمول العدل والأمان .
(14) ألحق النصَّ عن بني نصر برواية شاتوبريان : آخر بني سراج ، كما ألحق به وثائق عن والد آخر سلاطينهم. ونُشر الكتاب عام 1897 بمطبعة الأهرام ؛ ومعه خُلاصة تاريخ الأندلس السالف الذكر . وللأمير بحوثٌ تاريخيةٌ أخرى منـشورة في مجلــتي المنار والفتح عبر ثلاثين سنة . وهكذا فاهتمامه بالأندلس قديم ومستمر .
(15) الحلل السندسية 1/7 .
(16) أنظر عن رؤية الأمير للمدنية الإسلامية ، ولعوامل النهوض والتراجع : حاضر العالم الإسلامي 1/106-136،137-155،4/39-65، ولماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم ( صدر عام 1930 . وأرجع هنا إلى نشرةٍ من مكتبة الحياة بلبنان أواخر الستينات بتقديم القاضي الشيخ حسن تميم ) ، ص ص 141 –151 .
(17) قارن بالفصل الطويل عن " العصبية الجنسية " في حاضر العالم الإسلامي 4/71-172 ، وعن التُرك 4/173-176 ، وعن التفرقة التي نشرتها الروح القومية في الهند 4/177-202 – وانظر : لماذا تأخر المسلمون ، مرجع سابق ، ص ص 138-140 .  
(18) الاستبداد والصراع ( حاضر العالم الإسلامي 4/39-47) ، وديمقراطية العرب واستبدادية الآخرين ( حاضر العالم 4/69-70) .
(19) الخلافة والمُلْك ( حاضر العالم الإسلامي 1/240-258) .
(20) لماذا تأخر المسلمون .. مرجع سابق ، ص ص 75-78.
(21) هناك كتاب المدعو محمد عمر ( من مستخدمي مصلحة البوستة المصرية ) وعنوانه : كتاب حاضر المصريين أو سر تأخرهم (1902) . وهناك الكتاب الذي ترجمه أحمد فتحي زغلول : سر تقدم الإنجليز السكسون . وقد عرض الأمير لموضوع التقدم والانحطاط في حاضر العالم الإسلامي 3/2-28 : سيطرة الغرب على الشرق ، وحاضر العالم الإسلامي 1/117: لماذا الإسلام راقٍ بذاته والمسلمون غير راقين ؟
(22) حاضر العالم الإسلامي 4/203 : التطور الاقتصادي ، و4/229 : التطورالاجتماعي .
(23) قارن عن التعليم ودوره في فكر الإصلاحيين وممارساتهم ؛ فهمي جدعان : أسس التــقدم عند مفكـري الإسلام في العالم العربي الحديث ، 1979 ، ص ص 112-165 . وانظر كتاب محمد عمر السالف الذكر : حاضر المصريين (1902) ص ص 120-132 : المدارس والتعليم .
(24) قارن برضوان السيد : الإصلاح والثورة ، قراءة في فكر الطهطاوي ؛ مجلة وجهات نظر ، عدد42 ، يوليو 2002 ، ص ص 10-13 .
(25) لماذا تأخر المسلمون .. مرجع سابق ، ص 115 –116 .
(26) مقدمة : لماذا تأخر المسلمون … ص 19 ، نقلاً عن عبد الله المشنوق الذي قابله قبل وفاته بقليل .
(27) بدأ محمد عبد الله عنان في ثلاثينات القرن العشرين ، أي إبان تأليف شكيب أرسلان لتأريخه للأندلس ، بترجمة كتابٍ عن الألمانية في تاريخ الأندلس ليوسف أشباخ  J. Ashbach  وقع في النهاية في ستة أجزاء . وما قمتُ بمقارنةٍ دقيقة بين الكتابين ، لكنّ كتاب الأمير شكيب أكثر حيوية وعصرية – بينما كان كتاب عنان هو الذي أثر في وعي الجيل السابق ، وليس كتاب الأمير . ثم جاءت دراسات المستشرقين الأسبان وحسين مؤنس ومحمود علي مكي والعبّادي والحجي ، فنُسي الكتابان تماما ً .
name country
تاريخ الاضافة 8/1/2014
الاسم: د. احمد حلواني
البلد: سوريا
بحث في المرجعية التاريخية عند الامير شكيب ارسلان واهمية التاريخ لتحقيق حالة نهوض جديدة للامة،تستند الى وعي معاصرو مواكبة لحركة تقدم العالم، والدراسة تاتي في مرحلتها لتقدم خبرة رجل مفكر ومثقف نزر نفسه لقضايا امته وابنائها كي تاخذ مكانتها اللائقة بين الامم، فشكرا للكاتب د. رضوان على جهده وعلى اختياره الهام